ليس للموقف الإشكالي من عائلتي غولدن وشاؤول صلة بالتشوش الذي يخيم على حكومة إسرائيل بشأن قطاع غزة. فالموقف المهين ليس استراتيجيًا؛ هو مجرد مشكلة زعامية. أما التحدي الأكبر لنتنياهو وليبرمان فهو الواقع، هو على ما يبدو المسؤول عن أن حكومة اليمين تتصرف كحكومة يسار، أو للدقة: تقول شيئًا ما وتفعل العكس بالضبط. يمكن أن نسمي هذا «سياسة مسؤولة»، ولكن من أجل هذا هناك حاجة قبل كل شيء إلى الإعلان بأن هذه سياسة، وشرحها للجمهور.
من يسكت على التصريحات القاطعة ويراجع أفعال الحكومة ـ دون أن يربطها بالأحزاب ـ سيكون على قناعة بأنهم من خريجي السلام الآن: خطة تفتح فيها المعابر، وصالح العاروري، كبير المخربين، يتجول بحرية في القطاع برعاية إسرائيل، وحكم حماس يحظى بالامتيازات، وكل هذا مقابل ماذا؟ الهدوء.
يمكن أن نتصور سيناريو في بلاد بعيدة تكون فيه منظمة إرهابية مسيطرة على إقليم صغير وتجعل سكانه رهائن. وتفرض المنظمة إرهابًا دينيًا، وتقمع حقوق السكان، إضافة إلى ذلك توظف معظم مقدراتها في تطوير وسائل قتالية ضد الدولة الكبيرة إلى جانبها. المعطيات في غير صالح المنظمة الإرهابية، ولكن مثل الانتحاري المواظب، يهاجم المرة تلو الأخرى تلك الدولة، وهذه تقاتله بين الحين والآخر، تجبي ثمنًا، وتدفع ثمنًا بحياة جنودها، وهلم جرا.
هكذا إلى أن يتبين ذات يوم أن الدولة الكبيرة وافقت على التفاوض مع منظمة الإرهاب، فتفتح المعابر وتطلق البضائع وترفع الحصار وتترك القادة العسكريين يدخلون من مصر إلى القطاع وتتخلى عن أفكار التجريد من السلاح، كل ذلك على أن يتوقفوا عن إطلاق البالونات مع الجمرات نحوهم.
فهل تعرفون ماذا يسمون هذا في إسرائيل؟ الاستسلام.
في الماضي كتبت بحثًا عن دول تفضل الهدوء على الحرب. وكان الاستنتاج أن هذه آمنت بعدم قدرتها على الانتصار على الإرهاب فتدفع دومًا ثمنًا أعلى. أعرف أن هناك نظريات أخرى، ولكن نظريتي تقوم على أساس «مكان تحت الشمس» لكاتب ما يسمى بنيامين نتنياهو.
يمكن للمرء أن يغير رأيه، فالحمار وحده لا يغير رأيه. يمكن أيضًا أن نرى الأمور من هناك أو من هنا، ولكن ما لا يمكن هو تغيير الرأي بل تبرير الرأي السابق.
بعد «الجرف الصامد» أعلنت حكومة إسرائيل عن تجريد قطاع غزة كهدف استراتيجي. وكانت الأفكار عن جزر مثل إقامة ميناء على نمط إسرائيل كاتس، وعصي مثل سحب الامتيازات من سجناء حماس، لكن شيئًا من هذا لم يحصل.
عائلتا غولدن واورون تفعلان بالضبط ما هو متوقع من عائلات ثكلى لا تزال جثامين أبنائها محتجزة في القطاع. فهي تطلب جلبها للدفن في إسرائيل، بل ولتضع سقفًا جديدًا ليس فيه مطالبة بتنازل إسرائيلي. بل العكس.
حجج اليسار ضد العائلتين هاذية، وكذا حجج جهات مجهولة وجبانة في الحكومة، فمن حقهما التام وواجبهما ممارسة الضغط، ومن واجب حكومة إسرائيل أن تقرر استراتيجية عن قطاع غزة. العائلتان لا تجران إسرائيل إلى الحرب، وإن لم تكونا الجهة التي تتخذ القرارات. يمكن لرئيس الوزراء في كل لحظة أن يلقي خطابًا للأمة ويقول: «قررنا احتواء إرهاب الطائرات الورقية، الحقول المحترقة، قررت ألا أرد على استفزاز حماس، وأن أبحث عن الهدوء بكل ثمن. أريد أن تعود السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة».
يمكنه أن يقول ذلك، حينئذ لا يمكن الجدال. في نظري الربط بين رام الله وغزة خطأ، فقطاع غزة هو دولة عدو (حماستان)، ورام الله هي عاصمة السلطة الفلسطينية، من يربط بينهما يعيد فكرة الدولتين على نمط أوسلو من الباب الخلفي، فكرة الطريق الفلسطيني الذي يقطع النقب ويقسم إسرائيل.
كان يمكن لرئيس الوزراء أن يشرح بأن جثماني غولدن وشاؤول هما بأولوية ثانية، لأن الجبهة في الشمال ساخنة والعائق لا يزال حاضرًا. كان يمكن أن يتحدث، ولكنه لم يفعل.
لا يمكن خداع كل الناس كل الوقت، والأمل ألا يشعر بذلك أحد.
يديعوت 7/8/2018