■ اتخذ مفهوم النظرية قيمة مضاعفة في العصر الحديث، حيث ولج هذا المفهوم آلية الوعي لدى فئة من المفكرين والعلماء بهدف تكريس منظومة معرفية، يستطاع من خلالها تحديد رؤية خاصة بالحياة، بما في ذلك الأدب ونقده، أي بوصف النظرية نموذجاً تعبيرياً يخضع لخصائص وآليات تنتمي إلى بنية عقلية ومفاهيمية محددة. لا بد من الإشارة إلى أن النظرية في العلوم الطبيعية تحتاج إلى فرضيات وتجارب وأدلة بغية التثبت من صحتها، في حين أن النظرية في الأدب تقترب من ذلك، وتنحرف عنه بعض الشيء، وهذا ربما يعود لخصوصية الأدب، ومع ذلك تبقى الإجراءات واحدة. لا شك بأن النظرية يمكن أن تحدد لنا أهداف الأدب أو الثقافة وموضوعاتها، وهنا نستذكر محاولة البعض لوضع نظرية، ولكن من منطلق وعي أيديولوجي أو فلسفي، ومن ذلك كتب لمؤلفين غربيين كجوناثان كولر، وتيري إيغلتون، ورينيه ويليك، وتودروف، وغيرهم الكثير، حيث تم التوافق على مصطلح النظرية في المصنفات التي سعت لوضع تصورات خاصة بالأدب، أو النقد، أو التاريخ، أو الفيزياء، وغير ذلك…. ولكن اعتماداً على اتجاهات علمية، أو فكرية، أو فلسفية كبرى، وفي هذا السياق نشير إلى محاولات بعض النقاد العرب لوضع نظرية نقدية عربية، بيد أن هذه المساعي العربية لم تتمكن من تحقيق أي نجاح يذكر. وهنا ينبغي التأمل على نحو عميق في مفهوم كلمة « النظرية» بوصفها الأسس المبدئية لإطلاق الوعي من أجل تكريس تلك الرؤية التي تجعل من النقد أو الأدب خاضعا لمنظومة مفاهيمية تتصل بالحياة عامة.
كلمة النظرية الأدبية في تكوينها المعجمي والاصطلاحي تتصل تاريخيا بالعصر اليوناني، حيث كانت تقترب في تكوينها المفاهيمي من كلمة الشعرية poetic وبالتحديد عند كل من أفلاطون وأرسطو، غير أن هذا المفهوم المبدئي، الذي استمر لعقود بدأ يتخذ صورة أخرى لتتحول النظرية بوصفها المجرد إلى رؤية تتصل بكيفيات الحياة، أو التعلم، كما التواصل، وحل المشكلات التي نواجهها في الحياة عامة، وبهذا فقد أضحت متحررة إلى حد من التمكين الاصطلاحي الأكاديمي لتمسي جزءاً من رؤية ثقافية عامة، وهذا ما يتوافق مع التوجهات الحديثة التي تعمد إلى استخدام منهجيات لمعاينة العالم والحياة. وكما يلاحظ فإن تعدد المنظورات يعني أن النظرية أو النظريات بشكل عام تتميز بملحوظتين شديدتي الأهمية:
أولا: كل نظرية تدعي بأنها تملك التفسير الصحيح أو الحقيقي.
ثانياً الرغبة بأن تحصل النظرية على كافة الامتيازات التي تنتج عن هذا الاستخدام.
ينبغي لأي نظرية أن ترتبط بفرضية، وبذلك تقود تفكيرنا إلى استنتاجات صحيحة، وهذا يتخذ في الأدب تشكيلا معيناً، فقراءة قصة أو رواية ما ستجعلنا نتبنى هذا التفسير أو ذاك بوصفه المعنى الحقيقي، أو التمثل القيمي، غير أن هذا المسعى يعني بأننا نعتمد رؤية ما تجاه هذا النص، بحيث تتعالق وتفسيرنا للحياة والعالم تبعاً لأفكار وأيديولوجيات معينة. وهذا ما لا يمكن أن نلتمسه في نقدنا العربي الذي إلى الآن لم يمتلك تصوره الخاص تجاه القضايا والإشكاليات العميقة التي تواجه الإنسان العربي، فمعظم فرضياتنا تجاه قراءة النص- أو العالم مصابة بخلل، فنحن لا نملك اليقين الكافي لاعتماد تفسير ما نتيجة صدمة الحداثة، وإشكالية التعامل معها.
يرى الدارسون المشتغلون بالنظرية النقدية الأدبية بأن التعامل مع النص يختلف تبعاً للتجربة أو الخبرة التي لا يمكن لها ان تكتمل. فالحياة فعل مستمر ومتحول، علاوة على أن الزمن يحفل بالمتغيرات، إذ لا يمكن أن تبقى تصوراتنا عالقة بالقيم التي كمنت في وعي تاريخي ما، ولعل هذا ما يدفع إلى تعثر وضع نظرية نقدية عربية، كون التكوين الحضاري غير ناضج؛ ولهذا فإن على النظرية النقدية العربية أن تخضع لمعيار التجربة والخبرة، مع أهمية التأكيد على تجاوز التصور القيمي الثابت للحياة، فالقيم أمست متحولة، مع أن ممارستنا الاجتماعية تطورت، ولكن من جهة واحدة كي تتناسب مع أنماط الحياة الحديثة، أو مظاهر التجديد، بيد أن آلية التفكير لم تتقدم، مما يعني بأن ثمة نقصاً في الوعي أو الثقة في العقل العربي – ربما يعود لأسباب استشراقية- فالعقل العربي غــــير قادر على اجتراح رؤيته الخاصة أو نظريته النقدية الخاصة تبعاً لسياقاته وظروفه، ولا سيما في وجود عالم متسارع معرفياً؛ مما يعني بأننا بحاجة للمزيد من جدلية الفكر، وفي هذا الموضع نستذكر سقراط الذي سعى إلى خلخلة القيم الموجودة، فاتهم بالهدم والتدمير، على الرغم من أنه دعا إلى إخضاع تلك المعتقدات إلى المنظور العقلاني.
يعرف معجم أكسفورد كلمة نظرية Theory بأنها فرضيات أو نظام من الأفكار تحاول أن تفسر أو تشرح شيئاً ما بالاتكاء على مبادئ واضحة، ولعل هذا التعريف يعني أننا في طور إشكالية تتعلق بالأفكار، وبهذا فإن اجتراح نظرية في الثقافة العربية لا يمكن أن ينجح بلا تفعيل العقل المنتج للأفكار، وهذا ما يمكن أن يعني أزمة على مستوى التعليم والحياة، كون أنظمتنا لا منتجة للفعل الفكري، إنما هي مستهلكة للأفكار، أو تعيد صوغها، أو أنها تضفي عليها الطابع المحلي الذي يتناسب مع القيم التي نمارس عليها نوعاً من الاختيار، أو الانتقاء بحيث ننفي بعضها، أو نبقي على بعضها تبعاً للسلطات المؤسسية، وهذا يشمل التعليم والدين والسياسية والثقافة، بل يكاد يطال كل شيء. فنحن في بعض الأحيان غير قادرين على إضافة أي في فكرة ما؛ لأننا نمارس آلية واحدة، وأعني القبول الكامل أو الرفض المطلق.
لا شك في أن مشكلة النظرية تتمثل بأنها تكمن في توليد الأفكار التي ترتبط بمواقف واضحة تجاه الأشياء، فعلى سبيل المثال نجد أن فكرة الدولة، والعدالة، كما القضايا الدينية والدنيوية تبدو خاضعة لاضطراب مفاهيمي، نظراً لافتقار هذه الأفكار للهوية الحاسمة، مع أننا جعلناها جزءاً من وجودنا، حيث تحضر فينا، ولكن بلا قدرة على تحليل تموضعها في العقل كما الممارسة، ولهذا يلاحظ أن أي نظرية ينبغي أن تخضع أو تلتزم التمثل الفكري لرؤية العالم، فأرسطو وأفلاطون، ومن بعدهم توما الأكويني، ولوك، وهيغل، وكانط، وصولاً إلى دريدا وفرويد… حاول كل منهم أن يصوغ نظرية تجاه الحياة، أو الأشياء عامة، وهذا تبعاً لأفكارهم، بل إن التصورات النظرية للأدب – على سبيل المثال – اتخذت شكلها من اتجاهات الأفكار، فالنظريات الواقعية والاجتماعية والرومانسية والنفسية قد مارست نفوذاً كبيراً على تفسير الأدب، والحياة عامة. وبهذا فإن قيمة النظرية لا يمكن أن تتخذ توهجها إلا في حضرة الأفكار، وفي حال تعطلت آلة التفكير والعقل، فإننا سنكون عاجزين عن إيجاد نظرية نرى من خلالها العالم أو الكون بما في ذلك الأدب والنقد.
لا شك في أن تبني محاولة الاتصال بالنظريات النقدية العربية الموروثة، والاتكاء على تنظيرها قد شكل محاولة لتلافي الفراغ، ولكن هذا المسعى افتقد التأثير نظراً لمحدودية التفكير، فتلك المحاولات نتاج تفكير حضاري تزامن مع ازدهار معرفي إبان الحكم الإسلامي الذي بدا فاعلاً فكرياً آنذاك، ومع تلاشي تلك المنظومة القائمة على وجود ثقة حضارية ذاتية إسلامية، ما تسبب في ما بعد بانحسار محاولات التفكير، في حين أن محاولة استرجاع هذا الواقع، يبدو ضرباً من المستحيل كونه بات معزولا ًعن الظرف الحضاري، وسياقه، فمشكلاتنا الحضارية تختلف عن مشكلات أجدادنا، ولهذا لا يمكن تفعيل النظرية في قراءة العالم نصياً إلا عبر إطلاق طاقات العقل، ولاسيما العقل النقدي، وهذا لن يتحقق إلا عبر ثورة معرفية شاملة قوامها الحرية الكاملة، وأعني التخلص من أي قيود مشروطة على العقل.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب