الحديث عن الإنتاج الدرامي التلفزيوني المصري في الأعوام القليلة الماضية والتي يمكن تحديدها انطلاقا من العام 2011 يستدعي التوقف امام النضج الحاصل في مستوى الشكل الفني، والمتابع لهذا التحول سيجد على الأرجح أسباب ذلك تعود إلى ان هذا الإنتاج قد استثمر كل العناصر الفنية المميزة التي بدا عليها الإنتاج السوري خلال العقود الثلاثة الأخيرة والتي كانت قد ابتدأت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى بداية افوله مطلع العام 2011 مع انطلاقة الثورة السورية، حيث بدأ الإنتاج السوري في ذلك العام يتراجع من حيث الكم بشكل كبير جدا، ولم يعد يستحوذ على أوقات البث في معظم الفضائيات العربية ليترك الفرصة سانحة على طبق من ذهب للإنتاج المصري الذي كان قد بدأ العاملون فيه يستشعرون بالخطر والمنافسة الشديدة ايام ذروة الإنتاج الدرامي السوري.
قراءة التجربة السورية
من هنا بدأت عجلة الإنتاج الدرامي المصري بما يمتلكه العاملون فيها من خبرة متراكمة وذكاء في قراءة التجربة السورية بحثا عن عناصر قوتها وفرادتها بالشكل الذي كان قد وضعها في حالة من الندية مع الإنتاج المصري بكل تاريخه وما يتوفر عليه من عناصر قوة جعلته يتسيد الدراما العربية طيلة العقود الماضية منذ انطلاقة البث التلفزيوني مطلع العقد السادس من القرن العشرين، يذكر في هذا السياق ان مسلسل «هارب من الأيام» الذي انتج عام 1962 يعد أول إنتاج درامي مصري يعرض على الشاشة وقد جسد الشخصيات الرئيسة فيه الممثلون عبد الله غيث، حسين رياض، توفيق الدقن، مديحة سالم والعمل من تأليف فيصل ندا وإخراج نور الدمرداش. أدرك المصريون بحسهم العالي وذخيرة تجربتهم، ان الإنتاج الدرامي السوري كان قد وصل إلى مرحلة من التفوق في كافة تفاصيل العملية الفنية بعد ان اعتمد على جملة من القيم الفنية أمست بمثابة ثوابت جوهرية لنجاح عملهم، لعل أبرزها يتمثل في النقاط الآتية :
ورش الكتابة
بدأ الاهتمام من قبل الشركات بصيغة ورَش الكتابة الدرامية التي تتوفر فيها مجموعة خبرات متنوعة تشتغل جميعا على فكرة ما أو على نص يقدمه أحد الكتاب من أجل تطويره وانضاجه، وقد منح أسلوب الورشة هذا النص الدرامي السوري خبرات وزوايا جديدة في الرؤية والمعالجة الدرامية عملت في النتيجة على تعميق مستوى الأفكار والشخصيات والحبكة الدرامية.
مخرجون سينمائيون
– الاعتماد على العناصر الشابة في إطار الإخراج، خاصة تلك التي درست الفن السينمائي، وهذا الاتجاه أنتج صورة فنية ابتعدت في تكوينها وزواياها وأحجامها عن نمطية الصورة التلفزيونية التي عادة ما تتسم بالسطحية والجمود والإطالة من حيث الزمن، فكان من نتائج ذلك الخروج من داخل الاستديوهات والابتعاد عن الديكورات المصنعة والاتجاه نحو الأماكن الواقعية، في الحارات والشوارع والأسواق والأحياء السكنية، وهذا ما أنتج لنا إيقاعا إنسانيا حافلا بنبض الحياة وحيويتها، وهو ما كان يفتقده الإنتاج المصري لسنين طويلة لأنه كان متخندقا داخل استديوهات التلفزيون ومدينة الإنتاج.
تنوع وجرأة الموضوعات
أما بخصوص الموضوعات فان الدراما السورية قد امتلكت الجرأة في اقتحام موضوعات متنوعة ومختلفة وحساسة، والأهم في هذا انها عملت على تطوير معالجاتها الأسلوبية بالتوافق مع هذه الجرأة في تناول موضوعات جديدة، وخلال ثلاثة عقود من الزمن طرقت الفنتازيا التاريخية في عدد من الأعمال التي ما زالت عالقة في ذاكرة المتلقين خاصة تلك التي تولى اخراجها نجدت انزور (الجوارح، الكواسر، البواسل) كما تقدمت الدراما السورية باتجاه عدد من الأعمال التي تناولت فترات تاريخية مختلفة (اخوة التراب، الموت القادم إلى الشرق، المرابطون والاندلس، الزير سالم، البحث عن صلاح الدين، فارس بني مروان، هولاكو) وصولا إلى عدد كبير من الأعمال الواقعية التي احتلت مساحة كبيرة من البث التلفزيوني في الفضائيات العربية (الولادة من الخاصرة، نساء صغيرات، الأرواح المهاجرة، الاجتياح، الحور العين، ذاكرة الجسد، رسائل الحب والحرب) والحديث عن عناوين تلك الأعمال المتنوعة يطول كثيرا إذا ما أردنا تعدادها.
هذا السياق من الإنتاج الفني تمكن من ان يستحوذ على متابعة كبيرة من قبل جمهور واسع من متابعي الدراما التلفزيونية على نطاق المنطقة العربية ويضع الدراما المصرية في وضع حرج جدا من المنافسة إلى الحد الذي جعل القائمين عليها يعيدون النظر كليا في العملية الإنتاجية ووضعوا نصب أعينهم نموذج الدراما السورية سعيا منهم لإعادة ترتيب أوراقهم ومفرداتهم الفنية لأجل تفادي هذه المنافسة.
تقنية الممثل السوري
المسألة المهمة في الإنتاج السوري والتي لفتت انتباه عموم المشاهدين وكذلك العاملين في الدراما المصرية، هي طبيعة الأداء التمثيلي لدى غالبية الممثلين السوريين. فالمتابع للدراما السورية وجد في الأداء التمثيلي عند الممثل السوري مساحة واسعة من العفوية وخلا اداؤه الصوتي والجسدي من المبالغة والأداء المسرحي الذي عادة ما نجده لدى الممثل العربي عموما، وهذا يعكس ثقافة أكاديمية واضحة في فهم تقنية أدوات الايصال الصوتي والجسدي لدى الممثل ومرجع ذلك يعود إلى المستوى العالي الذي يتلقاه الممثل السوري في المعهد العالي للفنون المسرحية من علوم وفنون نظرية وتطبيقية تكتمل بموجبها أدواته التعبيرية بالشكل الذي يدرك فيه تماما الخيط الرفيع الذي يفصل ما بين الأداء الأكاديمي المتقن القائم على كيفية تحويل المشاعر الداخلية إلى اداء خارجي عفوي وبين الإفراط في استعراض المهارات التقنية الأكاديمية، حتى بات أداء الممثل السوري علامة بارزة على السلاسة والبساطة في إظهار الفعل الداخلي للشخصية دون الاتكاء على كلائش مستهلكة في الأداء الصوتي والجسدي التي عودنا عليها عديد من نجوم الدراما المصرية، ومن هنا وجدنا تحولا كبيرا في أداء الفنانين المصريين خاصة الأجيال الجديدة حيث ابتعدوا في حضورهم على الشاشة عن نمطية الأداء الذي طالما كرسته السينما والدراما المصرية.
الإنتاج المصري ينتهز الفرصة
المتابع للإنتاج المصري الدرامي هذه الأيام سيقف أمام تحول كبير بات يشهده في كافة مراحله الفنية خاصة ما يتعلق بالمعالجات الاخراجية التي اقتربت كثيرا من بنية الفيلم السينمائي من حيث الاعتماد على اللقطة باعتبارها وحدة فنية أساسية في بناء تفاصيل المشهد الدرامي، بعد ان كان الاعتماد على بنية المشهد ككل، وبات الاهتمام كبيرا في اعتماد مدراء تصوير سينمائيين في إدارة التصوير وتصميم الاضاءة سواء للقطة أو المشهد تحمل في درجاتها اللونية وظلالها دلالة درامية، كما أصبح الاهتمام بالفلترات التي تغير من طبيعة الألوان بما يجعلها أقرب إلى ما هي عليه الصورة في الشريط السينمائي.
السنوات التي أعقبت العام 2011 وهو العام الذي كما أسلفنا شهد بداية انحسار الإنتاج الدرامي السوري، تمكنت فيها الدراما التلفزيونية المصرية من ان تستثمر هذا الانحسار بشكل ذكي مستلهمة كافة العناصر الفنية التي كانت قد توفرت في الدراما السورية والتي سبق ان تطرقنا إليها، حيث بدأنا نشهد كاميرات المخرجين وهي تغادر الاستديوهات متوغلة في الشوارع الخلفية والحارات المصرية بكل زخمها الإنساني وكثافة الملامح المحلية المصرية في البيئة والمعمار والأزمات مثلما عبرت عنه على سبيل المثال لا الحصر مسلسلات (بين السرايات، الحارة ، شارع عبد العزيز، طرف ثالث).
هذه النتائج التي جاءت لصالح نمو ونضج الإنتاج الدرامي التلفزيوني شكلت عامل منافسة شديدة للإنتاج السينمائي المصري بكل تاريخه وتقاليده ومؤسساته الإنتاجية العريقة وهي من أقدم الحلقات الإنتاجية في المنطقة العربية، ومع غياب الدور الواسع والفاعل لشركات الإنتاج التي انحسر عددها بشكل كبير، ويمكن الإشارة إلى ان شركة مصر للسينما التي تأسست عام 1925 تعد أول شركة إنتاج سينمائي مصرية.
الدراما تستقطب النجوم
محصلة المتغيرات المشار إليها نتج عنها ان تحول عدد كبير من نجوم السينما المصرية إلى العمل في الدراما التلفزيونية، التي بدأت تستقطب المعلنين بشكل كبير وبات الإعلان مصدرا أساسيا في تحقيق الأرباح لشركات الإنتاج الدرامي ومن هنا كان الحرص شديدا لدى المنتجين على استقطاب النجوم في الأعمال الدرامية.
ومن ناحية أخرى فإن النتائج من الناحية الفنية لم تعد بتلك الفروقات التي كانت قائمة ما بين بنية الفيلم السينمائي والدراما التلفزيونية خاصة بعد اكتساح كاميرات الدجيتال وما أخذت تشهده من تطور كبير في تقنياتها لصالح زيادة عمق المجال أو البعد البؤري إلى الحد الذي منحت الصورة التلفزيونية أبعادا لم تكن تتوفر سابقا في كاميرات التلفزيون.
سياق هذا الحديث يعود بنا مرة أخرى إلى مسلسل (هارب من الأيام) الذي سبق ان أشرنا إليه باعتباره أول إنتاج في تاريخ الدراما المصرية حيث يشير مؤلف المسلسل «فيصل ندا» في حديث سبق ان نشرته جريدة «اليوم السابع» المصرية في 17 اب/اغسطس 2016 إلى ان الممثل فريد شوقي كان المرشح الأول لأداء الدور الرئيسي إلا انه رفض العمل في المسلسل نتيجة خوفه الشديد من ان يفقد بريق نجوميته التي اكتسبها من العمل في السينما بالتالي وقع الاختيار على الممثل عبدالله غيث الذي كان معروفا في الوسط المسرحي ولم يكن له شهرة ولا نجومية في السينما. هذا التخوف الذي عبر عنه فريد شوقي آنذاك لم يعد لدى الممثلين المصريين النجوم هذه الأيام وأبرز مثال على ذلك انخراط النجم السينمائي عادل امام في الدراما التلفزيونية وكذلك نور الشريف وحسين فهمي واحمد ادم واسر ياسين واحمد عز وغيرهم كثير، حتى أمسى التنافس شديدا بين شركات الإنتاج لاستقطابهم للعمل ضمن دراما التلفزيون وهذا ما أشعل الأجور التي يتقاضونها ووصلت إلى أرقام عالية جدا وباتت تضاهي أجور العمل في السينما.
11ADA
مروان ياسين الدليمي