حداثيون سعوديون مكتومون: مضاوي الرشيد تختبر تصنيفات لاكروا وآصف بيات داخل البلاد

شهدت المملكة العربية السعودية في العقدين السابع والثامن من القرن العشرين عدداً من الأحداث على صعيد الجماعات الجهادية وعلاقتها بالمحلي السعودي والإقليمي؛ وقد تمثل أولها بحادثة جهيمان العتيبي في عام 1979، إذ قاد بالاتفاق مع مجموعة صغيرة هجوماً على الحرم المكي في سعي منهم إلى إحراج النظام السعودي ومهاجمة سياساته. أما الحدث الثاني تشكل في ظل مشاركة عدد من السعوديين في ما عُرف بفترة الجهاد الأفغاني.
وقد ساهم الحدثان السابقان في تكوين صورة نمطية حول الإسلاميين السعوديين وربما حول كل السعوديين في الغرب، بوصفهم إما متطرفين أو جهاديين، يتميزون بنزعتهم المحافظة وبغضهم للنساء. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ومشاركة خمسة عشر شاباً في هذه «الغزوات» لتزيد من قتامة هذا الصورة في الدوائر الإعلامية الغربية.
وقد حاول عدد من الباحثين في السنوات الأخيرة، تغيير هذه الصورة، عبر إظهار مدى تنوع الوسط الإسلامي السعودي، أو من خلال الكشف عن نمط جديد من الإسلاموية يسميها ستيفان لاكروا في مقال منشور له سنة 2004 بـ«الإسلاموية اللبرالية الحديثة»؛ في المقابل هناك من حاول اعتماد تصنيفات آصف بيات، ليتحدث عن حركات «ما بعد إسلاموية» في السعودية تطالب بالحقوق أكثر من الواجبات، وتنخرط في الحياة اليومية من خلال رؤية جديدة للتراث الإسلامي.
ومن بين الجهود الجديدة التي انشغلت بهذا الجانب، يمكن الإشارة مؤخراً إلى كتاب الأنثروبولوجية السعودية مضاوي الرشيد الاستاذة الزائرة في كلية لندن للاقتصاد والسياسة في كتابها المترجم حديثاً للعربية «حداثيون مكتومون: الصراع على السياسات الشرعية في المملكة العربية السعودية»/ الصادر بالإنكليزية سنة 2015.

من هم؟

وتعني الرشيد بالمكتومين هنا، مجموعة صغيرة من الإسلاميين ممن سعوا لإيجاد مكان لهم في الحيز العام عبر الدعوة السلمية للديمقراطية والمجتمع المدني. وتتألف هذه المجموعة من إسلاميين مخضرمين ارتبطوا بالصحوة الإسلامية في تسعينيات القرن العشرين مثل الشيخ سلمان العودة وعبد الله الحامد ومحمد الأحمري، وبعضهم أكثر شباباً، أخذت كتاباتهم تحظى بالاهتمام بعيد عام 2010 كما في حال عبد الله المالكي ومحمد العبد الكريم ونواف القديمي.
ورغم أن جهود مضاوي، كما أشرنا، تأتي في سياق مكمّل لجهود بعض الباحثين حيال تنوع الظاهرة الإسلامية في السعودية، مع ذلك فإن ما تلاحظه الرشيد في سياق مراجعتها لهذا الميراث الأكاديمي الذي سبق بحثها هو «أن اللجوء إلى اللغة الاصطلاحية الغربية لفهم الدوافع الإسلامية، قد شكّل بحد ذاته تحدياً للباحثين والأكاديميين، بسبب عجزهم عن تجاوز الأطر النظرية للآباء المؤسسين للعلوم الاجتماعية الغربية». ولذلك ترى الرشيد أنه من الضروري محاولة تجنب الربط بين الحداثيين الإسلاميين وتصنيفات مثل اللبرالية (ستيفان لاكروا) أو ما بعد إسلاموية (آصف بيات)، وذلك لأن الحداثيين المكتومين وفق تعبيرها قد تحولوا وتغيروا من جراء اصطدامهم بالسياقات التاريخية والتطورات المحلية. فقد تعايشت الإسلاموية وما بعد الإسلاموية في السعودية بدلاً من تكوين مراحل تاريخية متعاقبة بوضوح، كما أن التيار السعودي جاء بمثابة تحول في سياق سلفي وليس انتقالاً متعمداً ومقصوداً باتجاه الليبرالية، أو ما بعد الإسلاموية. كما يتجذر أنصار هذا التيار ومؤيدوه في سياق إسلامي، مع أنهم قد يسعون إلى عقد تحالفات مع الليبراليين وغيرهم لتوسيع دائرة أتباعهم.
وبالعودة إلى هذه الشريحة الإسلامية، تحاول الرشيد دراسة الفضاء والنقاشات التي أحاطت بكتاباتهم، كما في مثال الشيخ سلمان العودة الذي تجاوز نطاق الخطاب السلفي التقليدي حول الخروج المكروه على ولي الأمر الظالم باتجاه تقييم حسنات الاحتجاج السلمي في سياق ثوري. وكان العودة بدأ حياته المهنية كعالم دين في بلدته بريدة، حيث درس في معهدها الديني، وتابع حلقات الدروس لعلماء السلفية المشهورين مثل عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين. بعد ذلك أصبح محاضراً في جامعة الإمام محمد بن سعود إلى أن أعفي من التدريس فيها عام 1993 بعدما ألقى سلسلة من المحاضرات السياسية انتقد فيها موقف السعودية حيال تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في ما اعتبر أزمة إسلامية داخلية، وقد أدى نشاطه السياسي إلى سجنه أربع سنوات. وبعد خروجه من السجن، أعاد النظام وفقاً للرشيد تأهيل دور العودة كجزء من استراتيجيته لاستخدام الإسلاميين في معركته ضد التيار الجهادي الأكثر عنفاً؛ وقد أدان العودة في برامج ومقابلات مع وسائل الإعلام بعد الحادي عشر من سبتمبر الجهاديين وفضح سوء فهمهم للنصوص الإسلامية المتعلقة بالجهاد الشرعي.
مع قدوم الانتفاضات العربية وإطاحة اثنين من الزعماء العرب، عاد العودة لنشاطه السابق، وكان واحداً من أوائل الدعاة السعوديين الذين نشروا تأملاتهم عن الثورة من وجهة نظر إسلامية في كتابه «أسئلة الثورة» الذي صدر عام 2012 ، إذ أعاد فيه تأهيل مفهوم الثورة، بعد أن ارتبط طوال عقود بالاضطراب والفوضى، من خلال الدمج بين الفكر السياسي الغربي عن التغيير الثوري مع ميراثه الإسلامي.
وقد نجح العودة عبر خطابه الهجين في استمالة جمهور عريض من الشباب السعوديين الباحثين عن الانخراط في جدالات عالمية حول الثورات والديمقراطية ضمن ميراثهم السلفي الخاص.

فقه التحرير السعودي

وتتطرق الرشيد لكتابات الجيل الجديد من الإسلاميين المكتوميين عبر قراءة تجربة أستاذ أصول الفقه في جامعة محمد بن سعود محمد العبد الكريم. وعلى غرار سلمان العودة وكثيرين غيره، وجد الجيل الجديد من المفكرين الإسلاميين في الماضي الأوروبي مصدراً للمعرفة التي ربما لا يصادقون عليها كلياً، لكنهم ينهلون منها على الأقل في محاولة لتفسير الاستبداد العنيد والركود السياسي؛ فمثلاً يشير محمد العبد الكريم في أحد كتبه إلى أن العصيان المدني ليس شكلاً من أشكال الفتنة، بل هو جزء لا يتجزأ من مطالب ومقاومة الاستبداد؛ كما ويرى الكريم في الحديث النبوي: «يكون آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاء خونة كذبة، فمن أدراك ذلك فلا يكن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً» دلالة على العصيان المدني ودعوة إليه، ونصيحة للمسلمين بعدم خدمة الحكام الجائرين بل مقاطعتهم.
وقد حظيت تجربة محمد حامد الأحمري وموقفه المدهش من الديمقراطية بقراءة مستفيضة من قبل الرشيد؛ إذ يرى أن الديمقراطية ليست اختراعاً لبرالياً غربياً بالضرورة، بل هي «النظام الطبيعي الفطري» الأصلي؛ وهنا يسـتشهد بأمثلة من اليونان القديمة وبلاد الرافدين وسكان امريكا الأصليين، والقبائل العربية في الجزيرة. وتقوم استراتيجية الأحمري، عبر ربط روح الممارسات الديمقراطية بمجتمعات متعددة في شتى أرجاء العالم، إلى المصالحة مع هذا المفهوم في مجتمعاتنا، ومن ثم القول إن الديمقراطية لا تعبر عن تفكير إثني معين أو جنسية غربية محددة، إذ تمثل الروح الديمقراطية في رأيه جزءاً من الميراث العالمي.
بيد أن هذا الاعتراف كما تلاحظ الرشيد، لا يعني بالنسبة للأحمري وغيره ممن ذكرت أسماءهم نهاية الالتزام الديني، بل نهاية الامتيازات التي يتمتع بها أولئك الذين عاشوا وتكسبوا وارتزقوا على الزعم بأنهم الاوصياء على روح الأمة وحراس نقائها الديني.
صدر كتاب الرشيد بالإنكليزية عام 2015، وهي الفترة التي سبقت موجة الاعتقالات والملاحقات التي تعرّض لها هؤلاء الحداثويون الإسلاميون خلال الأشهر القليلة الفائتة في السعودية؛ مع ذلك فإن كتابها بنسخته العربية يُعد اليوم مرجعاً مهماً، ليس على صعيد قراءة تجربة تيار من الحركة الإسلاموية السعودية في فترة معينة، وإنما في فهم وتفسير دوافع انتهاج النظام الحاكم في السعودية لسياسات قمعية تجاه هذا التيار؛ كما أن قراءة كتاب الرشيد قد تدفع القارىء لطرح تساؤلات حول ما إذا كانت السعودية مقبلة، في ظل هذا الانسداد وإجهاض أي مشروع إصلاحي، على حقبة أخرى من الاضطرابات والردكلة الجهادية المحلية.

٭ كاتب سوري

 

حداثيون سعوديون مكتومون: مضاوي الرشيد تختبر تصنيفات لاكروا وآصف بيات داخل البلاد

محمد تركي الربيعو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية