عن حماس وخطيئة المفاوضات مع إسرائيل

حجم الخط
0

بغض النظر، وبعيدا عن كل التفاصيل المعلنة صراحة، وتلك المسرّبة والمتداولة في صفوف المؤيدين والمباركين، أو في صفوف المناوئين واللاعنين، فإن مفاوضات حماس مع الحكومة الإسرائيلية، هي «خطأ» ترتكبه حماس، عندما يكون متعلقا بقضايا فرعية وجانبية، ويصبح «خطيئة» عندما يكون متعلقا بقضايا سيادية.
وإذا كان بالإمكان التساهل في التعامل مع ارتكاب الخطأ، وتبرير التجاوز، والاكتفاء بتوجيه اللوم وتقديم النصيحة، فإن كل هذه الإجراءات تصبح غير مجدية، وغير كافية، عندما يكون الموضوع المطروح هو تفاوض أي حزب أو حركة أو جبهة أو فصيل مع العدو، حول أي قضية سيادية، او أي تفصيل له أدنى علاقة هامشية بذلك.
مثال ذلك قضية التفاوض المباشر، أو عبر وسطاء عرب أو أجانب، حول قضية الجثامين والأسرى والمعتقلين. في مثل هذه الحالة يصبح التفاوض مقبولا إلى حد ما، وأقول «إلى حد ما»، لأن توكيل التفاوض لجهة رسمية فلسطينية تمثل «الكل» الفلسطيني، أجدى وأسرع وأكثر منفعة. أما مثال القضايا السيادية فواسعة وبلا حصر، وأوضحها وأولها مسألة «الهدنة»، سواء باسمها الصريح، أو تحت عباءة «التهدئة» أو أي تعبير تمويهي آخر.
بداية وقبل الخوض في الحيثيات والظروف المحيطة والمتداخلة مع هذا الموضوع، لا بد من تأكيد وتوضيح حقيقة أن «الهدنة»، بكل مسمياتها، هي مطلب إسرائيلي، وهي سياسة إسرائيلية معتمَدة منذ عام 1948، وبوضوح أكثر منذ مفاوضات «دول الطوق» العربية: مصر والأردن وسوريا ولبنان، في لوزان ثم في جزيرة رودس اليونانية عام 1949، وانتهت إلى توقيع اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل وهذه الدول، التي نتج عنها ما يعرف في الخرائط الإسرائيلية بـ»الخط الأخضر» وما يسميه العرب «حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967».
خوض مفاوضات مع إسرائيل في مسألة «الهدنة» يعني فتح الباب أمامها للتنصل، ولو تحت عنوان «التأجيل»، مما هو حقوق فلسطينية ثابتة وشرعية.
المطلوب وطنيا، هو الاشتباك المتواصل مع إسرائيل، والاشتباك هنا يكون حسب الظروف والإمكانيات المتاحة والموقع. فاشتباك الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب مع المجتمع اليهودي في إسرائيل، وسلاحه الأمضى هو بطاقة الهوية الإسرائيلية، وحقهم، كمواطنين، في المساواة من دون أي تمييز عنصري. واشتباك الفلسطينيين في أراضي الدولة الفلسطينية، كما أقرتها الشرعية الدولية، متمثلة بهيئة الأمم المتحدة، هي قرارات الشرعية الدولية، وكل ما تتيحه هذه الشرعية من أساليب وأسلحة لمقاومة الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي. أما اشتباك اللاجئين الفلسطينيين في «دول الطوق» وفي دول المنافي والمهاجر، فهم الأقدر على تحديدها وممارستها، حسب ظروفهم، وما تسمح به وتوفره لهم من إمكانيات لممارسة حقهم وواجبهم في النضال المشروع لاستعادة حقوقهم.
في وقت مضى، كان الكفاح المسلح هو عنوان الاشتباك، الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية بـ»عمودها الفقري» حركة فتح، وجميع الفصائل الفلسطينية الأخرى. وكان رديف هذا الكفاح المسلح، وبعض خلاياه الفاعلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كفاح ونضال فلسطيني سياسي وسلمي في الوطن، أو جزء منه على الأقل، تطور ليصل إلى مرتبة «انتفاضة الحجارة»، التي فرضت اسمها وصورتها وكوفيتها الفلسطينية، على درجة عالية في سلم الاهتمامات الدولية، وانتصرت على أسلوبي النضال هذين، حركة سياسية نضالية مساندة من فلسطينيي مناطق الـ48، تحت عنوان النضال لتحقيق المساواة والسلام ورفض التمييز العنصري. هذا التكامل والتناغم والانسجام بين أسلحة وأساليب نضال الساحات الفلسطينية الثلاث، أثمر للشعب الفلسطيني، ومكنه من تسجيل أكبر انتصار له في المواجهة مع إسرائيل واحتلالها واستعمارها، متمثلا في اتفاقية اوسلو، التي عكست حركة الفلسطينيين. إذ بعد أن كان اتجاه هذه الحركة من الوطن إلى المهاجر ودول اللجوء، أصبح اتجاه الحركة الفلسطينية هو العودة من المنافي الباردة إلى دفء الوطن، أو جزء منه على الأقل، بدءاً من «غزة أريحا أولا» ليتوسع ويمتد ليشمل كامل قطاع غزة وعشرات أضعاف أريحا. هكذا انتقلت قيادة المنظمة ومئات الآلاف من أعضائها وعائلاتهم إلى أرض الوطن. على أن الغالبية العظمى من الخطوات التي لحقت بخطوة «بدء العودة»، كانت مرتبكة ومشوبة بتقصيرات غير مبررة، ومشبعة بفساد على أصعدة عديدة، تليق بأيام تفكك الدول وانحلالها، لا بأيام تأسيس الدول وتشييد بنائها.
لا ذنب لإسرائيل في ركاكة الأداء الفلسطيني. لا ذنب لإسرائيل في الفساد المالي والإداري الفلسطيني. لا ذنب لإسرائيل في قبول الفلسطينيين، والقيادة الفلسطينية أساسا، في تصنيف الفلسطينيين ووضع رتب ومراتب وتسميات للفلسطينيين أشبه ما تكون بعودة إلى عهد الحكم العثماني بألقابه، من نفر إلى أفندي إلى بيك، وانتهاءً بـ»الباشا»، مترجمة في أيامنا إلى الـ»في آي بي» وأرقامه من واحد إلى ثلاثة. هذه عيوب فلسطينية يجب الاعتراف بها والعمل على معالجتها واجتثاثها.
لكن كل هذه المآسي الفلسطينية، على ضخامتها، تفقد الكثير من وزنها وأهميتها عندما تقارن بكارثتي الانقلاب والانقسام. ويبدو أننا نقف هذه الأيام على عتبة خطر أكبر بكثير، إنه خطر ترسيخ وتثبيت الانقسام، إن لم يكن لعقود، فلسنين عديدة مقبلة، تنتفع اسرائيل فيها وتستفيد خلالها من غياب فلسطيني موحد متماسك. ووضعا للامور في نصابها وسياقها، نقول بألم بالغ: إن أي طرف فلسطيني منفرد، وخارج عن إطار منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو في حالتنا الراهنة حركة حماس، يُقْدِم على التفاوض مع العدو، فإنه يقدِّم لإسرائيل خدمة تلحق ضررا بالغا بالشعب الفلسطيني، وهو يعرف ذلك تماما، وإن كان يتذاكى برفع معاناة عن أهل غزة، لم تكن قائمة يوم انقلابه، ويرفع، جزئيا، حصارا مضروبا على قطاع غزة من الجهات الست، لم يكن مفروضا يوم الانقلاب، ويقيم ميناء على شاطئ غير فلسطيني، بعد أن كان الميناء يعمل ويتطور ليصبح ميناء يليق بفلسطين على بحر غزة، ويرضى بوعدٍ، قد يتحقق وقد لا يتحقق أيضا، لإنشاء مطار على أرض غير فلسطينية، يخدم اهل غزة، بعد ان كان المطار على ارض غزة قد بدأ العمل قبل انقلاب حماس وانشقاقها بسنين.
في عدد الجريدة الإسرائيلية «يديعوت أحرونوت» ليوم أمس الاربعاء، مقال للبروفيسور الإسرائيلي، افيعاد كلاينبرغ، رئيس مدرسة التاريخ، ومدير النشر في جامعة تل أبيب، اقتبس منه الفقرة الأولى فقط: «لحكومة اسرائيل الحالية مصلحة واضحة في بقاء «حكومة» حماس في غزة. أسباب ذلك واضحة لكل من يرى ما وراء دخان الكلام البليغ. فبدل كيان فلسطيني واحد، هناك اليوم كيانان ضعيفان، يسود بينهما التوتر. وبما أنها (أي إسرائيل) غير معنية بالحل، لأسباب أيديولوجية (حيث أن التسوية تعرّض سلامة ارض اسرائيل الكاملة للخطر)، ولأسباب سياسية داخلية (حيث أن التسوية تتسبب بأزمة في الإتلاف الحاكم)، فإن حكومة اسرائيل الحالية تتغذى سياسيا من الوضع الراهن. فحقيقة أن غزة تخضع لسلطة تنظيم إسلامي متطرف، يرفع شعار الإرهاب والقضاء على دولة إسرائيل، توفر لاسرائيل ورقة مساومة مهمة. فلو كان القطاع خاضعا لحكم منظمة معتدلة، فانه سيكون اصعب بكثير تفسير وتبرير الرفض والتعنت السياسي الاسرائيلي، وكذلك الحصار الصارم الذي تفرضه على غزة. مع حماس قوية في غزة وم.ت.ف. في الضفة، يكون كل شيء أسهل. حماس أقوى مما يجب، وأبو مازن أضعف مما يجب، يصبح لا وجود لشريك (للمفاوضات). والى ان يظهر شريك للمفاوضات يمكن الاستمرار في بناء مستوطنات، وتدمير الديمقراطية الاسرائيلية، لضمان أن لا يقوم شريك في المستقبل». هكذا هي صورة الوضع الفلسطيني هذه الأيام، ولكنها ليست صورة خالدة بالتأكيد.
كاتب فلسطيني

عن حماس وخطيئة المفاوضات مع إسرائيل

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية