لندن ـ ‘القدس العربي’ في جنوب تركيا يلتقي المتطوعون الأجانب في بيوت آمنة يقيمون فيها لفترة حتى يتم ترتيب رحلتهم لداخل سورية، للإنضمام والقتال في واحدة من الفصائل المترتبطة بتنظيم القاعدة. ويعتمد المتطوعون على شبكة من المهربين تقوم بنقل المقاتلين هؤلاء، ومنهم بريطانيون الى سورية عبر الحدود الطويلة مع تركيا، ونقلت صحيفة ‘ديلي تلغراف’ عن متطوعين قولهم إن مئات من المتطوعين يحضرون يوميا لجنوب تركيا.
وقال أبو عبدالرحمن وهو مقاتل أردني يشرف على تنظيم واستقبال القادمين الجدد أنه يقوم بالإشراف على ‘الترتيبات’ قبل عملية نقلهم للداخل.
وتقول الصحيفة أن أبو عبدالرحمن تحدث اليها من خلال وسيط عبر ‘سكايب’حيث يشرف على نقل المقاتلين الراغبين للإنضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وعن طبيعة الترتيبات يقول أبو عبدالرحمن أنها تدور حول الشروط التي يضعها التنظيم على الراغبين بالدخول لسورية قائلا أن من يريد الدخول يجب ان يكون أولا مسلما، وثانيا تتم عملية بحث وتحقق في شخصية المتطوع للتأكد من أنه ليس عميلا، وفي حالة كان المتطوع أجنبيا، يعني غير عربي، فهو بحاجة لتوصية من أحد أفراد التنظيم.
وعن طبيعة المخابىء التي يتم فيها وضع المتطوعين فهي عبارة عن شقق يتم استئجارها في القرى والبلدات الحدودية مع سورية. وفي العادة ينتظر المتطوع أسابيع حتى يتم التأكد من هويته وترتيب اجراءات دخوله لسورية. كما وتستخدم الشقق هذه كأماكن للإستراحة لمقاتلي القاعدة القادمين من الجبهات السورية. ويقدر محللون عدد المقاتلين الأجانب بحوالي 10 آلاف يقاتلون مع الفصائل داخل سورية، ومن بين هؤلاء مقاتلون صقلتهم التجربة في العراق وافغانستان.
وتنقل عن أبو عبدالله وهو متطوع استرالي قوله أنه ترك بلاده وجاء إلى سورية لأن ‘اسلوب الحياة الغربي فيها لا يتطابق مع الإسلام’ اضافة إلى غضبه من المذابح التي يرتكبها الرئيس السوري بشار الأسد ضد شعبه.
وقال ‘عندما ترى الاطفال يقتلون والنساء يغتصبن أمام أعين أفراد العائلة، فقط لأنهم يصلون، فما عليك الا ان تتأثر، وقد قال الرسول محمد انه إذا اصيب جزء من الجسد فإن سائر الجسد يتداعى بالسهر والحمى’. مضيفا أنه جرح مسلم واحد وأي شيء يرتكب ضد الاسلام فعلينا أن نتفاعل’.
وعندما حاول ابو عبدالله اقتباس آيات من القرآن نسي واعتذر قائلا أنه ليس عالما بالدين ‘غفر الله لي’. وتنقل عن تشارلس ليستر من ‘إي أتش أس جينز للإستشارات الدفاعية قوله ‘هناك مؤشرات عن زيادة أعداد المقاتلين الأجانب في سورية، وبالنظر إلى طبيعة وجود داعش فالتوزع الجغرافي للمقاتلين الأجانب يتوسع، ويمكن فعل هذا بشكل سهل نتيجة لتدفق المقاتلين عبر الحدود’.
فيما نقلت عن محلل آخر قوله أن تركيا كانت ‘تغض الطرف’ عن تدفق الجهاديين الأجانب الذين يعبرون الحدود الى سورية، بما في ذلك عبر مدينة أنطاكية عاصمة إقليم هاتاي.
وقد أدى هذا إلى تحول المقاتلين الأجانب إلى شوكة في جنب تركيا حيث قاموا بالسيطرة على البلدات والقرى السورية القريبة من الحدود مع تركيا.
نفي تركي
ويرفض المسؤولون التحليلات هذه ويحملون المجتمع الدولي مسؤولية بروز الجماعات الجهادية بسبب عدم حل القضية السورية، وأكد مسؤول تركي ‘لم نكن في يوم من الايام متساهلين مع هذه القضية، ولا نتسامح مع وجود المتطرفين داخل حدودنا او على ترابنا’، مضيفا أنه لو قام الجهاديون بعبور الحدود لسورية فقد تم هذا ‘بدون علمنا ووجود المتطرفين داخل سورية يمثل قلقا لنا مثلما يقلق بقية الدول الأخرى، والسبب في زيادة عدد الجهاديين الأجانب لأن المجتمع الدولي فشل في حل الازمة’.
ودعا المسؤول الدول الغربية عدم الأكتفاء بتوجيه اللوم لبلاده والعمل على مراقبة أبناء بلادهم ممن يسافرون الى سورية ‘وحتى تتوفر لدينا المعلومات ان هؤلاء اعضاء في تنظيم القاعدة، فليس بيدنا وقفهم طالما يحملون وثائق صحيحة’.
ويقوم الأمن التركي بملاحقة ومتابعة تحركات ناشطي القاعدة في الجنوب التركي حيث قام بسلسلة من المداهمات لعدد من البيوت الآمنة، وبدأت الحكومة التركية بتحسين كفاءة مراقبة الحدود، وما يعوق عملهم هو طول الحدود اضافة لاستمرار تدفق المتطوعين باعداد كبيرة. وفي حالة اعتقال الشرطة أجانب فانها تجد صعوبة في الأبقاء عليهم رهن الإحتجاز أو ترحيلهم لعدم توفر الأدلة لديها عن تورطهم في أعمال غير قانوني.
ولاحظ التقرير أن الجهاديين في بلدة كلس التي لا تبعد سوى أربع ساعات بالسيارة عن مدينة انطاكية يشعرون بالراحة ويتحركون بحرية في شوارعها ومقاهيها ويلتقون اصدقاءهم في الفنادق.
وتحدثت الصحيفة الى أحد اعضاء ‘داعش’ في واحد من هذه الفنادق وقال أن الأتراك يعاملونهم معاملة جيدة.
سوق مفتوحة في أنطاكية
ولاحظ تقرير في صحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ الدور الذي تلعبه المدن الحدودية التركية بتأمين الإحتياجات اللوجيستية للمقاتلين، وكيف أنها أصبحت محط رحال القادمين من دول الخليج من المتبرعين المحملين بالنقود التي تستخدم لشراء معدات القتال. ففي انطاكية تنتشر المحلات التي تبيع الملابس العسكرية والمتعلقات الحربية.
وينقل عن صاحب واحدة منها واسمه مروان قوله ‘ بالتأكيد، نحن نسلح الكتائب والفرق في سورية’، مضيفا أنه يتلقى زيارات من قادة بشكل شبه يومي، ويقوم بترتيب ‘طلبيات’ مكونة من 500 وحدة’. ويقول التقرير أن سيطرة الجماعات المسلحة على مناطق واسعة من شمال سورية أدى إلى تحول جنوب تركيا لمخزن واسع يشتري منه المقاتلون والجماعات المسلحة كل ما يحتاجونه للمعركة من الخنجر، إلى الزي العسكري، والمناظير والعطور.
ولهذا السبب تحولت مدينة أنطاكية التي تقع على ‘طريق الحرير’ الشهير لمركز مزدهر يقصده المقاتلون المحملون بأموال البترودولار حيث يأتون باحثين عن أقنعة للغاز، ومخازن للذخيرة، وسراويل بجيوب متعددة.
وفي انطاكية لا يتم بيع السلاح بشكل مفتوح لأن الحكومة التركية تضع الكثير من القيود على التعامل به.
ويصف مراسل الصحيفة المظهر الداخلي للمحلات المتخصصة بهذه الأدوات التي تقوم بجذب من لديه أموال يريد ‘حرقها’ أو انفاقها. وتنقل عن مروان قوله ‘قطر تدعم، السعودية تدعم، وبعض الأغنياء يريدون الجهاد يدعمون’، ويقول أن المقاتلين يأتون من ‘ليبيا والمغرب والأردن، وكلهم يريدون الجهاد في سبيل الله’، ولهذا تحمل الألبسة والقبعات الرياضية عبارات مثل ‘لا إله إلا الله’.
ويعرف أصحاب المحلات ما يحتاجه الزبائن من مواد وشعارات تكتب على الملابس، فأصحابها هم أتراك، ولكن العاملين فيها هم من السوريين الذين يتحدثون للزبائن بالعربية. وينقل عن عامل آخر اسمه محمد قوله أن بعض الشبان يريدون في ملابسهم متابعة صرعات الأزياء حتى عندما يذهبون للقتال، فقد جاء أحدهم وطلب من محمد زيا عسكريا ولكن بتصميم لبناني.
تفكيك العراق وسورية
ليست تركيا هي فقط المعبر الوحيد للمقاتلين والسلاح، فالحدود مع العراق التي أصبحت في فهم ‘داعش’ مرتبطة بالحرب الأهلية في سورية تمثل أيضا معبر للمقاتلين والسلاح.
وفي هذا السياق كتب باتريك كوكبيرن يوم الاثنين في صحيفة ‘اندبندنت’ عن أثر الحرب في السورية على العراق التي قال أنها حولت مناطق شاسعة في شرق سورية وغرب العراق إلى محور حرب.
ويقوم مقاتلون مسلحون بعتاد جيد بشن عمليات انتحارية. فمما لا شك فيه أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تتوسع وتزيد قوتها كل يوم، والتقدم الذي حققته داعش معروف وغطته الصحف بشكل جيد، مما أدى إلى تردد أمريكا وحلفائها حول سورية وإن كانوا يريدون استبدال الأسد بمتطرفين سنة. أما الجانب الذي لا يعرفه الكثيرون فهو سيطرة داعش على مناطق واسعة في غرب العراق.
ويقول الكاتب أن هذا الجانب من القصة ليس مغطى بشكل جيد لان المنطقة أصبحت خطيرة على الصحافيين التي تم اختطاف فيها حوالي 16 صحافيا أجنبيا. ولم يعد المقاتلون السوريون الذين كانوا يوفرون الحماية للصحافيين الاجانب قادرين على حمايتهم من داعش وجبهة النصرة أو أحرار الشام. كما أن العراق الذي كانت فنادقه تعج بالصحافيين محط اهتمام للصحافة.
ويشير الكاتب إلى أن مناطق الأنبار غرب بغداد أصبحت مركزا لنشاط القاعدة التي عادت إليها بعد أن أخرجت منها خاصة في الفلوجة والموصل في شمال العراق التي تقوم القاعدة بفرض أتاوات على أصحاب البقالات ومحلات الهواتف النقالة وشركات البناء وتحقق في الشهر 8 ملايين دولار أمريكي.
ويحدث هذا لأن القاعدة تعيد إعادة أحياء نشاطها بسبب ما يحدث في سورية.
ويرى أن فشل الحكومة في بغداد العاجزة والطائفية في الإستجابة لمطالب السنة أدى إلى زيادة شعبية القاعدة.
ويرى أن الحرب لا تفكك سورية فقط بل العراق ومن هنا فنهاية الحرب تعني سورية مقسمة وعراقا مقسما.
ديكتاتور
وليس غريبا أن يربط نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الذي يزور واشنطن وسيجتمع مع الرئيس باراك أوباما بين أمن العراق ونهاية الحرب في سورية.
وترى صحيفة ‘الغارديان’ في افتتاحية لها ‘أصدقاء كهؤلاء’ أن المالكي يعتبر المسؤول الأول عن العنف وعدم الإستقرار في العراق حيث لا تزال التفجيرات تحصد يوميا آلاف القتلى، وسقط في شهر إيلول (سبتمبر) وحده حوالي ألف عراقي جراء العمليات.
وترى أن عدم قدرة الولايات المتحدة لإنهاء المهمة التي بدأتها واضح في العراق. فمع أن العمليات العسكرية الأمريكية قد انتهت هناك منذ عامين إلا أن الحرب الاهلية لم تنته، مشيرة إلى أن عام 2013 يعتبر الاكثر دموية في العراق منذ عام 2008 حيث تشهد البلاد ما معدله 70 سيارة مفخخة شهريا.
وآخر من استهدفتهم حكومة المالكي هم جماعات الصحوة التي أسهمت بتعاونها مع القوات الامريكية بتخفيض العنف وهزيمة القاعدة. وترى أن معظم التوتر الحالي في العراق ناتج عما أسماه عدد من المشرعين الامريكيين عن الطريقة الديكتاتورية التي يدير من خلالها نور ي المالكي البلاد.
وتتهمه الصحيفة بتمزيق العملية السياسية واتفاقات المشاركة في السلطة.
وقام بعملية تطهير شرسة ضد معارضيه تحت شعار ‘اجتثاث البعث’، كما أنه سمح او غض الطرف عن الطائرات الإيرانية المحملة بالأسلحة التي عبرت المجال الجوي العراقي في طريقها لسورية. فحملة المالكي ضد السنة تحمل نفس المنطق الذي يستند عليه بشار الاسد الذي يقول أنه يقاتل الجهاديين المتطرفين. ومن هنا ترى في زيارته لواشنطن مناسبة غير مريحة لأوباما.
وترى الصحيفة أن الرئيس الأمريكي محق في فك الإرتباط مع سياسات سلفه جورج بوش، ومحق في عدم التورط عسكريا في سورية. مشيرة في الوقت نفسه إلى أن هذه السياسات تؤثر على مصالح حلفائه وهو ما بدا من الغضب السعودي، فالرياض غير راضية عن أوباما لتخليه عن حسني مبارك وتعاونه من الأخوان المسلمون، وغاضبة لعدم ضربه الأسد، كل هذا لا يعني أن السعوديين محقون في مواقفهم، فهناك واقع جديد في المنطقة أدى الى نهاية النظام القديم .وترى الصحيفة في النهاية أن مصالح أمريكا متداخلة بالضرورة مع مصالح حلفائها وعليها الاستماع اليهم.
وفي الوقت الذي يتراجع التأثير الأمريكي في المنطقة فإن أي تقدم في الملفات العالقة يظل رهن التحرك الامريكي.
وفي الوقت الحالي يعتبر الملف السوري وتدمير ترسانتها الكيماوية على قائمة الأولويات، أما جنيف-2 فهناك مؤشرات على عدم انعقادها في وقتها المحدد وهو 23 تشرين الثاني (نوفمبر) خاصة بعد تصريحات الأسد التي دعا فيها لوقف الدعم الخارجي للجماعات المعارضة ‘الارهابية’ كما يصفها.
خلق الظروف المناسبة
وترى صحيفة ‘التايمز’ في افتتاحية ‘سلام صعب’ أن تأجيل المؤتمر يظل خيارا أحسن من عقده والفشل في تحقيق تقدم. وتعتقد أنه من الضرورة تحقيق الظروف لانجاحه.
وهي متعلقة بشعور الأسد انه محاصر وقد وصل نهايته السياسية والمالية، والإعتراف ان المشاركة السياسية هي المخرج الوحيد للأزمة.
وتقول أنه يجب تأجيل جنيف-2 حتى الصيف المقبل حيث ستنتهي الفرق الدولية من تدمير الأسلحة الكيماوية أي تجريد الأسد من مصدر قوته. كما ودعت إلى أهمية إبقاء الخيار العسكري مفتوحا ووضع الأسد عند حده قبل أن يسوي بلاده بالتراب.
والأسباب الداعية لتأجيل المؤتمر نابعة من حالة الثقة التي يعيشها الأسد فهو كما تقول يقوم بالأملاء لعقد مؤتمر يحتاج الغرب لانعقاده مثل حاجة الأسد اليه. مشيرة إلى عزله قدري جميل نائب رئيس الوزراء الذي اتهمه بعقد لقاءات بدون الرجوع للقيادة.
وتعتقد ‘التايمز’ أنه من العبث عقد مؤتمر سينتهي بالفشل سواء شاركت فيه إيران أم لم تشارك. فإذا لم يمنح المؤتمر أملا للسوريين فليست هناك حاجة لعقده.
وتضيف أن النذر لم تكن مبشرة لعقد المؤتمر بعد تبخر الضغط العسكري على النظام السوري، وإلغاء أمريكا الضربة العسكرية مما يعني بقاء الاسد في السلطة طالما ظلت في سورية علبة غاز سام وحيدة.
وهناك عدم اهتمام من المعارضة المنقسمة على نفسها بالمؤتمر، فهذه وأن لم تستطع هزيمة الاسد إلا أنها بضرب المؤسسات التابعة له وتقوم بشل عمل حكومته، ويضاف إلى هذا أن المعارضة الجهادية لن تستمع لمطالب وقف الحرب ضد الاسد.