بدأ هذا الأسبوع العد لتسعين يومًا، تفصل بين الحقنة الأولى من العقوبات التي فرضها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب على إيران، وبين الحقنة الثانية التي من المخطط أن تدخل حيز التنفيذ في 4 تشرين الثاني. وستكون هذه العقوبات الأكثر مغزى لإيران، لأن هدفها هو المس بقاعدة المداخيل الأهم في الدولة ـ سعر النفط.
جزء من مستهلكي النفط الإيراني المهمين، مثل كوريا الجنوبية، واليابان، والدول الأوروبية، لا تنتظر هذه العقوبات، وبدأت منذ الآن تقلص شراء النفط من إيران. ففي تموز سجل انخفاض لأكثر من 7 في المئة من عموم صادرات النفط الإيرانية، ووفقًا لتقديرات خبراء النفط، من المتوقع لإيران أن تفقد بين نصف مليون ومليون برميل نفط في اليوم من أصل نحو 2.5 مليون برميل تصدره اليوم.
تعتمد هذه التقديرات بقدر كبير على تجربة الماضي، حين قلصت إيران صادراتها من النفط بأكثر من مليون ونصف برميل في فترة العقوبات الخطيرة التي فرضت عليها في 2013 ـ 2015، كما تعتمد على تحليل أسواق الشراء المتوقع أن تبقى في أيديها.
والمقصود أساسًا هو الصين، وروسيا، وتركيا، التي أوضحت جميعها بأنها لن تنضم إلى العقوبات الأمريكية وستواصل شراء النفط من إيران. يحتمل أن تواصل الهند أيضًا. رغم تقليص شراء النفط من إيران، فثم شراء كميات غير كبيرة منها. إضافة إلى ذلك، فإن سلطنة عمان وإمارة قطر ستواصلان تشكيل نقطتي مخرج لأسواق النفط الإيراني، ومع أن كلتيهما حليفتان للولايات المتحدة، ولكنهما تعارضان سياسة المقاطعة التي فرضتها دول الخليج، ولا سيما السعودية، على إيران، ناهيك عن أن قطر نفسها تعيش تحت نظام عقوبات سعودي، قطعها عن الاتصال البري والجوي فاضطرت إلى استخدام خدمات النقل البحري والإيراني والتركي.
كما من المتوقع أن تكون لعقوبات النفط مضاعفات إقليمية ودولية، تتجاوز معاقبة إيران، فمثلاإاذا قررت تركيا، بخلاف موقفها الحالي، الانضمام إلى العقوبات الأمريكية، فإنها ستجد نفسها متعلقة بشكل غير مسبوق بالنفط الروسي.
تورد إيران اليوم إلى تركيا نحو 50 في المئة من النفط الذي تشتريه، أما باقي كميات النفط فتشتريه تركيا من العراق، وروسيا، والكويت والسعودية. في سيناريو تودع فيه تركيا التوريد الإيراني، فإن التوقع هو أن تنال روسيا فرصة ملء مكان إيران، وهكذا تصبح المصدر الأهم لتوريد النفط والغاز إلى تركيا.
وحسب تقدير موقع Oilprice.com، فإن روسيا ستسيطر عمليا على سوق الطاقة التركية إذ إنه إضافة إلى توريد النفط الذي سيرتفع إلى 60 في المئة، والغاز كذلك فإن روسيا ستبني وستشغل في تركيا مفاعلا نوويًا لإنتاج الكهرباء. رغم العلاقات القريبة التي لتركيا مع روسيا، فإن هذه العلاقات غير معفية من الخلافات السياسية ولا سيما في كل ما يتعلق بخطوات تركيا في سوريا. كما شهدت تركيا أيضًا قبل سنتين عقوبات روسية أليمة، فرضت عليها في أعقاب إسقاط الطائرة القتالية الروسية في سماء تركيا. واضطرت تركيا إلى الاعتذار وإلى إخضاع سياستها لسياسة روسيا، كي ترفع عنها العقوبات التي ألحقت بها ضررًا اقتصاديًا جسيمًا.
إن التعلق المتزايد بمصادر الطاقة الروسية، هو الأمر الأخير الذي تبحث عنه تركيا لنفسها. يمكن التقدير بأن واشنطن لم تقصد أن تجبر جراء العقوبات على إيران زبائنها على التوجه إلى روسيا كمصدر بديل، وهكذا يعظمون نفوذ روسيا في دول آسيا، وشرق آسيا أو أوروبا.
كما أن لاتساع نفوذ الصين ينبغي التعاطي بشك؛ فقبل العقوبات، تصدر إيران إلى الصين نحو 27 في المئة من عموم صادراتها من النفط. وبقدر ما يتقلص تصدير النفط الإيراني، سيزداد معدل تصديره إلى الصين، حتى لو بقيت الصين ملتزمة للولايات المتحدة ألا تزيد حجم مشترياتها، فاتساع النصيب الصيني من إجمالي الصادرات الإيرانية معناه تعلق إيراني اقتصادي بقوة عظمى هي في مواجهة اقتصادية مع الولايات المتحدة.
يمكن أن يضاف إلى هذا التطور أيضًا سلسلة الاتفاقات التي وقعتها روسيا مع إيران مؤخرًا، والتي تتضمن رزمة استثمارات بحجم كبير قد يصل إلى 30 ـ 50 مليار دولار. إن روسيا، التي لا تنوي الانضمام إلى العقوبات الأمريكية، يمكنها أيضًا أن تشكل أنبوب تسويق للنفط الإيراني، في إطار صفقة نفط مقابل بضائع، مثلما حصل في فترة العقوبات السابقة.
مثل هذه الصفقة ستسمح بوجود صفقات دائرية، ينتقل فيها النفط الإيراني بداية إلى روسيا، ولكن لاحقًا سيباع في السوق الحرة. خطوة كهذه لن تتجاوز العقوبات وتفتح أمام إيران مصدر توريد للمال فقط، بل ستزيد تعلق طهران السياسي بموسكو أيضًا. مشكوك في أن يكون ترامب قصد هذا عندما قرر فرض العقوبات.
توقع آخر يتعلق بأسعار النفط، التي من المتوقع أن ترتفع في أعقاب العقوبات، فالتقديرات في هذا تعربد ـ بين 120 إلى 250 دولارًا للبرميل الواحد ـ فيما يعتمد كل تقدير على توقعات تتعلق بكمية النفط التي ستكون متوفرة في السوق. بعض التقديرات فقط تفترض بأنه لن يكون تغيير حقيقي في الأسعار، في ضوء التزام السعودية باستكمال فارق الإنتاج الذي سينشأ عن تقليص الصادرات الإيرانية. ولكن فرضية كهذه تستوجب القول إن السعودية ستصبح صاحبة السيطرة على أسعار سوق النفط العالمية، سواء ارتفعت هذه أم بقيت في مستواها الحالي.
فضلا عن كل هذه الفرضيات والتقديرات والتوقعات، يتبين أكثر فأكثر أن إيران ستصبح مركز نفوذ اقتصادي دولي، يمكنه أن يعيد رسم ميزان القوة العالمية، بالذات بفضل العقوبات.
هآرتس/ ذي ماركر 9/8/2018