عن الحب ومآرب أخرى : المتأسلمون ومحاولة البحث عن الهوية الضائعة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: ضمن مسلسل الهويات الضائعة، وهي حالة تنتاب جماعة ما تأكد يقينها من أنها أصبحت خارج مدار الزمن، لكنها تحاول التحايل على هذا الوضع بتثبيت مظاهرها أكثر وأكثر، كمحاولات يائسة وبائسة، دلالة على وجودها المزعوم. من خلال هذه الحالة تطالعنا محاولات المتأسلمين المستميتة، دلالة على أنهم لم يصبحوا بعد زائدين عن الحاجة، أو خارج نطاق الخدمة. ففي الشرق تتأكد هذه الحالة من خلال الخطاب المتشنج والصوت المرتفع، وصولاً لاستخدام قوة السلاح، لإجبار الآخرين على الاعتراف بهم، أما الغرب فتتم فيه صياغة الوضع الوهمي من خلال مفردات أخرى أخف وأرهف، بما يجنبهم التصادم والعقلية الغربية، والسلوك الغربي الذي يعده المتأسلمون في الغالب من سلوك الشيطان، وفي أفضل الأحوال، يعدونه اختباراً إلهياً على قوة الصبر والتحمّل لدى المتأسلم، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

المزاد الحلال

كل شيء يحتاجه المسلم الملتزم، من الحجاب، حسب آخر صيحات الموضة، إلى الساعات البلاستيكية المنبِّهة، المزوَّدة بخاصية رفع أذان الصلاة في موعدها، وصولاً إلى سجادة الصلاة المزودة ببوصلة تُدل صاحبها على اتجاه القِبلة. فتحت شعار «كلّ ما يريده المسلم وأكثر» نجد هذه المعروضات خلال موقع Selisha وهو الموقع الأول من نوعه في العالم للمزادات العلنية على شبكة الإنترنت، الذي يُسوّق لمنتجات تهم المسلمين في كل مكان. قام بإنشاء الموقع طالب عراقي الأصل، مقيم في مدينة هامبورغ الألمانية، اسمه سليم رايض. كانت حجته أن ما يريده المسلم في ألمانيا، والدول الأوروبية بوجه عام من الصعب الحصول عليه، كسجادة الصلاة وما شابه من الأشياء المتصلة بالعقيدة وطقوسها، لذلك كان لا بد من الطابع الخاص للموقع، بداية من الترحيب بالزوار وعمليات البحث، إذ يتم الترحيب بالزوار بعبارة «السلام عليكم» كما يبدأ البحث بـ«البسملة».

بما لا يُخالف الشريعة

بخلاف المنتجات المتصلة بالعقيدة، يتم أيضاً تداول المنتجات الخاصة، كالملابس الداخلية، لكن المختلف هنا أنه يتم عرضها بطريقة لائقة، لا تخالف الشريعة، ذلك باستخدام الدمى البلاستيكية المتواضعة بدلاً من استخدام عارضات الأزياء المحرَّم في الإسلام. وعن ذلك تقول إحدى زبائن الموقع «أجد ذلك جيداً كوني مسلمة متديّنة، بالإضافة إلى أنَني أستطيع شراء مثل هذه الأشياء الخاصة بسهولة من خلال الإنترنت ومن دون أن أضطر إلى مغادرة البيت، وهكذا لا أحد يراني عند شرائي هذه الأشياء».

الحجاب والقليل من كشف الساق

الحداثة أمر مُشوِّش لعقلية المتأسلم، لكن هناك فئة أخرى تريد مد الجسر بين التأسلم كهوية والحداثة كطريقة حياة، وهذه الفئة بالطبع يلعنها الأصوليون، ويرونها من الفئات الضالة التي كثرت هذه الأيام. تأتي الحداثة هنا من تركيا، عن طريق مجلة للموضة عنوانها «آلاء»، تقيم توازناً مرهفاً بين الحجاب التقليدي والتنانير القصيرة والشعر الطليق، لذا تصبح الملابس ممثلة لمأزق حضاري لافت فالإيشارب الحريري، الذي تفرّ منه خصلة الشعر المصبوغ رغماً عنها، لا يتنافى مع بلوزة شبه فضفاضة، وبنطلون جينز ضيق يوضّح تفاصيل ساق صاحبته، والانتهاء بحذاء ذي كعب عال على الموضة، كما أن العارضات على غلاف المجلة لا يعرضن فقط أحدث تصميمات الحجاب، بل يعرضن كذلك أيضا تنانير رسمية ضيقة، وسترات جلدية تبرز تفاصيل أجسادهن. وفي أطروحة للدكتوراه حول موضة الحجاب، تقول باحثة تركية ــ مغنية راب سابقة ــ «إن هذه الموضة المكوَّنة من ملابس أنثوية للغاية، ومن الحجاب، تشكِّل ظاهرة تزداد شعبيتها باستمرار في أوساط النساء التركيات، فالنساء يردن من خلال ذلك التعبير عن انتمائهن المزدوج، انتماء للتقاليد والحداثة».

الحب.. إن شاء الله

ويبدو أن الصِبغة الإسلامية أصبحت ترافق جميع الأنشطة الإنسانية، بداية من الطعام الحلال، مروراً بالماكياج الحلال، ووصولاً إلى الخمر الحلال أيضاً. إلا أنها امتدت هذه المرّة لتصبح ظِلاً للعواطف والمشاعر، في محيط المسلمين ومَن يتعاملون معهم، حيث تتصدر الهوية الدينية الواجهة منذ البداية. وسيصبح الأمر أكثر إثارة إذا وضِعت امرأة مسلمة تحت مجهر البحث، لتتحدث عن أحاسيسها وتجارب علاقاتها الحميمة، لتتسرب الدهشة من وراء حجابها أو نقابها، وتطالع الجميع الذين يردّون قائلين.. رغم كونها مسلمة، فهي امرأة تتحدث عن مشاعرها وجسدها!
ذاع صيت كتاب شبه أدبي، صدرت منه طبعات متتالية منذ فترة في الولايات المتحدة، بعنوان «الحب إن شاء الله»، وهو عبارة عن مجموعة من حكايات 25 امرأة مسلمة أمريكية، مقتبسة من اعترافات نساء مسلمات من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ينحدرن من أعراق إسلامية متباينة، بداية من منطقة الشرق الأوسط، إلى بلدان آسيا، مرورا عبر دول شرق إفريقيا. والكتاب من عنوانه يبدو توافقياً إلى حدٍ كبير، ما بين لفظة «الحب» والمشيئة الإلهية، الدالة على الهوية الدينية. وقد قامتا بتحرير الكتاب كل من عائشة ماتو/مستشارة تنمية دولية وكاتبة، ونورا مازنافي/محامية حقوق مدنية ومؤلفة، وكلتاهما أمريكية المولد لمهاجرين مسلمين.
يسرد الكتاب حكايات هؤلاء النسوة المسلمات، داخل مجتمع متنوع الأعراق والأعراف، وعن كيفية التوفيق بين حيواتهن الخاصة وتعاليمهن الدينية، في مناخ شديد التلون. بداية من وقوعهن في الحب، ووصولاً إلى نتائج متباينة كما يحدث في سائر مثل هذه العلاقات الإنسانية، التي لا تخضع لأي ديانة أو أفكار أيديولوجية موهومة. منها على سبيل المثال حكاية أنجيلا كولينز تيليس، البالغة من العمر 36 عاماً، التي انخرطت في علاقة غير شرعية مع برازيلي مسيحي، قبل أن تتطور الأمور إيجابياً ــ من وجهة نظرها ــ عندما اعتنق هذا الأخير الإسلام عن قناعة، ليتزوجا وينجبا الأطفال.

العالم الافتراضي ومحاولة تصحيح الصورة

نظراً للنجاح الكبير الذي حققه الكتاب، بعدما هللت له العديد من الصحف الأمريكية الكبرى، سعت محررتا الكتاب إلى بناء مجتمع افتراضي عبر القراءات الشخصية وجلسات السكايب. تقول المحررتان إن حوالي ثلث المشاركين في هذه الأحداث هم من غير المسلمين. «أخبرتنا امرأة أنها رأت بعد قراءة المجموعة القصصية امرأتان مسلمتان تلبسان النقاب، وأنها رأتهما للمرة الأولى على أنهما نساء لهن الرغبات والمشاعر نفسها التي تملكها النساء جميعاً. لم تدرك حتى تلك اللحظة أنها كانت تراهُن كشيء مختلف، لا علاقة له قبل قراءة المجموعة القصصية… فهذه الحكايات تسمح للناس من ديانات وخلفيات مختلفة التواصل عاطفياً مع المرأة المسلمة». ويبدو من هذه العبارات أن المجتمع الأمريكي يضع هؤلاء النساء موضع الإدانة من البداية، والتجهيل، سواء بقصد أو بدونه، وفقاً لما تفعله الميديا بعقول الشعب الأمريكي. هذا من ناحية، أما الجهة الأخرى التي لا يستطيع العمل الفكاك منها، فهو شعوره بالاتهام، وفرحه الطفولي الساذج بأنه استطاع التخلص من الصورة المغلوطة لنساء تصادف وقوعهن في خانة الإسلام.

نغمة استشراقية أخرى

من الجيد أن يحكي الإنسان عن مشاعره صراحة، وهو ما يتطلب قدراً من الشجاعة والحرية، والتجارب الأدبية الغربية، مثال لا يُنكر في هذا المجال، أما المدهش في الأمر أن التجارب العربية تسبق الغرب في هذا ــ قلنا تجارب حتى تنتفي المقارنة بين القيمة الأدبية لمثل هذه النوعية من الكتابة ــ بداية من شاعرات عربيات لحقن الجاهلية وعِشن في ظل الإسلام، وصولاً إلى عصرنا الحالي. ولكن الغرب دوماً ينظر إلى نساء الشرق في نمطية، توصف دوماً بالسخف، وهو ما يجعله يقع في تناقض سافر، لا تستطيع العقلية الغربية والأمريكية خاصة تخطي عقباته. فالشرق دوماً هو المرأة الغامضة والمحجوبة ومصدر الرغبات والتجارب الجنسية الحافلة ــ كأداة ليس أكثر ــ ولكن اليوم وقد أضيف الإسلام إلى المعادلة، فأصبحت هذه المرأة مغلوبة على أمرها، لا تستطيع التعبير عن مشاعرها، وكأن وجهة النظر الاستشراقية قد سبقت الإسلام! المسألة لا تعدو نموذجاً للمرأة المسلمة من وجهة نظر أمريكية، وهو ما يجب أن تكون عليه بالنسبة لباقي النساء المسلمات، متعللين بأن هذه الحرية هي نتاج التربية والمزيد من الاستقلالية، حتى تتمكن المرأة المسلمة من النضال من أجل إحداث نوع من التوازن بين التقاليد الاجتماعية وخيارات الروح والجسد. تماماً كالاحتفاء الزائف إذا ما طالعنا اعترافات راهبات الأديرة وما شابه، وهو مأساة وضع الدين كواجهة قبل التعامل مع فعل إنساني ــ وجد قبل الأديان ــ وخاصة إذا كان من أرقى الأفعال.. وهو الحب.

عن الحب ومآرب أخرى : المتأسلمون ومحاولة البحث عن الهوية الضائعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية