رصد لملامح التصوير الفوتوغرافي المحلي في فلسطين (1850 ـ 1948)

حجم الخط
0

رصد لملامح التصوير الفوتوغرافي المحلي في فلسطين (1850 ـ 1948)

الباحث عصام نصار في كتابه لقطات مغايرة :رصد لملامح التصوير الفوتوغرافي المحلي في فلسطين (1850 ـ 1948)عمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: هذا كتاب متميز في مادته، وملامح صياغته، وما يحفل به من صور نادرة، لحقل غاب كثيرا عن أنظار الموثقين لتاريخ فلسطين خلال القرن التاسع عشر، وصولا إلي النكبة 1948، وما جرت من الضياع والتشتت، وتلف المنجز، وتبعثر الجهود، وسيطرة المحتلين علي كل ملمح يدل علي ما كانت عليه البلاد وأحوال العباد قبل اجتياحهم البربري لها، وحسنا فعلت مؤسسة عبدالمحسن القطان الفلسطينية وهي تنشر كتاب الباحث والموثق عصام نصار لقطات مغايرة: التصوير المحلي المبكر في فلسطين 1850 ـ 1948 ، وفيه جزءان أساسيان، المكتوب، ويتناول مقدمة نصار، وبحثه عن التصوير الفوتوغرافي المبكر، ثم بدايات التصوير المحلي، ويكتب أيضا عن تمثيل فلسطين في التصوير الفوتوغرافي المحلي، ويورد ملاحظات ختامية، وتلك المصادر التي لجأ إليها حتي أنجز بحثه، وفي الجزء الثاني المصور هناك مجموعة منتقاة من الصور الملتقطة خلال فلسطين العثمانية، وصور من عهد الانتداب البريطاني، وأخري لفترة العصيان وصولا إلي النكبة، ولا ينسي أن يضع ملحقا حول تاريخ وتطور التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر.ولعلي في عرضي التعريفي المختصر بهذا الجهد أن أنبه إلي ما يحتويه من كنز معرفي ثمين للفنانين الفوتوغرافين والباحثين، وأصحاب الذاكرة الحية التي لا تنسي.يقول نصار في مقدمته بما أن الفوتوغرافيا أسوة بدخول مظاهر الحداثة الأخري لأية منطقة من مناطق العالم ارتبط بتغيرات ثقافية محددة ترتبط بثقافة صورية، فإن دراستنا هذه تحاول البحث عن الكيفية التي دخل فيها الفوتوغراف لفلسطين، ومدي ارتباط بروز ثقافة صورية محلية بالثقافة الصورية الأوروبية، وهذا الكتاب يهدف إلي تعريف القاريء بتاريخ صنعة التصوير المحلي (أو الوطني) الفلسطيني وجل تركيزه يرتبط بالبدايات: دخول التصوير الشمسي لفلسطين، وأوائل المصورين من المحليين، وبداية نشوء أسواق للتصوير محليا، والكيفية التي استقبل بها المجتمع الفلسطيني التصوير، وكيف وظفه، ولا يدعي الكتاب أنه موسوعة مفصلة شاملة لكل ما يرتبط بتاريخ هذه الصنعة، بل انه يقدم بالأساس قراءة تاريخية لكيفية تمثيل التصوير الفوتوغرافي لفلسطين وسكانها… ، ولعل هذا الكتاب كما أشار نصار أيضا يسعي للرد علي تلك الكتب الإسرائيلية التي أبرزت جهود المصورين اليهود خلال مئة عام في فلسطين، ليس من خلال مناقشة تلك الكتب التي لم تشر لجهود المصورين الفلسطينيين، بل بتقديم وثيقة دامغة من هذه الجهود.الفصل الأول من الكتاب يناقش التصوير المبكر في فلسطين بعد اختراع التصوير في عام 1839 م، وكيف انعكس أثر هذا الاختراع علي انصباب جهد الأوروبيين علي تصوير الأرض المقدسة لأسباب استشراقية الطابع حتي أن الأمريكي دوايت المندورف عنون كتابه التصويري سنة 1901 باسم حرب صليبية بالكاميرا علي البلاد المقدسة حيث جاء أساسا ليوثق للمواقع الدينية التي وردت في الإنجيل، كما اندفع المئات من المصورين الأوروبيين إلي فلسطين خلال القرن التاسع عشر، وانشغلوا كثيرا بالقدس، ونشروا صورها في العالم، ومنهم من كان زائرا فقط، ومنهم من كان مقيما، والبعض الآخر كان من المحليين الذين أتقنوا الصنعة، يقول نصار معلقا علي نتائج تلك التجارب استنادا إلي مسح شامل وعام لعدد كبير من الصور الفوتوغرافية علي أنواعها، والتي تعود إلي القرن التاسع عشر والموجودة في عدد من المتاحف والأرشيفات، فقد وجدت أدلة تثبت أن تقليدا أوروبيا بالفعل قد تكون لكيفية تمثيل فلسطين في هذه الصور ويدل علي: طغيان تصوير المواقع ذات الأهمية الدينية، تجنب تصوير السكان المحليين، تصوير الأشخاص بطريقة تجعل منهم إثباتات تاريخية لصحة التراث الإنجيلي، تمثيل ومسرحة المشاهد الإنجيلية والتوراتية، غياب صور الأشخاص، وتحديدا النساء العراة من صور فلسطين آنذاك، تصوير المواقع نفسها، ومن الزوايا نفسها باستمرار . وبالطبع يناقش الباحث هنا هذه الملاحظات بالتفصيل، ويحلل وجودها، ويبدو أن الصور كانت تهدف إلي تحقيق مقولة اليهود أن فلسطين أرض بلا شعب، كما كان واضحا أن معظم الصور التقطت في استوديو أو جري مسرحتها، أي الطلب من بعض الناس أن يمتثلوا لتعليمات المصور الأوروبي غالبا، في طريقة اللباس أو الحركة التي يؤدونها لتأتي متوافقة مع بعض المقولات الدينية.يقول نصار في نهاية الفصل الأول وتحت عنوان – الاستعمار بصريا ـ .. لقد قدم التصوير الفوتوغرافي فلسطين علي أساس أنها موقع توراتي، كما سلط الضوء علي وجود أقليات مسيحية ويهودية بحاجة إلي حماية، وقدم باقي السكان علي أنهم مجموعة من الأفراد المتخلفين حضاريا، فالصور التي اجتاحت البيوت الأوروبية والأمريكية ساعدت علي تشكيل وعي أوروبا لصورة فلسطين بوصفها أرض الأحلام، أرضا في انتظار من يطالب باستردادها روحيا وماديا.. .أما الفصل الثاني فهو يناقش بدايات التصوير المحلي من أهل البلاد أو من أقام فيها، ولهذا يذهب بعض المؤرخين إلي أن المهاجر الروسي ماندل دينيس يعد أول مصور محلي عمل في القدس خلال الخمسينيات من القرن التاسع عشر، لكن نصار لا يعده محليا فهو عاش لعقد من الزمان هناك، ويري أن المصور داود صابونجي أول من افتتح محترفا فوتوغرافيا في يافا في عام 1892م.غرابيديان والمحترف الأرمني يبدو اسم البطريرك الأرمني أساي غارابيديان مؤثرا في الفوتوغراف المحلي فهو تعلم حرفة التصوير كما يقول في سيرته الذاتية أثناء عمله مسؤولا عن متحف ومكتبة البطريركية الأرمينية بالقدس، وكان رسم كاهنا عام 1851، و كان هدفه من التصوير دينيا لتعريف الأمة الأرمينية بالمواقع المقدسة عبر الصور وفيما بعد زار أوروبا وتطورت موهبته، كما انتخب في عام 1865 بطريركا للمدينة، وما يهمنا هنا أن غرابيديان بذل جهودا لتدريب الشبان الأرمن علي مهنة التصوير عبر محترف داخل مجمع كنيسة القديس يعقوب بالقدس، ومن هذا المحترف كما يروي الباحث نصار تخرج عدد من المصورين الأرمن من أمثال كيفوركيان، وغرابيد كريكوريان وهذا الأخير افتتح أول استوديو للتصوير في القدس في عام 1885 م، وخلفه ابنه يوهانس الذي بعثه إلي ألمانيا ليتعلم أصول الفوتوغرافيا، وعاد وتزوج من إبنة اخت منافس والده المصور خليل رعد، واسمها نجلاء ويبدو أنها كانت أول امرأة تمارس التصوير في فلسطين إذ كانت تساعد زوجها في عمله، ومن الواضح أن خليل رعد شريك كريكوريان أساسا هو أول عربي غير أرمني في فلسطين افتتح محلا للتصوير في القدس عام 1890 وتطورت تجربته فنيا وموضوعيا حتي أنه أنتج كتابا أو كتالوغا يضم صورا لفلسطين وأهلها في عام 1933، ورعد هذا كما يروي إدوارد سعيد في كتابه خارج المكان كان مصور عائلتهم، ومن جهة أخري برز في يافا المصور عيسي الصوابيني، ومحمد صالح الكيالي (يعتبر اول مصور مسلم في فلسطين) وذلك خلال الحرب العالمية الأولي وما بعدها من العشرينيات، وفي حيفا برز حلادجيان، وكذلك برز عدد من المصورين اليهود من المهاجرين الأوائل ولا سيما الروس، أما في الناصرة فقد برزت كريمة عبود لكي تكون المصورة العربية الأولي في فلسطين خلال تلك الفترة، ثم تطور أمر التصوير كثيرا خلال الانتداب البريطاني، لأن الصورأصبحت ضرورة في المعاملات الرسمية، والهويات الشخصية والرقابة الجنائية، وغيرها. يقول نصار وبحسب المسح الإحصائي الذي أجرته حكومة فلسطين الانتدابية، فقد كان في القدس وحدها في عام 1947 ما مجموعه ستة وأربعون مصورا وموردا لمستلزمات التصوير، منهم إثنان وعشرون مسيحيا، وأربعة مسلمين، أما العشرون الباقون فهم من اليهود .الفصل الثالث والأخير من الكتاب ناقش مسألة تمثيل فلسطين في التصوير الفوتوغرافي المحلي، وفي هذا الفصل يناقش نصار الصورة ودلالاتها ما ارتبط منها بالمصور أساسا أو بعملية التصوير أو بموضوعها، أو موقعها كسلعة، فإذا كان التصوير قد أتي أولا إلي الإمبراطورية العثمانية كرغبة أوروبية ذات أهداف محددة فإنه أصبح لاحقا ضرورة محلية اشتغلت علي إعادة إنتاج فلسطين بعيدا عن التنميط الأوروبي ذي الصبغــة الدينية لها، كما انشغلت بتصـــوير المناسبات الشخصية والعائلية والاجتمـــــاعية المختلفة، أما البورتيريهات أو الصور التي كانت تلتقط داخل الاستديوهات للأشخاص فقد ارتبطت بالملابس الجاهزة في الأستوديو التي يرغب الزبون في أن يظهر بها، وغـــالبا ما كانت لا تشبه وضعه الطبيعي، وهذا الأمر يذكرني بأن بعض الأستديوهـات في الأردن علي سبيل المثال وبخاصة في المحافظـــات، كانت تضم بدلات للبسها، ومجموعة من ربطات العنق، حتي وقت قريب، وفي بعض الأستديوهات القريبة من المناطق السياحية فإن اللباس الفلولكلوري متوفر للأجانب والمحليين أيضا ليجربوا مظهرهم الخادع به، بالطبع ينتبه الباحث نصار هنا إلي التنميط الذي ساد الصور العائلية الملتقطة في الأستوديوهات تحديدا، وكيف كانت مركزية الأب واضحة، وترتيب الأطفال والزوجة لها دلالاتها التي لا تخفي، وهذ الأمر بحاجة ربما لقراءة بصرية نسوية من جديد، كما يمر الباحث علي أنماط التصوير المتبعة في فلسطين حتي عام 1947 ومنها تصوير المتوفين قبل الجنازة وبعدها، وتصوير خريجي المدارس، ولبعض الرجال بالبزة العسكرية. يقول نصار ربما يكون السبب المبكر للصورة في البزة العسكـرية مرتبطا برغبة المجند في إبقاء صورة له كما ظهر آخر مرة، قبل الذهاب للجبهة، التي قد لا يعود منها سالما، إلا أن تطور ذلك لاحقا ليشمل أعباء غير حربية مثل قوة البوليس، يدل علي تأسيس نمط من التصوير قد يكون متعلقا بالسلطة التي يمثلها الزي الرسمي، ومما لا شك فيه أن الأجيال اللاحقة من الفلسطينيين قد تصورت في البزات العسكرية كتعبير عن موقف سياسي ودور نضالي يلعبه الشخص متعلقا بضياع فلسطين ، وبالطبع فقد ظهر فيما بعد مصورون من أمثال حنا صافية وعلي زعرور قاموا بمهمة تصوير الأحداث السياسية والحربية، والثورات التي انطلقت في فلسطين وصولا إلي 1948. ويخلص د. نصار إلي أنه عبر استعراضه للاستخدامات المختلفة للتصوير في فلسطين يستنتج أن الحقل الفوتوغرافي لم يكن ينظر إليه علي أنه فن من الفنون، بقدر ما كان يعتبر طريقة لتوثيق الحياة الاجتماعية والخاصة.الكتاب يضم أيضا ملحقا بالعديد من الصور الفائقة الجودة، والوضوح من القرن التاسع عشر والعشرين لفلسطين مكانا وأهلا وقضية، وهو يعد وثيقة متميزة، بذل الباحث فيها جهودا، ربما تكون غير مسبوقة، علي أنه من الضروري استكمال الجهود من قبل باحثين آخرين، أو مؤسسات متخصصة، فلم أجد مثلا إشارة إلي جهود الفوتوغرافي الفلسطيني الأردني عبد الرزاق بدران، الذي كان صاحب استوديو في يافا بوقت مبكر، حيث أشار لي في مقابلة شفوية في عمان قبل رحيله في عام 2003 إلي أنه صاحب تجربة مبكرة في التصوير الفوتوغرافي في فلسطين، وربما ما تزال أعماله مجهولة للكثيرين، وغير موثقة، وعلي كل فإن جهود الباحثين الفلسطينيين والعرب يجب أن تتجمع للتوثيق قبل ضياع ما تبقي من الأرشيف، وموت أصحابه.بقي أخيرا أن أشير إلي أن مؤلف الكتاب د. عصام نصار يعمل باحثا في تاريخ فلسطين الحديث في مؤسسة الدراسات المقدسية، وأستاذ التاريخ في جامعة برادلي في الولايات المتحدة، أما مؤسسة عبد المحسن القطان ناشرة الكتاب، فهي مؤسسة خيرية مستقلة ومسجلة في بريطانيا، تعمل في حقلي الثقافة والتربية في فلسطين والعالم العربي.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية