د. يوسف نور عوض
قبل عدة ايام انطلق صوت أحد العلماء في المملكة العربية السعودية داعيا الي عدم تأييد مقاومة حزب الله في لبنان وكأن هذا العالم ينطلق من رؤية ضيقة وموقف سياسي لا يبرر في مثل هذه الظروف التي يمر بها هذا البلد العربي اذ أعتبر أن مساندة حزب الله مساعدة لحزب شيعي تتعارض مبادئه مع الاتجاهات السنية. وكانت تلك رؤية ضيقة تصدي لها الشيخ يوسف القرضاوي الذي رأي أن المقاومة فرض علي كل فرد ودعا الي مساندتها وعدم النظر الي الخلافات المذهبية والطائفية وهو موقف سليم بكون ما يخوضه لبنان في الوقت الحاضر ليس حربا طائفية بل هي حرب تستهدف وجود الأمة بأسرها.
لقد أكدت حرب لبنان أنها ورطة جديدة للادارة الأمريكية التي تنطلق من منطق واحد هو القوة ولا تقيم اعتبارا لفهم ثقافات الشعوب وردود أفعالها وتري أنها تستطيع أن تحقق بالقوة ما تريده من أهداف، وعلي الرغم من فشلها الذريع في العراق فهي لم تتعلم الدرس ومازالت توهم نفسها بانها قادرة علي خداع العالم العربي بأنها أدخلت العراق الي مرحلة الديمقراطية دون ادراك لأن الديموقراطية هي نظام سياسي متكامل وهو لا يقتصر علي العملية الإنتخابية وحدها. واذا نظرنا الي حرب لبنان وجدنا أنها حرب غبية ولا تدل علي ذكاء استراتيجي ذلك أن ما هدفت اليه الادارة الأمريكية هو توجيه ضربة مدمرة للبني التحتية اللبنانية وتوجيه ضربات للبني المدنية ايضا فاذا أحس اللبنانيون بفداحة الخسائر قبلوا بالشروط الأمريكية بنشر قوات اممية علي الحدود اللبنانية الاسرائيلية يكون قوامها قوات تدعم اسرائيل وكذلك قبلوا نزع سلاح حزب الله تنفيذا للقرار 1559وكانت الادارة الأمريكية تعمل بالتنسيق مع معظم الدول العربية وفي مقدمها مصر والأردن وليبيا، ذلك أنها طلبت من هذه الدول جميعها تأييد الحرب وعدم توجيه الانتقاد للتغلغل الاسرائيلي وذلك ما حدث، فقد سمعنا المملكة العربية السعودية توجه انتقادت في أول أيام الحرب لحزب الله بل وذهب الأمير سعود الفيصل إلي واشنطن لمقابلة الرئيس بوش من أجل وضع مخطط لقبول إرسال قوات اممية الي لبنان وحث سورية علي نزع سلاح حزب الله ولم يكن موقف مصر والأردن مخالفا حيث وجه الرئيس مبارك والملك عبدالله نقدا لحزب الله وقالا إنه ورط لبنان في هذه الحرب. وفي هذا الإطار دارت الجهود الدولية سواء كان ذلك من قبل الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبي. وكان هؤلاء جميعا يتحركون في إطار واحد وهو أن يحققوا لإسرائيل بواسطة السياسة ما فشلت في تحقيقه بواسطة الحرب. وذلك هو موقف الولايات المتحدة حيث رفضت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية فكرة وقف إطلاق النار وأرادت للقوات الإسرائيلية أن تكمل المهمة حتي يكون الحل النهائي قبولا للشروط والمطالب الإسرائيلية وكان ذلك قصر نظر من الإدارة الأمريكية لأن آلة الحرب الإسرائيلية أثبتت فشلها في مواجهة مقاومة حزب الله علي أرض المعركة. وظلت تقوم بالقصف التدميري الذي لا يدل علي الجبن فقط بل يدل علي استراتيجيات قديمة عفا عليها الزمن، وبذلك أصبحت هذه الحرب أكبر نكسة تواجهها اسرائيل وهي أكبر من نكسة عام 1967 التي واجهها العرب لسبب بسيط هو أن اسرائيل كشفت ظهرها بالكامل وأثبتت أنها لا تستطيع بآلة الحرب المدمرة أن تحقق أهدافها لأنها لا تستطيع أن تدعم ما تحقق من تدمير بوجود فاعل علي الأرض وفتح ذلك أعين الدول العربية التي أدركت انها لم تعد بحاجة إلي جيوش جرارة كي تواجه إسرائيل وكل ما تحتاج إليه هو حرب عصابات تشبه الحرب التي شنتها اسرائيل علي العرب في اول أمرها. وجاءت مجزرة قانا الأخيرة لتكشف ظهر اسرائيل وتبين للعالم باسره أنها دولة عدوانية بكون العالم لم يعد يحتمل مشهد الأطفال يقتلون بهذه الطريقة الوحشية، وكان من الداعي للسخرية أن بدأ مندوب اسرائيل في مجلس الأمن خطابه بالإعراب عن أسفه لما حدث ولكنه في النهاية حمل المسؤولية لحزب الله وقال لولا ما قام به حزب الله لما حدث ماحدث في لبنان، وذلك كذب وبهتان لأن اعتداءات اسرائيل علي الأمة العربية تتكرر بدرجة عالية من القسوة واللاإنسانية ولا تحتاج في معظم الأحيان إلي تبريرات. وكان من الممكن أن ينتهي العدوان لو أن مصر وسورية والأردن وغيرها من البلاد العربية وقفت تدين العدوان بل وأعلنت أنها ستواجه الأخطار التي يواجهها لبنان بمثلها ولكن هذه الدول لم تفعل ذلك لأنها لا تمتلك إرادتها وهي غير قادرة علي الكلام حتي في ما هو ضروري لامنها وكرامتها، ولكن تغيرا اساسيا حدث في موقف لبنان بعد أن كانت الحكومة اللبنانية تمسك بالعصا من وسطها وذلك بعد أن قالت الحكومة إن قواعد اللعبة قد تغيرت وأنها لم تعد تلتزم بموقفها السابق ورفضت بالتالي استقبال وزيرة الخارجية الأمريكية لبحث مشروعها وقال الرئيس إميل لحود في الوقت ذاته إن لبنان لن يبحث مع أي جهة مسألة إرسال قوات أممية إلي لبنان الذي اصبح مطلبه الأساسي هو وقف إطلاق النار قبل أي موضوع آخر وأدخل بذلك الرئيس لحود الولايات المتحدة واسرائيل في مأزق بعد أن تطورت الأوضاع علي النحو الذي عرفناه. وفي هذه المرحلة اصبح كسب الحرب يعني بالنسبة لاسرائيل أن يقبل لبنان مجيء قوات أجنبية إليه كما اصبح كسبها للبنان يعني وقف إطلاق النار دون شروط وبالتالي يقلب لبنان المعادلة رأسا علي عقب وهو مصمم علي ذلك لأنه لم يعد هناك شيء يخسره بعدما ألحقته به اسرائيل من تدمير وخراب. واصبح هناك شك كبير في أن يعيد لبنان الأسري في اي تسوية تتم بعد ذلك. خاصة بعد قتل هذا العدد الكبير من المواطنين اللبنانيين. ولدي إدراك بعض الدول العربية الخائرة أن لبنان في طريقه للإنتصار بدأت بعض الحكومات العربية تتحرك من أجل حفظ ماء وجهها فدان الأردن الإعتداء علي قانا وقالت ليبيا إنها ستمد جسرا جويا إلي بيروت وهي تعلم أنه لا يوجد طيران إلي بيروت وما يحتاجه لبنان في الوقت الحاضر ليس فقط المساعدات المادية بل المساعدات العسكرية التي لا تجرؤ الدول العربية علي إرسالها، وإذا تجاوزنا عن الموقف الرسمي العربي ونظرنا إلي الموقف الشعبي وجدنا أن المظاهرات التي انطلقت في العواصم العربية كانت هزيلة ولا تتناسب مع جسامة الهدف وكان مؤسفا ألا نري في مصر سوي مظاهرات ضعيفة نظمتها جماعة الإخوان المسلمين وهي في مجملها لا تعبر عن إرادة وتصميم لمواجهة العدوان الإسرائيلي ولم يكن ذلك كله مؤثرا لأن الحقيقة حسمت في لبنان الذي أظهر كعهده شجاعة فائقة وهو يتصدي للعدوان. واستطاع أن يهزم الإرادة الإسرائيلية التي ما فتئت تبحث لنفسها عن مخرج يحفظ لها ماء وجهها. ولا شك أن الذين سموا حرب لبنان الحرب السادسة كانوا علي حق لأن هذه الحرب ستغير كثيرا من المفاهيم ليس فقط في ما يتعلق باسلوب المواجهة مع اسرائيل بل أيضا في نظرة العرب إلي حكامهم ذلك أن الأمة العربية اصبحت مقتنعة أكثر من أي وقت مضي أن هؤلاء الحكام لا يمثلون إرادتها وهم لا يملكون القدرة والتصميم علي تحقيق مصالح الأمة ولا يهتمون بغير تحقيق أطماعهم الخاصة وأطماع النخب التي تحيط بهم بحيث لم تعد المسألة مسألة سياسات بل أصبحت مسألة كرامة أمة ذلك أن الموقف الإسرائيلي ومن خلفه الموقف الأمريكي إنما جاء من قراءة صحيحة لحالة الخنوع التي تعيش فيها الحكومات العربية التي تشتري الأسلحة بمليارات الدولارات ليس للدفاع عن الأمة العربية بل لتشغيل مصانع السلاح التي توظف أرباحها في مد اسرائيل بحاجتها للسلاح. حرب لبنان لم تكشف النظام العربي الذي يتسابق حكامه في الوقت الحاضر لتقاسم الإنتصار مع الشعب اللبناني بل كشفت منظمة الأمم المتحدة وأمينها العام الذي أظهر ضعفا لم نعهده في أمناء المنظمة الدولية من قبل، فقد ظهر أن هذه المنظمة لم تعد منظمة للامم المتحدة بل هي أداة في يد الولايات المتحدة توظفها من أجل خدمة مصالحها ولا يوجد أمين عام قوي يقف في وجهها لأن الأمين العام الحالي في سبيل المحافظة علي منصبه يقبل كل ما يملي عليه وليست الجامعة العربية أفضل من الأمم المتحدة فهي تحيل قضايا العرب المركزية إلي ما تسميه المجتمع الدولي والشرعية الدولية وهي مصطلحات لا وجود لها في عالم الحقيقة. ذلك أن الامم المتحدة لم تعد تمثل هذه القيم وإنما هي أداة طيعة في يد الولايات المتحدة واسرائيل والتساؤل الحقيقي هو ما الذي يعود علي الأمة العربية من خير في استمرار إنضمام الــدول العربية لها؟9