الليرة التركية تهبط وأصحاب المال يهربون

حجم الخط
2

باكير اوكان، صاحب شركة «اوكان» التركية، يمكن أن يكون راضيًا عن الهزة التي تعصف بالاقتصاد التركي. اوكان، الذي بدأ حياته المهنية كمعلم للرياضيات وأصبح مع السنين أحد مستثمري البناء الكبار في تركيا وفي شرق أوروبا، يبني الآن في ميامي «أبراج اوكان»، المخصصة أساسًا للمستثمرين الأتراك الذين يبحثون عن كيفية الحفاظ على قيمة أموالهم في ضوء الهبوط المتواصل لقيمة الليرة التركية.
سيضم المشروع 389 وحدة سكن فاخرة، ستدار بطريقة الشقق الفندقية، مع حمام تركي وإطلالة على البحر. وتشجيعًا لأصحاب الأموال الأتراك، فتح اوكان مؤخرًا شقة نموذجية في اسطنبول أثارت اهتمامًا شديدًا. وحسب توقعه، فإن المشروع ـ الذي سيستثمر فيه نحو 300 مليون دولار ـ سينتهي في 2022.
اوكان هو من نوع المستثمرين الذين يخرجون الرئيس رجب طيب اردوغان عن طوره. فمن يساعد المواطنين الأتراك على إخراج الدولارات من تركيا هو في نظره خائن، ليس أقل. ويمكن لنهجه أن يكون مفهومًا ليس فقط في ضوء انهيار الليرة، التي بلغ سعرها هذا الأسبوع 4.9 ليرة للدولار. فاردوغان يرى في تطوير فرع العقارات في تركيا إحدى الرافعات الحيوية للنمو، رافعة تؤكد فكره الاقتصادي الذي يقضي بأنه يجب توفير الظروف المناسبة للمستثمرين كي يفضلوا تركيا وألا يتجهوا إلى حقول الأجانب. والإغراء الأساس، حسب اردوغان، هو تخفيض سعر الفائدة بحيث ينشأ حافز لاستدانة القروض وقروض السكن، وهذه بدورها ستزيد الطلب على الشقق، ما يجر مزيدًا من الاستثمارات في مجال العقارات. على هذا دار في السنوات الأخيرة خلاف شديد بينه وبين محافظ البنك المركزي الذي يرى فيه اردوغان عائقًا خائنًا يهدد استراتيجيته الاقتصادية.
بعد الانتخابات للرئاسة وتنفيذ الإصلاحات الدستورية التي منحت اردوغان الصلاحيات الحصرية لتعيين المحافظ المركزي، وإلى جانب تعيين صهره برات البيرق في منصق وزير المالية، فهم المستثمرون الأجانب أيضًا ومحافظ البنك إلى أين تهب الريح. ومع أن محافظ البنك قرر هذا الأسبوع إبقاء الفائدة على حالها، بمعل 15.75 في المئة، وعدم رفعها رغم ارتفاع التضخم المالي إلى أكثر من 15 في المئة ـ ولكن في الوقت نفسه عدل توقعات التضخم المالي لنهاية السنة وحددها عند 13.4 في المئة مقابل 8.4 في المئة كانت متوقعة في بداية السنة. وإذا كان اردوغان يتطلع إلى فائدة مستقرة أو فائدة منخفضة، فليعلم إلى أين من شأن مثل هذه الفائدة أن تقود الدولة. فالمستثمرون الأجانب من جهة قرروا في هذه الأثناء الإبقاء على أموالهم في جيوبهم ليروا إلى أين يتجه الاقتصاد التركي. كما أن المواطنين الأتراك هم الآخرون ممن يخططون لشراء الشقق الجديدة علقوا في معضلة قاسية. فهل سيأخذون قروض سكن بالفائدة الحالية، العالية بحد ذاتها، أم ينتظروا انعطافة مجهولة ما، حين لا تكون الخيارات كثيرة؟ إذا فهم اردوغان بأن التضخم المالي هو الذي يستوجب فائدة عالية، ولا تنشأ من تلقاء ذاتها، فلعله يدع البنك المركزي يرفعها، وعندها يرفع أيضًا سعر قروض السكن. بالمقابل، إذا واظب على تمسكه بتخفيض سعر الفائدة، فإن سعر القروض ـ وإن حدث ـ سيكون أدنى، إلا أن قوة شراء المال ستقل.
هذه المعضلة لم تحسم بعد ولكنها تجد تعبيرها منذ الآن، على الأقل في المعطيات الرسمية ـ تلك التي تشير إلى أن عدد قروض السكن الجديدة التي أخذت من البنوك في النصف الأول من هذه السنة انخفض بنحو 18 في المئة مقابل السنة الماضية. هذا ليس معدلاً بسيطًا، وهو يشير إلى الفهم في أوساط الجمهور بأنه، حتى لو كانت القروض اآان أرخص، فإنهم هم أنفسهم من شأنهم أن يبقوا عديمي القدرة على إعادتها في ضوء التضخم المالي الذي سيزداد.
تفيد معطيات مكتب الإحصاء المركزي أيضًا بأنه مقابل الانخفاض في العدد الإجمالي للشقق التي بيعت في تركيا، فإن المبيعات للأجانب بالذات ارتفعت هذه السنة بأكثر من 23 في المئة. ويأتي أساس المشترين من العراق (في المرتبة الأولى)، وبعد ذلك من إيران، وروسيا، وأفغانستان، والسعودية. ظاهرًا، هذا معطى مشجع، ولكن عندما يكون عدد الشقق التي بيعت في تركيا هذه السنة هو 646 ألف، منها فقط نحو 12 ألف شقة بيعت للأجانب، من الصعب أن نرى كيف يمكن لحجم المبيعات للأجانب أن يؤثر بشكل ذي مغزى على الاقتصاد التركي أو يعوض الانخفاض في عدد الشقق التي سلمت للمواطنين الأتراك.
إن المعطيات الجافة والتحليلات الاقتصادية هي سبب واحد فقط من عموم جملة الاعتبارات التي يستخدمها شاري الشقق أو رجل الأعمال الذي يرغب في توجيه ماله إلى آفاق آمنة نسبيًا. فالأجواء السياسية، وانعدام الثقة بالسياسة والخوف من عدم الاستقرار، هي عوامل ذات أهمية بالغة، ولا سيما على خلفية العلاقات المتوترة بين تركيا والولايات المتحدة.
هذا الأسبوع حذرت إدارة دونالد ترامب من أنها ستفرض عقوبات على تركيا إذا لم تفرج عن القس الأمريكي آندرو برونسون، المعتقل منذ نحو سنتين في الحبس التركي للاشتباه بضلوعه في محاولة الانقلاب العسكري في تموز 2016، وعلى أي حال بالاتصال مع منظمات إرهابية. ووافقت تركيا هذا الأسبوع إلى نقل برونسون إلى السجن إلى الإقامة الجبرية، ولكن هذه البادرة الطيبة لا ترضي الإدارة الأمريكية. وكالمعتاد فإن التهديد بالعقوبات لا يترافق وتفاصيل دقيقة أو بجدول زمني، بل تستهدف أساسًا تحريك الأمور. ولكن في نظر المواطن التركي، فإن العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة لا تخلق دافعًا للتوجه إلى البنك للحصول على قرض ما لغرض شراء بيت.
يجدر التشديد على أن الاقتصاد التركي ليس على حافة التفكك. فلتركيا اقتصاد قوي وقدرة صمود مالية، ولكن مثل هذا الاقتصاد يتطلب صيانة وسياسة ثابتة لا تعتمد على النزوات أو الاحلام. ومثلما شهدت دول عديدة على جلدة مواطنيها، فإنه حتى الاقتصادات التي تبدو مستقرة من شأنها أن تنهار رغم الإشعارات المسبقة.

ذي ماركر 2/8/2018

الليرة التركية تهبط وأصحاب المال يهربون
الاقتصاد ليس على حافة التفكك لأنه قوي ولديه قدرة مالية للصمود
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية