■ في الباحة الخلفيّة من النّظام، توجد غرفة ضيّقة، لا تتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص: مُناضل مُخلص، تفوّق على فرنان إيفتون، بأن نجا، ذات العام، من مقصلة الاستعمار، أو هكذا يُقال، وسمسار يبيع لحوماً ومساحيق تجميل وعجلات سيّارات، وأشياء أخرى لا يعلمها إلا الله، ومُتقاعد من البرلمان يصرخ في النّاس أن كسبه حلال. يلتقون في تلك الغرفة، كلّ مساء، ويطلّون منها على الشّعب، المُستلقي في الأسفل، تحت الرّطوبة والحرّ، وهو يمضغ أوهامه ويجترّها، ولا شيء آخر له عدا الأوهام، فقد سُلب منه الحقّ في الحلم، قبل سنوات، وذلك بنصّ ورد في الدّستور، الذي وضعه حاكم البلاد. ويلتقط هؤلاء الثّلاثة، بما تسنّى لهم من رقاب طويلة وأذرع وآذان، الأنباء المُتطايرة والأخبار الواردة، يسمعون ما يهمس به النّاس، وما تُخفيه المرأة عن حبيبها، ويدوّنونه، ثمّ يحرّرون، في غرفتهم تلك، القضايا والأسئلة التي تشغل الرّأي العام، ويرتّبونها حسب الأولوية، ثم يُرسلونها إلى مكتب الرّئيس، الذي من كثرة انشغالاته، وتوافد الزّوار الأجانب عليه، وكذا أصحاب التّجارة وأئمة المساجد وشيوخ الطّرق والزّوايا، لن يجد وقتاً للردّ عليها في الحين، مما يضطر الثّلاثي إلى لعب الدّور، الذي وُجد من أجله، فيقومون بطهي ما طاب لهم وما لذّ من شائعات، كالقول مثلاً أن وباءً خطيراً آتٍ من الصّحراء، وأن اللاجئين، الذين جاؤوا بحثاً عن لقمة عيش، أو لمواصلة طريقهم صوب الشّمال، يشكّلون خطراً على أمن البلد واقتصاده، أو أن الأمازيغ يختلفون عن العرب، فيغضبون ويهيجون، وتُضاعف الأغلبيّة حقدها على الأقليّة؛ يحدث كل ذلك وهم ينتظرون أن يفرغ الرّئيس من أشغاله المهمّة، كي يظهر، في تلفاز أو في طريق عامّ، وهو يرفع لهم يده، ويُجيب على أسئلتهم كلّها في جملة واحدة ومختصرة: عليكم بالصّبر والاستمرار والحفاظ على الاستقرار.
لم تعد الشّائعة طُرفة عابرة، أو قصّة ذات مفعول سريع الانتهاء، وليست فقط مسكّناً في لحظات القلق والتّأزّم، بل صارت أدباً قائماً بحدّ ذاته، يُشرف عليه مختصّون، يفكّرون ويبدعون في اختلاق الشّائعات، وفي التّرويج لها بالطّرق السّليمة، بحقنها في المواقع الأنسب، مُستفيدين، في بيع سلعهم من خصوصية المجتمعات، التي ما تزال تتمسّك بالشّفوية، ومن أن الأفراد تنمو في صدورهم حاسّة سادسة: اسمها الفضول، تسيّرهم انفعالاتهم، لا عقولهم. تنضج الشّائعة في تلك اللحظة التي تنسد فيها سبل التّواصل والتّلاقي بين حاكم ومحكوم، ورغم أننا دخلنا زمناً التهمت فيه الميديا يومياتنا، وتوسّعت فيها شبكة الفضائيات، فإن ذلك لم يغيّر شيئاً من الواقع، ما يزال المواطن يثقّ في أذنه، ولا يشغل نفسه بالبحثّ عن دليل أو حجّة، عن الكلام الذي يسمعه. والشّائعة التي تُولد، في الغالب، كدرع حماية لتجنيب الحاكم وحاشيته من مساءلات النّاس لهم، تتحوّل، من كثرة تكرارها إلى حقيقة، بل تصير لغة ووسيلة تعبير أساسية، في بعض الأوساط الاجتماعية، يبتلعها العابرون، وهم يعتقدون أن من يمتلك الشّائعة حاز الخبر اليقين. لن نختلف إذا قلنا إنّ السّياسة تنهل من أدب الشّائعات، ولا نظام حُكم واحد يستمر بدون أن يستعين بالشّائعات، لكن هذا لا يعني أن يتحوّل الاستثناء إلى ظاهرة، وبدل أن تكون الشّائعة غطاءً في لحظات معيّنة، قصيرة المدّة، تتحوّل إلى جزء من النّظام، إلى أفيون يومي، وإلى واحدة من أدواته الأساسية للبقاء. ولكن إذا تعمّقنا قليلاً سنجد أن للشّائعات محاسن، فهي توفّر سبباً للكلام، في المجتمعات الشّفوية، سيعثر النّاس بسهولة على موضوعات، يتقاذفونها في المقاهي ويملؤون بها مللهم في الحارات المُعتمة، بسبب انقطاعات الكهرباء، كما إنها تُساعد الحاكم، الذي تحوّل إلى أخ أكبر (نسمع عنه وبالكاد نراه)، ليحمي نفسه ومُحيطه؛ فكلّ شائعة هي كلام، لا نعرف مصدره، وبالتّالي لا يورّط أي شخص، ولا يُدين أحد، كما إن الشّائعات ـ كما ذكرنا سلفاً ـ تحمل إجابات، مع أنها ليست حقيقية، عن الأسئلة، التي تلوكها الألسُن، يجدون فيها بذرة ردّ عن القضايا، التي تهزّ يومياتهم، فبدل الإجابة ـ مثلاً ـ عن سؤال: «أين وزير الثّقافة؟ الذي غاب عن افتتاح مهرجان سينما البلد الكبير، وأحجم عن حضور حفل اختتامه، خشية أن يطير فيطير كرسيّه، ويفضّل أن يقضي يومه كاملاً في تويتر وفي الفيسبوك، في الرّصد والمتابعة، سنستعين بشائعة تقول إنه في عطلة أو إنّه يحضّر للموسم الثّقافي المقبل، وأن لا وقت له، من كثرة انشغالاته بمصالح العامّة، ومنافعهم، ونغفر له – بالتّالي – زّلته، ونمضي إلى قضية أخرى، مع ما يُرافقها من شائعات جديدة، نستأنس بها في لحظات الفراغ. والأهمّ من كلّ ذلك، أن الشّائعة تكلفتها منخفضة، لا تحتاج إلى قنوات تلفزيونية، ولا إذاعات، ولا لافتات كبرى، تغرس في الطّرقات والسّاحات، ولا منشّطين، يكلّفون الخزينة العمومية الملايين، فهي تندلع بسهولة، وتنتقل بين الألسنة والعقول بشكل سلس، فهي في حدّ ذاتها ميديا مستقلّة، هكذا يكون الأخ الأكبر ومن حوله، قد وفرّوا على أنفسهم أموالا، ستنفعهم، في مستقبل الأيّام، في الحملات الانتخابية، التي تمثّل الشّائعة الأصدق، التي لا خصام فيها. ففي الانتخابات، تزهر الشّائعات، ويجني الحاكم ثمار ما زرع، ويستفيد، طولاً وعرضاً من خدمات الغرفة الصّغيرة، التي رغم ضآلة حجمها، فقد هيّأ لها، ما تحتاج إليه من وسائل وخدمات، ويقوم فيها الثّلاثي المتين، بواجباتهم، على أكمل وجه، وبحماسة يحسدهم عليها الغيورون.
إنّ أدب الشّائعات، الذي له من المحبّين ما لا يعدّ ولا يحصى، ليس دائماً أدباً نقياً، وخدوماً لصاحبه، فقد يحصل أن ينقلب إلى ضدّه، ويستخدمه الشّعب، في لحظة ضجر، إلى أداة لتحرّي الحقيقية، ولكن الأخّ الأكبر يمتلك من الحيلة والدّهاء، ما لا يخطر على بال بشر، فقد وضع مصدّات لكل الطّوارئ المحتملة، وطوّق نفسه بكلّ اللوازم، التي من شانها ردّ الهجمات المُعاكسة، فإذا فشلت شائعة ما في ترويض العقول، وتخميرها، وانقلبت ضدّه، سيرد عليها بكلمة صافية، ومعبّرة: أياد خارجية. كلّ من يكسر عصا الطّاعة، ويثور فهو تابع لجهات أجنبية، عميل وخائن، وسرعان ما ستخمد ناره، بتلك التّهمة المعلّبة، التي تُحفظ بكميات كبيرة، في ثلاجة النّظام. وإذا لم تنجح التّهمة، فسيُضحي بكبش فداء، سيختار من بين الغاضبين شخصاً لغطسه في بئر سحيقة، وإن تزايد الغضب مرّة أخرى فسينقلب على مُعاونيه، ولا حرج من البدء بالأقلّ رتبة منهم، وعزله، كي يظهر في ثوب الدّيمقراطي، الذي أخطا الشّعب في حقّه، ولم يصوّت له بالنّسبة المئوية التي يستحقها.
في هذا الصّيف، وككلّ عام، تنضج الشّائعات، وتتراكم سُحب الكلام فوق رؤوسنا، والشّيء المختلف، هذه المرّة، الذي يؤكد تطوراً في خدمات الغرفة الخلفية للنّظام، التي يسهر عليها المُناضل المُخلص والسمسار ومتقاعد من البرلمان، أن الشّائعة لم تعد مجرد كلام، يُلقى على الأرصفة، وعلى أفواه الجالسين في المقاهي والحانات المكتظّة، بل صار باعة الشّائعات يبدعون في إقناع النّاس برسائلهم، وصار من لا يُصدّقها إنساناً غير عاقل، وأن من لا يُدين أتباع الدّيانات الأخرى السّماوية، في بلده، ومن يحترم حريات الآخرين، يصير مشكوكاً في وطنيته، وقد يشكّ البعض أيضاً في صحّته العقليّة.
٭ روائي جزائري
سعيد خطيبي