في هذه الحرب
رشاد أبوشاور:افتضح أمر نظم حكم عربيّة، وتكشّف لملايين العرب أنها غبيّة، وأنّ غباءها مزمن: فهي ما كانت تتوقّع قّط أن تصمد المقاومة اللبنانيّة…وهي كانت علي ثقة بأن (إسرائيل) ستسحق حزب الله، وستحتّل الجنوب اللبناني من جديد وبسهولة، وستطرد المقاومين، بحيث لا يبقي سوي ترسيم الحدود، وإغلاقها تماماً، ليتّم الانتقال بسلاسة إلي (الجبهة) الفلسطينيّة، فينصّب (الأشخاص) الاحتياطيون، المجهّزون، المتلمظون شبقاً للسلطة…وهي كانت مطمئنة إلي أولئك الذين تحالفوا في لبنان، ولا يجمعهم سوي الحقد علي المقاومة، ورغبة تقاسم السلطة، و..الجاهزية لتوقيع صلح دائم مع (إسرائيل)، وتمشية كّل ما تريده أمريكا، فبهذا يصير لبنان (عربيّاً) كبقيّة الأنظمة، وعضواً فاعلاً في الجامعة العربيّة…وبهذا لا تبقي سوي المقاومة العراقيّة، التي سيستفرد بها، وهكذا يتفتت الشرق القديم إلي شرق ينفرّط تماماً، ويتناثر في كيانات أين منها شرق سايكس بيكو!أترون ما تفعله المقاومة الإسلاميّة في لبنان، التي يلتف حولها يوماُ بعد يوم، شعب لبنان بكّل طوائفه، والوطن العربي بملايينه!ذاكرة الحروب: حرب 48: 7 جيوش تدخل في 15 أيّار، تعد الفلسطينيين بالنصر علي (العصابات) الصهيونيّة، وبعد أربعة أشهر تضيع مدن فلسطين واحدة بعد أخري، ويتشرّد شعب فلسطين، ويمزّق وطنه…أتذكرها تلك الحرب: هروب ليلي من الطائرات، الجوع، العطش، الخوف مّما لا نعرف، اللهم سوي كلمة تتردّد: اليهود، اليهود ..ونحن لا نعرف ما هم هؤلاء اليهود، سوي أن أهلنا يهربون بنا، يختبئون بنا في المغاور والكهوف، ويواصلون الهرب بينما الطائرات تلاحقنا في الليل والنهار، الطائرات التي لا نعرف ما هي، سوي أنها بترت يّد جارتنا ..ثمّ: مخيمات، برد، ذّل، و..بكاء علي ما ضاع: ضاعت فلسطين فلنبكي فلسطينا هاتي الدموع دماءً يا مآقينا حرب 67: والله زمان يا سلاحي…ثمّ لا سلاح في أيدينا . لقد حرمنا من السلاح، فالشعب ليس له علاقة بالدفاع عن الوطن…ابلغنا بالحرب، ثمّ أبلغنا بالهزيمة…حرب 73: منذ الساعات الأولي، أنا الملدوغ، غير الواثق بالأناشيد، وبحناجر المذيعين، الذي اعتاد علي هزائم الجيوش في الميادين، ابتهلت إلي الله أن لا نفاجأ بأن المطارات ضربت، وأنّ الطائرات دمّرت وهي مقعية. صرت أدفع الأيّام دفعاً، أقبض علي الثواني والساعات بقلبي، بنبض دمي، وأبتهل أن نتجاوز نتجاوز الستة أيّام التي باتت عقدة في نفوس العرب…مضت الأيام الستة، ثمّ .. بدد نصف الانتصار، والنصر لا يختلس اختلاساً، لا ينتزع بالمساومة، إنه يفرض في ميدان المعركة…ماذا عن حرب 56؟ كانت تلك حرب لا يخجل منها، فهي حرب بين مصر الناصريّة، وإمبراطوريتين، وكلب الحراسة: الدولة ذات الوظيفة (إسرائيل) .. و..خرجت منتصرة سياسيّاً، بعزيمة ذلك القائد التاريخي جمال عبد الناصر، الذي وقف علي منبر الأزهر الشريف ليعلن: حنحارب، حنحارب ..ليس بالسلاح وحده تنتصر الدول، والشعوب، فالسلاح الذي تدفع بعض دول الخليج مليارات سنوياً لم يجلب نصراً للأمة، ولا خاض معركة…بسلاح قليل: ينتصر حزب الله، لأن سلاحه الكثير هو الإنسان، والإيمان، وتحديد العدو، ومعرفة الصديق، وتحديد الهدف…رجال حزب الله انتصروا منذ الساعات الأولي علي سلاح جو العدو، وسلاح برّه، ففي هذه الحرب لا صواريخ رادعة للطائرات، ولذا ارتدي رجال حزب الله الأرض، دخلوا فيها ومشوا إلي الميدان بها، فباغتوا العدو في مارون الراس، وبنت جبيل، انبثقوا من التلال، وشعاب الوديان، ومن بين الأشجار، ومن تحت الصخور…ووقع العدو في الحيرة، فهذه حرب لم يسبق أن خاضها من قبل…مجتمع العدو: لأوّل مرّة تجيئه الحرب في عقر مدن ظنّها نائية، اعتاد عليها آمنة مطمئنة، فجيشه يندفع إلي الحرب، وبعد ساعات أو أيّام يخبره بأنه انتصر، وهنا يندفع هذا التجمّع البشري المجلوب من الشرق والغرب والجنوب والشمال ليحتفل ..بينما نبدأ نحن في النحيب، والتحسّر، والتفجّع شعراً ونثراً…نحن اعتدنا أن نهيم علي وجوهنا في كل حرب، أن تلتصق آذاننا في أجهزة الراديو، وهم كانوا يواصلون حياتهم اليوميّة كالمعتاد، فلهم جيش يحميهم، ولنا دموع نذرفها، وخدود نلطمها، وليس لنا أن نحاسب من انهزموا في الميادين، من يدفعوننا ثمن حروب لم يكن لنا فيها دور!في هذه الحرب يهروّل مجتمع العدو إلي الملاجئ، إلي السفارات للرحيل نجاة بالنفس، يرتعد خوفاً، فهذه حرب لا تشبه غيرها.. إنها حرب عباد الله العرب، لا حرب الطغاة المنتصرين علي شعوبهم، المهزومين من العدو…المقاومة: ثلاث مقاومات في بلاد العرب تحارب أمريكا والكيان الصهيوني الأداة: المقاومة الفلسطينيّة، المقاومة العراقيّة، المقاومة اللبنانيّة، مقاومات ثلاث هنّ مقاومة واحدة ضدّ عدو واحد.. أليس الأمر كذلك؟!نظم حكم بجيوش، وأجهزة، لها مهمّة واحدة: إفقاد الجسد العربي الواحد أدني قدرة علي المقاومة، إغراقه في وحل اليأس…هذه الحرب: لا تخوضها سبع جيوش، ولا ثلاثة جيوش عربيّة . هذه الحرب يخوضها في لبنان فصيل وطني عربي مسلم، هو حزب الله، وحده علي الجبهة اللبنانيّة، خلفه وحوله شعب لبنان العظيم، بأسلحة بسيطة بالمقارنة بترسانة أمريكا الإسرائيليّة…عربي النخوة: تقول الأنشودة التي يبّثها تلفزيون المنار الشجاع بمذيعاته، ومذيعيه، وفنييه، وإدارييه:عربي النخوة لبناني وجنوب العزّة عنواني ألا تشرح هذه الأنشودة هوية حزب الله، وطنيته اللبنانيّة، وانتماءه العربي، وعزّته في الميدان: أرض الجنوب؟!أعجبني ما قاله رجل دين في فضائية المنار: في جنوب لبنان مقاومة، وفي جنوب فلسطين مقاومة، هذان جناحان لوطن واحد، ومقاومة واحدة .. هذا رجل دين صادق، لا يفرّق بين مسلم ومسلم، بين مسلم ومسيحي، يعتّز باحتضان لبنان لمواطنيه الجنوبيين، هذه إحدي مفاجآت هذه الحرب: الوحدة الوطنيّة، وتكافل الناس، والروح اللبنانيّة العريقة…هذه الحرب لن يهزم فيها لبنان وحزب الله، ولن يهزم فيها شعب فلسطين، ولن يهزم فيها شعب العراق، لأنها حرب أمّة واحدة ضد عدو واحد: أمريكا وعميلتها(إسرائيل)…0