مصر: الصراعات تتكشف داخل الكنيسة القبطية بعد مقتل رئيس دير

حجم الخط
0

القاهرة ـ « القدس العربي»: فتح مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبو مقار، الباب للحديث عن خلافات مسكوت عنها داخل الكنيسة الأرثوذكسية المصرية.
ورغم أن التحقيقات الجارية لتبيان ملابسات الواقعة، لم تكشف عن القاتل بعد، لكن كلاما بدأ يبرز عن سيناريو تصفيات داخلية بسبب خلافات عقائدية وفكرية داخل الأقباط أنفسهم.
فالأنبا إبيفانيوس قتل داخل الدير، في الطريق بين القلاية (غرفة الراهب) والكنيسة الأثرية، ما يرجح فرضية أن يكون من نفذ الجريمة شخصا يمكنه دخول الدير بشكل طبيعي، خصوصاً أن من المعروف أن الأديرة يقتصر الدخول فيها على عدد معين من الرهبان والعاملين فيها بخلاف الزيارات التي يجري ترتيبها من وقت لآخر.
وما يدعم سيناريو أن الخلافات القبطية ـ القبطية هي الدافع وراء القتل، وقوع الجريمة في دير أبو مقار، الذي يعد الأب الراحل متى المسكين، من أشهر رهبانه، وقد سبق وشهد هذا الدير هجوما من بعض التيارات داخل الكنيسة التي توصف بـ«المتشددة» بسبب كتابات المسكين.
والأخير خاض صراعا فكريا، ترجم في الكتب، مع البابا شنودة الثالث والأنبا بيشوي مطران كفر الشيخ والبراري. ومنعت الكنيسة 48 كتابا للمسكين، معتبرة أنها «تحتوي على خلافات فكرية»، فضلاً عن علاقات المسكين مع الرئيس الراحل أنور السادات، وتبريره قرار عزل البابا شنودة وتشكيل لجنة بابوية لإدارة شؤون الكنيسة، وقتها.
البابا شنودة كان منذ وصوله للكرسي البابوي دائم الحرص على زيارة دير أبو مقار، إلا أن تلك الزيارات توقفت عند عام 1978، ولم يزر الدير إلا بعد 3 سنوات على وفاة الأب المسكين الذي فارق الحياة عام 2006.
على أثر زيارة البابا شنودة إلى الدير والتي حدثت عام 2009، تقدم الأنبا ميخائيل مطران أسيوط الراحل ورئيس الدير منذ عام 1946، باستقالته من رئاسة الدير.
وقام البابا شنودة خلال تلك الزيارة بإلباس الرهبان «قلنسوة» (غطاء رأس للرهبان) معتمدة من المجمع المقدس. واللباس هذا كان موضع رفض من قبل المسكين، الذي أمضى حياته الرهبانية بدون أن يرتديه.

انتخاب أبيفانيوس

وشهد دير مقار انشقاقات بين رهبانه في الفترة بين وفاة المسكين ووفاة شنودة عام 2012، ما دفع إلى عودة الأنبا ميخائيل للإشراف عليه من جديد، قبل أن يطلب من البابا تواضروس فور توليه المسؤولية اختيار رئيس جديد للدير، وهو ما تم عبر الانتخابات التي شارك بها رهبان الدير، وأسفرت عن اختيار الراهب أبيفانيوس المقاري، والذي أوصاه البابا قبل رسامته في 10 مارس/ آذار 2013 بـ«لم شمل الدير».
وتصاعدت خلال الفترة الماضية الصدامات والخلافات داخل الكنيسة حول التعليم الكنسي، وجرى التصويب على أتباع وتلاميذ المسكين، وانتهت بتشكيل المجمع المقدس في مايو/ أيار الماضي لجنة لمراجعة التعليم الكنسي. كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام من مقتل إبيفانيوس، جدلا وخلافات إثر تكريم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للأب متى المسكين، واعتباره أحد رواد مدارس الأحد خلال الاحتفال بمئوية مدارس الأحد التي أقيمت في مكتبة الإسكندرية، حيث قال نشطاء أقباط إن ما حدث «محاولة لتزييف التاريخ»، وأعتبروا أن الراهب الراحل «لم يكن خادما في المدارس بل وهاجمها»، فيما تمسكت الكنيسة بأن الأب الراحل كان بالفعل أحد رواد مدارس الأحد.
وجاء رد فعل لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة في المجمع المقدس على حادثة مقتل الراهب أبيفانيوس، ليبين عمق الأزمة التي تشهدها الكنيسة المصرية، حيث اتخذت عدة قرارات أهمها تعليق قبول الرهبان لمدة عام ومنع الرهبان من الظهور الإعلامي أو التواصل مع الأقباط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ منحت الرهبان مدة شهر لغلق أي صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي والتخلي الطوعي عن هذه السلوكيات والتصرفات التي وصفتها بأنها «لا تليق بالحياة الرهبانية».
ويبدو أن هذا القرار هدفه منع حصول أي جدل بين الرهبان المنقسمين، ما يقافم من حجم الأزمة. وأعلن تواضروس الثاني، بابا أقباط مصر، أمس الجمعة، غلق صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، امتثالاً لقرارات اللجنة.
وقال تواضروس في تدوينته الأخيرة عبر «فيسبوك»، وفق وكالة الأنباء الرسمية للبلاد: «لأن الطاعة من نذور الرهبانية التي يجب أن أصونها وأحفظها لذا أتوقف عن صفحة فيسبوك الخاصة بي وأغلقها».
وأضاف «أحيي كل إخوتي وأبنائي الذين نهجوا طاعة لقرارات كنيستي المقدسة».
وأيضاً أكد الراهب القمص بولس، سكرتير البابا شنودة الثالث الراحل، إغلاق صفحاته على موقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»
وقال بولس في آخر منشور له: «آبائي الموقرين، أخواتي الأحباء، طاعة لقرارات المجمع المقدس بخصوص عدم استخدام الآباء الرهبان حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، سأغلق حسابي عبر فيسبوك وتويتر»ولن يكون لي من اليوم أي علاقة بأي منها، وما سجلته عن قداسة البابا شنودة، موجود، وكتابي عنه موجود، فلن أسجل شيئًا بعد اليوم، وكل تراثه بالكامل الآن من عظات ومقالات وكتب بين أيديكم في تطبيق».

«قرارات صائبة»

وتابع: «أرجوكم عن تجربة أن تثقوا أن قرارات الكنيسة وقداسة البابا والمجمع المقدس دائمًا هي الصواب، صدقوني، فهم الأدرى بصالح الكنيسة، هم الأدري ببواطن الأمور التي لا تعرفونها، هم من يواجهون المشاكل ويتحملونها ولا يتحدثون، فليس كل ما يعرف يقال، فعلينا أن نعيش في طاعة الكنيسة ونخلص لها وليس لأشخاص ونصلي لها ونترك أمورها لرعاتها، لا تلتفتوا للشائعات، أطيعوا الكنيسة بحب وثقة، صلوا لسيدنا البابا تواضروس أن يعينه الله في كل أمر فهي مسؤولية كبيرة وأيام صعبة، ولكن الرب عن يمينها فلن تتزعزع».
وكان قد عثر على جثة الأنبا إبيفانيوس، رئيس دير أبو مقار في وادي النطرون محافظة البحيرة الأحد الماضي، أمام مسكنه في الدير، في واقعة نادرة يشوبها الغموض.
وتواصل النيابة تحقيقاتها لكشف غموض حادث مقتل الراهب البارز، الذي يعد نادرًا، وفق وسائل إعلام محلية.
وكانت مديرية أمن محافظة البحيرة، قالت في بيان الأحد الماضي، إنها تكثف جهودها لكشف «لغز» الحادث وضبط مرتكبيه، بعد أن تلقت بلاغًا بالعثور على «إبيفانيوس غارقًا في بركة من الدماء أمام حجرته داخل الديرط.
ووفق البيان ذاته، أوضحت أنه بمعاينة الجثة تبين وجود إصابة وتهشم بمؤخرة الرأس ووجود شبهة جنائية، فيما كشفت المعاينة الأولية استخدام مرتكب الجريمة أداة حادة لقتل المجني عليه أثناء خروجه من حجرته.
ويقدر عدد الأقباط في مصر بنحو 15 مليون نسمة، وفق تقديرات كنسية، من إجمالي عدد سكان البلاد البالغ قرابة 104 ملايين نسمة.

مصر: الصراعات تتكشف داخل الكنيسة القبطية بعد مقتل رئيس دير
خلافات بين أتباع متى المسكين وشنودة الثالث… والبابا تواضروس يغلق حساباته على مواقع التواصل
تامر هنداوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية