«فورين بوليسي»: بن سلمان ضعيف سياسياً وطاغية متهور وغير ناضج

حجم الخط
1

لندن- «القدس العربي»: «محمد بن سلمان ضعيف، ضعيف، ضعيف» هذا هو رأي المحلل ستيفن كوك، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» وناقش فيه أن السعودية افتعلت أزمة مع كندا لأنها لا تريد الإعتراف بعيوبها. وكتب كوك المقال بعد عودته من إجازة يقول إنه كان بحاجة ماسة لها هرباً من عام حافل ومشوش في مجال السياسة الخارجية ومن أجل التفكير في حالة العجز التي تعيشها أمريكا وما يتركه هذا من أثر على العالم.
وعندما عاد إلى واشنطن «وليتني لم أفعل» اكتشف أن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد كتب تغريدة دعم فيها موقف لاعب كرة السلة الأمريكي ليبورن جيمس في شجاره مع الرئيس ترامب والأهم من ذلك هو الفزع الذي أصاب السعودية من كندا، ليس قطر ولا إيران.
كندا المعروفة باسم «الشمال الأبيض العظيم» وهي المكان الذي منح العالم الممثل جون كاندي ووجبة البطاطا المقلية بالجبن «بوتين» ولاعب الهوكي وين غريتزكي وخبر/بيغل مونتريال. ويقول كوك إن كندا مثل بقية الدول الأخرى لديها تاريخها الأسود والطريقة التي عامل فيها الكنديون ما صار يطلق عليهم «الأمم الأولى» او السكان الأصليين، مع أنهم قاموا في الفترة الأخيرة بالإعتذار وتحملوا المسؤولية بسبب تدميرهم ثقافة السكان الأصليين. ومع ذلك فالكنديون، عندما يعربون عن غضب تجاهك فإنهم يعبرون عنه بطريقة مؤدبة.
وتساءل الكاتب هنا عن سبب غضب السعوديين ولماذا قرروا طرد السفير الكندي وتعليق الرحلات الجوية إلى تورنتو وطلبوا من 7000 مبتعث ترك كلياتهم وجامعاتهم بالإضافة إلى 16000 طالب هناك قيل لهم إنهم لن يستطيعوا العودة. ويشير الكاتب إلى تغريدة وزيرة الخارجية الكندية يوم الجمعة التي أعربت فيها عن قلقها من الاعتقالات الإضافية للناشطات الحقوقيات بمن فيهم سمر بدوي و «نحث السعودية للإفراج عنهن حالاً وكل الناشطين الحقوقيين السلميين».
ويعلق الكاتب «هذا كل ما في الأمر، لم تفرض الحكومة الكندية عقوبات ولم تتجن على الإسلام أو أنها تعاونت مع الحوثيين في اليمن. وكما يعرف كل شخص لديه اهتمام ولو كان قليلاً في الشأن الدولي، فقد وضعت أوتاوا نفسها، وعلى خلاف الولايات المتحدة كمنافح قوي عن حقوق الإنسان. وهذا هو الوضع الآن في ظل الحكومات التي قادها الحزب اللبرالي مثل التي يترأسها اليوم جاستن ترودو ووزيرة الخارجية كريستيا فريلاند التي كانت قوية وبأدب في الدفاع عن النظام الدولي اللبرالي القائم على المبادئ.
ويشير الكاتب لما يقوله الجانب السعودي من أن التعبير عن القلق تجاه مصير ناشطين في المملكة هو بمثابة انتهاك لسيادة الدولة. ويعلق الكاتب أن ردًا كهذا يتوقع عادة من دولة مثل مصر، مع أن القيادة المصرية التي تمقت المجتمع المدني والناشطين لن تذهب بعيدا في الرد وتأمر السفير بمغادرة أراضيها وتلغي منح آلاف من الطلاب الجامعيين.
ويشير الكاتب إلى عدد من النظريات التي يمكن أن تفسر الرد السعودي على التغريدة الكندية حيث يرى فيها البعض مثالاً جديداً عن السياسة الخارجية المتهورة التي يتبعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ويرى البعض الآخر فيها تحذيراً للسعوديين أن لا إصلاح يتم في البلاد غير الذي يريده ولي العهد. ومن يتجرأ والحالة هذه على طلب المزيد منه فهو في خطر. ويعتقد كوك أن كلا التوضحين معقولان حيث يظهر بن سلمان «متهوراً، تافهاً، غير ناضج وطاغية» تماما كما يصفه نقاده.
ويضيف كوك أن القادة العرب لديهم أسباب جيدة للرد بطريقة فقيرة على الناشطين والعاملين في المنظمات غير الحكومية والتي عادة ما تغيب عن نظرة الداعمين الدوليين لهؤلاء الأفراد والجماعات. إلا أن اعتقال أشخاص عبروا بطريقة سلمية عن رؤية تختلف عن رؤية القيادة السعودية هو مثال عن الضعف، ليس بالحس الأخلاقي الغامض ولكن كوصف أساسي لسياسات ومواقف الحكومة. وتقول القاعدة العامة أن اعتقال القائد للأشخاص الذين يختلفون معه هو إشارة عن وعيه بالفجوة بين ما تنشره الحكومة من قصص حول الحياة الجميلة في ظل قادتها الخيرين وبين ما يتوقعه المواطنون في الحقيقة.
والسعوديات المعتقلات الآن اعتقلن لأنه لو لم يتم إسكاتهن فهناك مخاطر من قيامهن بفضح فراغ رواية الحكومة البراقة عن المستقبل. واستخدام الإكراه هو تعبير عن قوة غاشمة وضعف سياسي.

«واشنطن بوست»: علينا أن نحذو حذو كندا تجاه السعودية… والرد الأمريكي فاتر ومثير للكآبة

وخصصت صحيفة «واشنطن بوست» افتتاحيتها للأزمة السعودية المفتعلة مع كندا، مشيرة إلى أن الرد السعودي على الشكوى الكندية بشن اعتقال الناشطتين سمر بدوي ونسيمة السادة كان قوياً. وردت الخارجية السعودية أن شكوى كندا هي بمثابة تدخل صارخ في الشؤون الداخلية للمملكة وإهانة غير مقبولة للقوانين والإجراءات القضائية في المملكة.
واعتبرت دعوة كندا للإفراج عن الناشطتين مدعاة للشجب. و»بعبارات أخرى تريد السعودية من بقية العالم أن يغمض عينيه» ويتجاهل ما يجري في داخلها. ولحسن الحظ فقد رفضت وزيرة الخارجية كريستيا فريلاند فعل هذا وكتبت في 2 آب (أغسطس) تغريدة على التويتر عبرت فيها «عن بالغ القلق» لاعتقال الناشطتين. فسمر البدوي هي شقيقة المدون السجين رائف بدوي الذي يقضي حكماً مدته 10 أعوام لإدارته موقعاً على الإنترنت كان ناقداً للمؤسسة الدينية.
ولم يبد الحاكم السعودي الشاب الأمير محمد بن سلمان أي تسامح مع المعارضة واعتقل العشرات من نقاده من الصحافيين والمثقفين والمدافعين والمدافعات عن حق المرأة بقيادة السيارة. وتم احتجاز معظمهم لمدد طويلة بدون مظهر من مظاهر العدالة.
ومن هنا فعندما طالبت فريلاند بالإفراج عن سمر وشقيقها رائف رد ولي العهد بطرد السفير الكندي وقطع الصلات التجارية والسفر وتبادل الطلاب وكانت الرسالة كما تقول الصحيفة: «على بقية الدول أن تهتم بشؤونها». ولكن ما تفهمه فريلاند وكندا بشكل صائب هو أن حقوق الإنسان والحريات الأساسية هي قيم عامة وليست حقاً لملك أو لديكتاتور يمنحها أو يمنعها بناء على رغباته.
وترى «واشنطن بوست» أن الممارسة السعودية المستمرة والقائمة على حرمان مواطنيها، خاصة النساء، من الحقوق الأساسية هي موضوعات تستحق الاإهتمام المشروع من كل الديمقراطيات والمجتمعات الحرة.
وتقول الصحيفة إن ولي العهد الذي يعمل بنشاط لتحديث المملكة اقتصادي وتنويعه بعيداً عن النفط وإرضاء رغبات سكان المملكة الشباب وتطلعهم للثقافة الغربية. ألا يرى كيف يقوض رؤيته المستقبلة عندما يرمي الناشطين في أقبية السجون ويتصرف كطاغية يحكم دولة بوليسية.
وتشير الصحيفة إلى موقف الإدارة الأمريكية في ظل دونالد ترامب التي تخلت عن دورها في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في الخارج. ولهذا كان رد الخارجية الأمريكية وبيانها الفاتر مثيراً للكآبة، حيث دعت كندا والسعودية لحل الخلافات فيما بينهما. وتعلق الصحيفة «من المفرح رؤية كندا وهي تحمل راية الدفاع عن حقوق الإنسان عالياً، حتى لو كان هذا بثمن قطع العلاقات مع السعودية.
ولا يجب أن تقوم كندا بهذا الدور بمفردها فهو الدور التقليدي الذي مارسته الولايات المتحدة للدفاع عن القيم المشتركة في كل مكان تداس فيه ولكي تظهر للطغاة البلطجية أنهم لن يفروا من افعالهم القذرة التي يرتكبونها خلف الأبواب.
وقالت إن على كل دولة ديمقراطية قائدة بدءاً من وزراء خارجية مجموعة الدول السبع أن يقوموا بنشر «ريتويت» تغريدة فريلاند حول سمر بدوي وشقيقها، فالحقوق الأساسية هي محل اهتمام الجميع.

… وجمال خاشقجي: السعودية لا تستطيع تحمل تبعات معركة مع كندا

وعلق الصحافي السعودي المقيم في واشنطن جمال خاشقجي في صحيفة «واشنطن بوست» ان السعودية لا تستطيع تحمل تبعات معركة مع كندا. وقال إن السعودية على ما يبدو خلطت بين كندا، العضو في مجموعة السبع الصناعية وحلف الناتو والحليفة لعدد من الدول الأوروبية وبين قطر والتي فرضت عليها الرياض حصاراً في حزيران/يونيو الماضي. وأشار الكاتب للتغريدة الكندية التي دفعت السعودية للقيام بسلسلة من الإجراءات العقابية. وكيف أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي ساحة للسيطرة على الرأي العام والترويج للقومية المفرطة.
وقال إن ولي العهد بن سلمان كشف عن أنه لن يتسامح مع أي معارضة علنية لسياساته المحلية حتى إبداء المعارضة للإعتقالات العقابية الفاضحة للنساء الداعيات للإصلاح. ويضيف أن على الغرب أن لا يتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي. فقد شجع موقفه غير المبالي الأنظمة العربية الوحشية في سوريا ومصر- حيث قتل وسجن مئات الآلاف – وشجع على انتشار الحكم الشمولي في بلدان كانت لديها شهية مقيدة لممارسة هذه السياسات.
ويقول إن المواطنين السعوديين لا يفهمون الآن منطق موجات الاعتقالات والتي أجبرت الكثيرين منهم على الصمت أو ترك البلاد بهدوء. وبالنسبة للرياض فالدفاع القوي عن سيادة المملكة يعني تبني إجراءات عقابية ضد المنظمات غير الحكومية العابرة للحدود والدول التي تدعمها.
ويعتقد خاشقجي أن هناك طرقاً أخرى يمكن للسعودية تجنب النقد الغربي لها منها الإفراج عن ناشطي حقوق الإنسان ووقف عمليات الإعتقال غير الضرورية والتي شوهت صورة السعودية. ولو فعلت هذا فستنقذ ما تبقى من سمعة لولي العهد الذي عمل جاهداً على بنائها أثناء جولته في أوروبا والولايات المتحدة بداية هذا العام. كما أن السعودية لا تستطيع تحمل تنفير دول أخرى في المجتمع الدولي وسط حملة عسكرية في اليمن ومواجهة غير مباشرة مع إيران. وأكثر من هذا فخطة التحول الإقتصادي في السعودية تحتاج لأصدقاء كثر لا أعداء. وحتى يحقق محمد بن سلمان خطة التحول الإقتصادي التي دعا إليها أثناء جولته فهو بحاجة إلى استخدام الطرق والأساليب التي تعود عليها المسثتمرون. فلو خاف المدراء التنفيذيون من انعكاسات لنقدهم على تجارتهم فالخطة الجديدة ستكون في حالة خطيرة. وبدلاً من الهجوم على كندا ألا يحق لنا التساءل عن السبب الذي دفعها وهي المحبة للسلام لتتحرك ضدنا؟ وعلينا نحن السعوديين النظر إلى الصورة الأوسع. فقد رفعت كندا الراية ضد انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية. وبالتأكيد فنحن لا نستطيع اعتقال الناشطات بطريقة عشوائية ونتوقع من العالم ان يغض الطرف.
ويجب أن لا يوجه النقد للسعودية فقط فهناك انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في دول شرق أوسطية أخرى. ففي مصر مثلاً هناك 60.000 سجين من المعارضة، ويجب توجيه النقد لها. ويجب التركيز على مسألة قتل المدنيين الأبرياء في سوريا واليمن ليس لأن النقد غير عادل للسعودية بل لأن الفشل في توجيه النقد يخلق جواً يعزز من قوة الديكتاتوريين ويدفعهم لحرمان مواطنيهم من الحقوق المدنية. ويشعر الكثير من العرب الذين يبحثون عن الحرية والمساواة والديمقراطية بحس الهزيمة. فقد صورهم الإعلام المؤيد للحكومة بالخونة وتخلى عنهم المجتمع الدولي. وعليه فموقف كندا يجدد آمالهم بأن هناك من يهتم بأمرهم.

«فايننشال تايمز»: دول الاتحاد الأوروبي مطالبة بدعم كندا ضد أمير متهور

«فايننشال تايمز» تناولت الموضوع نفسه فكتبت عن نوبة الغضب السعودية من كندا. وبدأت افتتاحيتها بالقول إن الأمير محمد بن سلمان ومنذ تسميته وليا للعهد في حزيران (يونيو) بدأ جاداً بجر السعودية نحو القرن الحادي والعشرين. وواجه لهذا الغرض مشايخ المؤسسة الدينية وأعلن عن خطة لإصلاح الإقتصاد والمجتمع وعائلة آل سعود الحاكمة. وفعل كل هذا بجد وبطريقة تختلف عما حاول فعله الذين سبقوه. وكان هناك سبب واضح لهذا الاستعجال الملح وهو أن التغيير في المملكة بات ضرورياً وملحاً ومهماً لاستقرارها في المستقبل ومن أجل فتح الفرص وتسلية لسكانها الشباب القلقين في زمن تتراجع فيه أسعار النفط.
لكل هذا كانت هناك حيرة من استمرار وريث العرش الإندفاع بتهور بطريقة تقضي على كل النوايا الدولية الحسنة تجاه المشاريع الإصلاحية التي قام بها. ويظل الرد السعودي هذا الأسبوع على النقد الهادئ والمؤدب من كندا بشأن المعتقلات السعوديات تعبير واضح عن حساسية مفرطة. وهي تلخيص لنزعة ديكتاتورية تجلس وبخطورة إلى جانب الحماس للتحديث الذي يدعو إليه ولي العهد.
فقد دعت وزيرة الخارجية كريستيا فريلاند للإفراج عن المدون رائف بدوي وشقيقته سمر، حيث تعيش عائلة المدون في كندا. وحسب وزارة الخارجية السعودية فقد كان الطلب المؤدب تدخلاً غير مقبول في القوانين السعودية والإجراءات القضائية فيها وانتهاكاً لسيادتها. وردت الرياض بسلسلة من القرارات التي شملت تجميد التجارة بين البلدين ومنح السفير الكندي في الرياض 24 ساعة للمغادرة واستدعت سفيرها من أوتاوا وأوقفت الرحلات المباشرة بين البلدين. ولم تكن السعودية بحاجة لأن تتصدى للنقد الموجه لسجلها في مجال حقوق الإنسان. فهي لم تشعر يوماً بالحاجة للرد على النقد وهذا بسبب ثروة النفط. لكن الرد المفرط لا يقوم به إلا طاغية يعيش حالة من الرهاب. وهو إشارة مثيرة للقلق عن طبيعة الإصلاحات التي يريدها ولي العهد.
وتقترح أنه لن يتسامح مع أي تغيير لا ينبع إلا منه. وفي هذا العالم فالداعون للإصلاح لن يكون لهم أي أهمية خاصة إن كن نساءً. فقد سجن رائف بدوي عام 2012 وتعرض للجلد العام لـ «إهانته الإسلام عبر القنوات الإلكترونية». وتعتبر شقيقته سمر بدوي من الناشطات المطالبات بحقوق المرأة وتبنت قضيتها مع زميلتها نسيمة السادة منظمة أمنستي إنترناشونال. وتقول الصحيفة إن أوتاوا لم تكن مصيبة في الحديث عن هذه الإنتهاكات بل كان هذا جزءاً من حقها لفعل هذا. فعائلة رائف بدوي تعيش في كندا.
وللأسف لم تتلق أوتاوا إلا دعماً قليلاً لموقفها. ومن المغري التفكير أن ولي العهد السعودي شعر بالجرأة لمهاجمة رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بعدما هاجمه الرئيس دونالد ترامب بعد انتهاء قمة مجموعة السبع الكبار في كيوبيك. ولم يخف ترامب اعجابه الكبير بالأمير الشاب.
وقد اتحد الغرب عندما احتجزت حكومته في العام الماضي رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ضد إرادته وهو ما اضطر بن سلمان للتراجع. وربما تخلت إدارة ترامب عن دورها في الدفاع عن حقوق الإنسان لكن على اوروبا أن لا تتعامل معه كإشارة بل يجب على دول الإتحاد الأوروبي الوقوف متحدة مع أوتاوا ومواجهة تصرف الرياض العشوائي.
وبلا شك فالتحديث في السعودية يحتاج لرؤية وطموح فالمملكة تحتاج إلى عقول هادئة ورجل دولة يوثق به ويفهم أهمية حكم القانون.

ترامب يسعى إلى تحقيق رقم قياسي «بروجيكت سانديكيت»: بيت الأكاذيب الأبيض

كتب جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني السابق تقريراً في «بروجيكت سانديكيت» جاء فيه أنه بحلول الأول من يونيو/حزيران من هذا العام، بلغ عدد الادعاءات الكاذبة أو المضللة التي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب 3259، وفقاً لقاعدة بيانات مدققي الوقائع التابعة لصحيفة واشنطن بوست، والتي تتعقب وتصنف كل تصريح أو بيان مشبوه ينطق به الرئيس. وهذا يعني أن المتوسط يتجاوز 6.5 ادعاءً كاذباً في اليوم الواحد، ارتفاعاً من متوسط 4.9 ادعاءً غير صحيح في أول مائة يوم له في منصبه، ووصولاً إلى 8 في اليوم الواحد في مايو/أيار. ومن الواضح أن ترامب يسعى إلى تحقيق رقم قياسي.
ويبرر أنصار ترامب اعتياده على الكذب على أساس أن «كل الساسة يكذبون». الواقع أنهم يكذبون حقًا، وقليل من التأمل الذاتي يقودنا إلى الاعتراف بأن كل البشر يكذبون. لكن مقدار ونوع الكذب هو الذي يصنع الفارق. فالإفراط في الكذب يحط من الثقة.
ولا تولد كل الأكاذيب متساوية. فبعضها يخدم مصالح ذاتية. وقد يكذب الرئيس لتغطية مساراته، أو تجنب الحرج، أو إلحاق الضرر بمنافس، أو طلباً للراحة. وتخدم أكاذيب رئاسية أخرى غرضاً أسمى. في بعض الظروف، يذهب المؤرخون حتى إلى استحسان لجوء أي رئيس إلى خداع عامة الناس من أجل ما يعتبره خيراً أكبر أو خيراً قادماً في وقت لاحق. فقد ضلل جون ف. كينيدي جماهير الناس بشأن الدور الذي لعبته الصواريخ الأمريكية في تركيا في الاتفاق الذي أنهى أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962؛ لكن ذلك كان بكل تأكيد أفضل لمصالحهم من تفاقم خطر اندلاع حرب نووية.

لإقناع الجمهور

وهناك مثال أقل وضوحاً حدث في عام 1941، قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. ففي محاولة لإقناع الجمهور الأمريكي الانعزالي بأن ألمانيا تحت قيادة هتلر تشكل تهديداً، قال الرئيس فرانكلين د. روزفلت إن غواصة ألمانيا هاجمت مدمرة أمريكية، في حين كان الجانب الأمريكي في حقيقة الأمر هو الذي بدأ تلك الواقعة. في زمن الحرب، عندما تتسبب الألسنة غير المقيدة في تعريض الخطط العسكرية للخطر وعندما تكون الأسرار حاسمة، ربما تصبح الحقيقة، كما قال ونستون تشرشل، «ثمينة إلى الحد الذي يجعل من الواجب علينا أن نعمل دوما على حمايتها بإحاطتها بحرس شخصي من الأكاذيب».
وكثيراً ما يشكل الخداع المكيافيلي جزءاً من استراتيجية المساومة للتوصل إلى اتفاق، ويزعم ترامب أنه يتقن هذا الفن. وربما يفسر هذا أكاذيبه بشأن أسلحة كوريا الشمالية، والتعرفات الجمركية الأوروبية، وتدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016. لكن عدم أمانته في ما يتعلق بحجم الحشد الذي حضر تنصيبه، أو دفع ثمن السكوت للنساء، أو الأسباب التي دفعته إلى إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، كلها أكاذيب لا علاقة لها بفن إدارة الدولة. بل كان ذلك استغلالا خالصا للآخرين وعامة الناس لتحقيق مصالح ذاتية.
وحتى عندما لا تكون دوافع الرئيس ذاتية، فيجب عليه أن يتوخى الحذر في اختيار الكذب. فقبل أن يلجأ إلى الكذب كأداة من أدوات الحكم، ينبغي له أن يضع في الحسبان أهمية الهدف، وتوافر وسائل بديلة لتحقيقه، وما إذا كان من الممكن احتواء الخداع أو أنه من المحتمل أن يتسبب في إنشاء نمط معين. فكلما لجأ زعيم إلى خداع عامة الناس، ساهم في تآكل الثقة بشكل أكبر، وإضعاف المؤسسات، وخلق سوابق مدمرة. كان المقصود من أكاذيب روزفلت في عام 1941 إيقاظ الشعب الأمريكي، لكنه قدم أيضاً سابقة استغلها ليندون جونسون في عام 1964 للفوز بدعم الكونغرس لقراره بشأن خليج تونكين، والذي أدى إلى تصعيد درامي لحرب فيتنام. ومكمن الخطر هنا أن يقنع القادة أنفسهم بأنهم يكذبون من أجل الصالح العام عندما يكون الهدف من كذبهم في واقع الأمر تحقيق مكاسب سياسية أو شخصية.

كذب جونسون

لم يكن جونسون يريد أن يبدو جباناً أو يُقال عنه إنه الرجل الذي خسر فيتنام. فكان يكذب بلا انقطاع على الشعب الأمريكي حول التقدم الذي يجري إحرازه في الحرب. كما كان راغباً في إبقاء الحرب محدودة. وتتلخص واحدة من الفوائد المعنوية للحرب المحدودة في منع الضرر من خلال التصعيد. لكن مثل هذه الحروب تنطوي على عنصر من الخداع. فمن أجل الحفاظ على المصداقية في المساومة مع العدو، يتعين على الرئيس أن يعمل على الإبقاء على التفاؤل الشعبي بشكل مستمر، وهو ما يعادل تضليل جماهير الناس. وفي حالة جونسون، تعززت هذه الحتمية بفعل دوافعه الشخصية. وبحلول عام 1968، كان الناس يقولون إن الوسيلة الوحيدة لكي تتأكد ما إذا كان جونسون يكذب هو أن ترى شفتيه تتحركان. وقد قرر عدم خوض الانتخابات مرة أخرى.
كما كذب ريتشارد نيكسون، الذي خلف جونسون، بشأن حرب فيتنام، بما في ذلك توسيعه لرقعتها إلى كمبوديا. وأعقب ذلك كذبه حول الدور الذي لعبه في التغطية على اقتحام مقر الحزب الديمقراطي، والذي جرى تنفيذه بأمر من إدارته. وعندما كُشِف عن هذا الدور أخيراً من خلال تسجيلات واترجيت، استقال نيكسون من الرئاسة في عام 1974 لتجنب الاتهام والعزل.
الواقع أن الضرر الذي أحدثه جونسون ونيكسون لم يكن لمصداقية رئاستيهما فحسب بل أيضاً لثقة جماهير الناس. ففي بداية الستينيات، أظهرت استطلاعات الرأي أن ثلاثة أرباع الأمريكيين كانوا يتمتعون بثقة كبيرة في الحكومة. ثم بحلول نهاية العقد التالي، تقلصت النسبة إلى ربع الأمريكيين فقط. ورغم أن أسباب هذا التراجع معقدة، فقد لعبت الأكاذيب الرئاسية دوراً ملموساً.
يزعم بعض المراقبين، في الإشارة إلى سجله في القطاع الخاص، أن ترامب يكذب فقط بحكم العادة. ويعتقد آخرون أن وتيرة وتكرار وطبيعة أكاذيبه لا تعكس عادة بل استراتيجية سياسية متعمدة لإلحاق الضرر بالمؤسسات المرتبطة بالحقيقة. وفي الحالتين، تسبب ترامب في تآكل مصداقية مؤسسات مثل الصحافة، ووكالات الاستخبارات، ووزارة العدل الأمريكية، الأمر الذي جعل كل شيء يبدو نسبياً ويصب في صالح قاعدته الشديدة الولاء له.
ولكن هل تتمكن أمريكا من التعافي بعد ترامب؟ يجدر بنا أن نتذكر هنا أن جونسون ونيكسون كانا سلفين لجيرالد فورد وجيمي كارتر، اللذين كانا أكثر صدقاً بشكل ملحوظ، وأن الثقة العامة في الحكومة ارتفعت بعض الشيء في عهد رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي. ولكن الولايات المتحدة لم تر من قَبل قَط رئيساً مثل دونالد ترامب بشأن العدد الهائل من الأكاذيب التي نسجها.

«غارديان»: جونسون يستخدم إهانة المنقبات كوسيلة للوصول إلى قيادة حزب المحافظين

في إطار الجدل الذي تسبب فيه وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون ودعوة رئيسة الوزراء تريزا ماي له للاعتذار قالت صحيفة «غارديان» في افتتاحيتها «نشكر الله أن بوريس جونسون لم يعد وزيراً للخارجية، وهذا أمر جدير بالذكر. ولكن ذكره أصبح مهماً بعد المقال الذي لا يمكن هضمه وسخر فيه من النساء المنقبات. وبناء على سجله السابق فإن فرص تلفظ جونسون بهذا الكلام مرة ثانية كانت عالية. ومن هنا فما يهم في تعليقاته اليوم أنها لم تصدر وعليها ختم الحكومة البريطانية».
وأضافت أن جونسون ليس مهتما بنقاش النقاب قدر ما يهمه نفسه. وكان من المفترض أنه فكر في تعليقاته وهو ما لم يكن يهمه في الأساس. فجونسون يهتم بأن يكون محلاً للإنتباه ويحلم بأن يقود حزب المحافظين، وهي مهمة ليس هو مناسباً لها رغم أن عدداً من أعضاء الحزب يعتقدون أنه قد يقوم بمهمة جيدة لو تولى القيادة، وهم مخطئون. و«من هنا فتعليقاته تقول الكثير عنه وعن الحزب وكذا عن بريطانيا حيث سيكون من سوء حظنا لو عاد مرة أخرى إلى السلطة».
ولأن الحزب منشغل بفكرة الخروج من الإتحاد الاوروبي والتحيزات التي دفعت إليها، فإنه لم يعد مهتماً بالقطاعات الأخرى من السكان الذين لا يفكرون بالطريقة نفسها. ولا يهتم جونسون بكل هذا، فهو يريد الحديث لقاعدة المحافظين الشعبية ونيابة عنهم لأنها تمنحه الطريق نحو القيادة. وكانت البارونة وارسي محقة تماماً عندما احتجت على كلام جونسون ووصف ما قاله بأنه «إسلاموفوبيا وبصفارات كلاب».
وبالتأكيد هناك الكثير من الناخبين الذين لا يحبون المسلمين ـ ولكن من خلال التقرب منهم فإن جونسون ينصب حاجزا بين حزب المحافظين والأقليات والليبراليين الإجتماعيين والذين حاول ديفيد كاميرون (وجونسون) جذبهم عندما ناسبهما الأمر. وتقول الصحيفة إن زعيم الحزب براندون لويس تحدث بكلام جيد عندما طالب جونسون بالاعتذار. ولكن الضرر لم يبدأ ولن ينتهي هذا الأسبوع.
فالإنتهازي جونسون ومن يقفون وراءه بدأوا مشروعاً تخلى عن أي اعتدال ويحلم بدولة صغيرة لا يسكنها غيرهم. فالاعتذار سيكون بداية ولكن المهمة الحقيقية هي وقف التعليقات المشينة.

«فورين بوليسي»: بن سلمان ضعيف سياسياً وطاغية متهور وغير ناضج

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية