لندن – «القدس العربي»: جاء في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» كتبته إيزابيل كيرشنر : من دالية الكرمل على مشارف قرية الدروز هذه، القابعة فوق تلك الربوة الخضراء والمطلة على البحر الأبيض المتوسط، هنالك نصب تذكاري لأكثر من 420 من الجنود الدروز وأعضاء قوات الأمن الذين قتلوا في المعركة من أجل إسرائيل. فقد أقامت الأقلية الدرزية الناطقة بالعربية العلاقات مع الكثير من اليهود حتى قبل تأسيس الدولة، وفي السبعين سنة التي تلت ذلك، وصفت كلتا المجموعتين تحالفهما الاستراتيجي بأنه «ميثاق دم» ووصف كل طرف منهما الآخر على أنه «أخوه في الدم».
بعد ذلك، وفي منتصف تموز/يوليو، سن البرلمان الإسرائيلي قانونًا أساسيًا، يمتلك ثقل التعديل الدستوري (إسرائيل دولة بلا دستور)، معلناً إسرائيل «الدولة القومية للشعب اليهودي»، تلك الدولة التي أسست لتقرير المصير «للشعب اليهودي». وبالتالي تم تخفيض مرتبة اللغة العربية من لغة رسمية إلى جانب اللغة العبرية، إلى مرتبة لغة ذات «وضع خاص». ومن اللافت في هذا القانون، لم يشتمل على أية إشارة الى المساواة وإنتهاج الديمقراطية بين المواطنين، وهو ما يعني تهميش الأقلية العربية في إسرائيل (في الحقيقة عدد العرب يساوي عدد اليهود في فلسطين التاريخية ان تم حساب مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة بالإضافة لمواطني ما يطلق عليه مناطق 1948) والتي تشكل ما نسبته 21 في المائة من السكان والبالغ عددهم ما يناهز التسعة ملايين نسمة.
إن الدروز (وهي طائفة دينية قوامها حوالي 000 145 نسمة في إسرائيل، ويدينون بالولاء للدولة التي يقطنون فيها، وهذا من معتقداتهم الدينية) قد شجبوا هذا التشريع باعتباره إهانة لاذعة وخيانه صريحة لتعاونهم مع اليهود منذ تأسيس الدولة. وبالتالي هم الآن أبرز من يتولى قيادة ردود الفعل العنيفة ضد هذا القانون الذي يزعزع الأسس الأخلاقية التي رفعت شعارها البلاد، ويطرح تحدياً قوياً للحكومة اليمينية برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وقال شادي نصرالدين، 45 عاماً، (درزي من سكان دالية الكرمل) شقيق الجندي الإسرائيلي القتيل (لطفي) الذي فقد حياته في الحرب الأخيرة على قطاع غزة عام 2014 : «كفى التربيت على الكتف والقول: إنك شقيقنا ونحن نحبك !!، لقد كان من المفترض أن يكون هناك مساواة كاملة في دولة الديمقراطية، وأضاف نصر الدين – الذي أحيل على التقاعد بعد خدمة إستمرت لما يناهز الـ26 عاماً في الجيش الإسرائيلي، ويعمل الآن في موقع النصب التذكاري ملقياً المحاضرات ويساهم في الأنشطة التعليمية : «نحن أول من يخوض المعركة في الصفوف الأمامية وأول من يموت في سبيل العلم»، «ويبدو الأمر وكأن الشعب الإسرائيلي قد تخلى عنا ببساطة . يقولون انهم لم يفعلوا. لكن طبقًا للبنود الواردة في هذا القانون، نحن لا وجود لنا».
حراك درزي في «الأمن»
وبعد أن أعلن ضابطان درزيان مغادرتهما الجيش، أصدر رئيس الأركان الإسرائيلي – الجنرال غادي إيزنكوت – توجيهاً عسكرياً نادراً من نوعه إلى قواته يوم الثلاثاء الماضي، داعياً فيه الجنود إلى نبذ السياسة فمكانها خارج الجيش.
ومثلهم كمثل الشباب اليهود الذين يبلغون من العمر 18 عامًا، يتم تجنيد الدروز، بموجب القانون، في الخدمة العسكرية، وعلى الرغم من قلتهم في العدد، يلعب الدروز دوراً بارزاً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وبالتالي لقد وقع العشرات من ضباط الشرطة السابقين رفيعي المستوى، بينهم ثمانية مفوضين سابقين في الشرطة، رسالة هذا الأسبوع تطالب بتعديل القانون، وإجراء التعديل المناسب ليشمل الأقليات التي تساعد في الدفاع عن البلاد.
وقال شلومو أهارونيشكي – أحد المفوضين السياسيين السابقين للجيش – في إذاعة الجيش الثلاثاء الماضي: «لا يوجد في هذا القانون أي عدالة، إنه لا يتمتع بالمساواة، ولا يشير إلى جميع مواطنيها»، وليس هناك وعد بالأمن لجميع المواطنين ولا ديمقراطية». وأضاف «دولة ليس لديها من شعب إلى جانب الشعب اليهودي، فقط اليهود، وليس هناك من غيرهم».
وينتشر الدروز – طائفة انشقت عن الإسلام منذ 1000 عام – في كل من سوريا ولبنان والأردن وشمال إسرائيل، وهم بلا روابط مشتركة مع عرب إسرائيل ولا يتشاركون معهم في تطلعاتهم الوطنية الفلسطينية، ولكنهم ينادون بالمساواة داخل إسرائيل وبأنها يجب أن تنطبق على الجميع، وليس فقط على فئة منتقاة بعناية.
أقليات في الجيش
أما الشركس، فهم مجموعة عرقية مسلمة في معظمهم، يخدمون أيضاً في الجيش الإسرائيلي، ويتطوع العديد من البدو قاطني النقب في الجيش، ومن جانب آخر معظم الرجال اليهود الأرثوذكس المتطرفين يحصلون على إعفاءات من الخدمة العسكرية بحجة التفرغ للعبادة والتفقه بالتوراة.
وقال رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، ومدير الأخبار السابق في هيئة الإذاعة العامة الإسرائيلية: «يجب تطبيق المساواة في المجتمع المدني للدولة العلمانية». «إذا سألتني كمواطن، فبالتأكيد يجب أن تكون المساواة للجميع».
وقد عقد الحلبي وممثلو الدروز اجتماعات عاجلة عدة مع رئيس الوزراء نتنياهو منذ إقرار القانون، لكن رئيس الوزراء دافع عن القانون بعد إجتماعه بهم بقوله: «إن القانون لا ينتقص على الإطلاق من الحقوق الفردية لأي شخص… إنه مصمم لتحقيق التوازن القانوني اللازم، الذي حان وقته، من أجل ضمان الهوية اليهودية لدولة إسرائيل». وتفهم «مطالب الدروز ومخاوفهم المشروعة»، ولكنه رفض قبول أية فكرة لتعديل القانون، وعوضاً عن ذلك، عرض تقديم مساعدة للدروز في مناطقهم مثل تسهيلات بالبناء وتطوير تجمعاتهم، ووصف حراك سكان دالية الكرمل (لقد أخطأوا في اعتراضاتهم).
وألقى نتنياهو باللوم على «اليسار الإسرائيلي» للتحريض على معارضة القانون، ولكن وزير التعليم ونظيره اليميني – نفتالي بينيت – انحاز علناً إلى جانب الدروز ودعا إلى إصلاح هذا القانون.
وقال وزير المالية في يمين الوسط – موشيه كاهلون: إن التشريع قد تم «على عجل»، بالرغم من أنه تمت مناقشته منذ ما يقارب العشر سنوات، وأنه يجب تعديله.
موقف اليسار الإسرائيلي
وقال أيوب كارا – من حزب الليكود المحافظ في إئتلاف نتنياهو، وهو من سكان دالية الكرمل: إنه «فخور بأن يكون إسرائيلياً» وكان سعيدًا بالقانون. بالرغم من كون مشرّعين آخرين من الدروز قد قدموا إلتماسات إلى المحكمة العليا في إسرائيل لتعديله.
من جانب آخر، وللاحتجاج على القانون، انضم مئات من الإسرائيليين لتجمع عربي كبيرً في ساحة بتل أبيب ليلة الاثنين الماضي، وأعلن الشاعر السياسي اليهودي توم أهارون، أن برنامجه التلفزيوني الأسبوعي سيتضمن ترجمة باللغة العربية حتى نهاية الموسم الحالي على الأقل. هذا ومن المقرر تنظيم مظاهرة كبيرة يوم السبت المقبل.
وألقى الصحافي الدرزي، رياض علي، مونولوجًا مدهشًا مدته ست دقائق على قناة البث العام خلال عرض إخباري في وقت الذروة، قائلاً إن القانون «أنهى علمانية إسرائيل» وحوّل الجنود الدروز إلى «مرتزقة». وقال مردخاي كرمنيتسر، وهو عميد سابق لقسم القانون في الجامعة العبرية في القدس وكبير زملاء معهد الديمقراطية الإسرائيلي (مركز أبحاث مستقل)، إنه «يخجل» من «وطني الصهيوني» وانهار في البكاء خلال المقابلة الإذاعية. وقالت جاليا حلبي /43 عاماً/ التي تعمل في متجر يعود لأسرتها في دالية الكرمل: «لا توجد كلمات تصف الألم والحزن اللذين سببهما هذا القانون للدروز. باختصار، إنه أمر مخزٍ».
وقال جاترو، وهو رجل دين مهم للطائفة الدرزية : عبر موسى وصهره البحر الأحمر، ومنذ ذلك الحين، لدينا عهد الدم. وأشار إلى أن ضابط الشرطة الدرزي الذي قُتل خلال عملية للمقاومة الفلسطينية عام 2014 في القدس.
وقال عنان شامي (28 عاماً)، في متجره لبيع الهواتف الخلوية (والده قاتل في حربي 1948 و 1967، وشقيقه في حرب لبنان عام 2006، وفي غزة عام 2014) : لنخبر قتلى الحرب في المقبرة بأنهم تحولوا الى ضحايا من الدرجة الثانية، لأجل من ولماذا قتلوا؟ وما الذي كانوا يكافحون من أجله؟!