حلم العمر يتحقق بعد سبعين عاما على ألحان البيانو

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: أغلقت سيدة فلسطينية دائرة هامة في حياتها وحققت حلما بتأخير 70 عاما وذلك بفضل جامعة بير زيت التي بادرت لمنحها شهادة إنهاء الدراسة الثانوية بعدما حرمتها نكبة 1948 منها في اللحظة الأخيرة. ممثلة برئيسها د. عبد اللطيف أبو حجلة منحت جامعة بير زيت هناء خوري زريق، أم عامر (88 عاما) من مدينة الناصرة داخل أراضي 48 شهادة تصادق فيها أنها أتمت الصف الثالث الثانوي في مدرسة بير زيت للعام الدراسي 1947 ـ 1948 بعدما حالت ظروف الحرب دون استكمال الصف الرابع الثانوي وهو صف التخرج آنذاك. وأقامت الجامعة استقبالا لهناء خوري زريق وعائلتها، الذين زاروا بير زيت وأجروا جولة في حرميها الجديد والقديم برفقة زميلتيها على مقاعد الدراسة التاريخية ريما ناصر ترزي وشقيقتها سامية ناصر خوري وهما من عائلة فلسطينية وطنية بارزة. ورحب أبو حجلة باسم أسرة جامعة بير زيت بهناء وعائلتها وتابع «أنت الآن تشاهدين كيف أصبحت مدرستك قبل سبعين عاما، جامعة من أهم الجامعات في المنطقة». وأعربت هناء خوري زريق بانفعال عن سعادتها بمنحها الشهادة، وأضافت والدمعة تكاد تغالبها إنه حلم وتحقق بعد 70 عاماً، موجهة الحديث لأبنائها وأحفادها «هذه هي بير زيت التي دائماً ما كنت أحدثكم عنها، أجمل أيام عمري قضيتها هنا».
ورغم مرور دهر على أيام الدراسة استذكرت مس خوري، أجواءها بالقول «هنا كنا نتلقى العلم في أجواء من الاحترام، العلاقةُ مع المعلمين كانت متميزة يسودها الاحترامُ المتبادل، كانوا ينادونني مس خوري، والأمر أشعرني بالقرب، المودة، الصداقة والاحترام. كان المعلمون والمعلمات يخرجون معنا بأوقات الاستراحة ويشاركوننا لعبَ كرة الطائرة ويشاطرون الطلاب احتفالات أعياد الميلاد في الطبيعة، نفرح ونكتفي بحز بطيخ احتفاءً بصاحب العيد.
كذلك تقول إم عامر إنها شاركت وزميلاتها في المدرسة بغناء أغان مختلفة، محليةً وعالمية. ولاستكمال الاستذكار بإتقان بادرت سامية بالعزف على البيانو في هذا اليوم الاحتفالي المشهود داخل بيت حنا ناصر شقيقها وهو البيت الذي سكنته هناء وسامية وريما أيام الدراسة في بير زيت قبل النكبة. وما زالت أم عامر زريـق تشـــارك بفــعــالـيات اجتــمـــاعية وغــنـــائية وتنشد بصوتها الجميل ضمن جوقة الطليعة في الناصرة.

العودة للناصرة

موضحة أنها قضت أحلى سنوات عمرها في بير زيت وقبيل تقدمها بأيام للامتحانات النهائية زارها شقيقها خليل من الناصرة وأخبرها بضرورة العودةِ قبل إغلاق الحدود. وتستذكر ذلك بشعور مختلط «عدنا سوية إلى الناصرة وحملت معي صندوق كتبي كي أتمكن من التحضير لامتحاناتي النهائية التي طالما حلمت بتقديمِها، لكن في داخلي أحسست حينَها أن هذه العودة كانت تختلف عن زياراتي السابقة إلى الناصرة. حاول أخي طمأنَتي باحتمالِ العودة لمقاعدِ الدراسة وتقديم الامتحانات، بعدَ مرور الأزمة لكن قلبي كان دليلي بأن الوضع أخطر من ذلك».
وفعلا هذا ما حصل، فمع مرورِ الوقت وتطوّرِ الأحداث فهمت أن هذه الإمكانيةَ وللأسف غير واردة ففي 15.5.1948 انسحب الجيش الانكليزي، سلمت البلاد، تم إغلاق الحدود، ولم تتمكّن من العودة وإنهاء دراستها.

حلم عمري

لكن الحلم تحقق وهو «حلم عمري» كما تقول هناء مستذكرة أن شقيقها خليل اصطحبها لبير زيت في أول زيارة لها في 1945 بـ تاكسي ولاحقا صارت تسافر من وإلى الناصرة ـ بير زيت بواسطة حافلة الناصرة ـ القدس وتنزل منها عند بلدة عين سينيا ومنها تنتظر باص بير زيت وقد بدأت دراستها وقتها وهي في السادسة عشرة من عمرها. أم عامر التي ولدت في قرية المجيدل التي دمرت في نكبة 1948 انتقلت وأسرتها للناصرة قبل ذلك للاقتراب من المدارس منوهة أن شقيقها صبحي استكمل دراسة الصيدلة في بيروت وقتها. وتستذكر أن كلية بير زيت فصلت بين الذكور والإناث لكنهم كانوا يلتقون خلال دراسة بعض المواد فيما كان الطاقم التربوي من المعلمين والمعلمات. وردا على سؤال تقول «أحب كل المواضيع عدا الجغرافيا لكنني اليوم ملمة به بفضل المطالعات». منوهة أنها ما زالت تطالع ولا تقوى على النوم في كل ليلة دون أن تقرأ ولو عدة صفحات. وردا على سؤال توضح أنها طالما أحبت قراءة الروايات وأن كتاب «سيرة جابي برامك» للدكتور عبد الرحيم الشيخ من آخر ما قرأته وقد ترك انطباعا حلوا لديها.

تقرأ الاتحاد منذ 70 عاما

كما كشفت أنها تواظب حتى اليوم على قراءة صحيفة «الاتحاد» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي منذ صدورها في 1944 منوهة أن شقيقها خليل كان ناشطا شيوعيا ورئيسا للجنة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي.
وأوضحت كريمتها سندس زريق لـ «القدس العربي» فكرة العودة لـ بير زيت موضحة أن عائلتها أعدت لها مفاجأة طيبة. وقالت انها طالما كانت تسمع منذ طفولتها أحاديث وحنين والدتها عن بير زيت وحرمان الاحتلال لها من حيازة شهادتها. وتضيف «نظمنا أمسية خاصة بها ودعونا لها رفيقاتها في الجوقة ومندوبا عن جامعة بير زيت حضر وسلمها دعوة لاستلام شهادة الإنهاء وقد سرتّها المفاجأة ودغدغت وجدانها وفعلا رافقناها إلى هناك بعد أيام».

عاشقات المشمش

واحتفل موقع جامعة بير زيت بإغلاق الدائرة بعد سبعة عقود ونشر بعض ما دار بين هناء ورفيقتيها مع رئيس الجامعة بلغة تودد ومزاح ونشر صورة تجمعهم. جاء في الموقع على لسان الصحافي عماد الأصفر: في الوسط هناء خوري إلى يسارها سامية ناصر (86) وإلى يمينها ريما ترزي(88) وثلاثتهن مطلوبات في جرائم سطو على أشجار المشمش في بير زيت وجفنا أيام الدراسة في كلية بير زيت قبيل النكبة. لم تفلح عقوبة دفع الشلن في ثنيهن عن هذه الهواية، فما كان من مديرة الكلية نبيهة ناصر رحمها الله، إلا أن اخترعت عقوبة جديدة، وهي إجبارهن على تجرع زيت الخروع».

كتابة وتلحين

علاوة على عشق المشمش، فالصديقات الثلاث عاشقات للكلمة والنغم وتلميذات نجيبات لمدرس الموسيقى اللامع سلفادور عرنيطة، رئيس فرقة موسيقى جامعة بيرزيت. ويشير الأصفر الذي حضر الاحتفالية أن سامية رائدة العمل التطوعي الدائمة تبدع في كتابة الأمل، وريما ملحنة مبدعة لحنت أشعار المناضل الشهيد كمال ناصر، وعمر أبو ريشة، وأبو القاسم الشابي، وإبراهيم طوقان، وغيرهم، وأما هناء فهي مغنية جوقة ذات باع طويل.
كـمـا غــنــت الصــديقات معا لحنا قــديــمــا من أشعار الأستاذ حنا أبو حنا، ما زلن يحفظنه بالكامل:

لا لن يطول بُعْدي
وسوف أُبصر عودي
نعم سأعود وتُفنى القيود
وسوف أراك حِماي

حلم العمر يتحقق بعد سبعين عاما على ألحان البيانو
إغلاق دائرة تاريخية بين الناصرة وبير زيت
وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية