باريس ـ «القدس العربي»: شهدت الجامعات الفلسطينية مناقشة عدد كبير من الأطروحات الجامعية التي تناولت شعر محمود درويش (1941 ـ 2008)، في برامج دراسات عربية معاصرة أو أدب مقارن أو لغة عربية؛ تحت إشراف مجموعة من الأساتذة، الذين لا تخفى جهودهم في توجيه الطلاب نحو موضوعات حيوية وحساسة وسجالية لدى شاعر كبير ومشروع جمالي احتلّ الصدارة في المشهد الشعري العربي الحديث والمعاصر. وفي مناسبة الذكرى العاشرة لرحيل درويش، نستعرض هنا بعض تلك الأطروحات التي توفر لـ»القدس العربي» الاطلاع عليها.
ـ الاستعارات الكبرى ودلالاتها في أعمال محمود درويش
هذه رسالة ماجستير تقدم بها الطالب عقبة فالح عبد الهادي طه إلى جامعة بيرزيت، في سنة 2014، وتألفت لجنة المناقشة من د. عبد الرحيم الشيخ (رئيساً)، وعضوية الدكاترة إبراهيم موسى، وليد الشرفا، وموسى خوري. وتبحث الرسالة في ثلاثة استعارات كبرى وظفها درويش في شعره ونصوصه النثرية وحواراته، هي الأديان والتاريخ والأساطير، كما تناقش تطور أو انزياح دلالات الرمز الواحد المتكرر بين مرحلة وأخرى في نتاج الشاعر.
وتستكشف الدراسة مواطن انفتاح درويش على النصوص الدينية في الكتب الثلاث للديانات الإبراهيمية، أي التوراة والإنجيل والقرآن، وتبرز من خلال ذلك سلسلة أساطير مثل جلجامش والعنقاء وتموز والفينيق، ومدلولات توظيف درويش لأحداث تاريخية كبرى مثل حصار طروادة والسبي البابلي وحروب صلاح الدين الأيوبي وإبادة الأقوام الأصلية في أمريكا والخروج من الأندلس؛ مع عدم إغفال رموز هامة في تاريخ الأدب العربي، مثل المتنبي وامرئ القيس وجميل بثينة وسواهم.
ويعلن الباحث أن دراسته تعتمد أكثر من منهج وفق ما تقتضيه حاجة الدراسة، فهو يلجأ إلى المنهج التاريخي في تتبع أعمال درويش ودلالات رموزه واستعاراته وفقاً للمرحلة التاريخية التي عاشها الشاعر على الصعيدين الفردي والجمعي. كما يستخدم منهج تحليل المضمون لاستكشاف الرموز والاستعارات التاريخية والدينية والأسطورية، بالإضافة إلى توظيف المناهج الجينيالوجية، ومفهوم الانزياح الدلالي في تتبع الرمز الواحد والمتكرر.
وعن الاستعارات الأسطورية يقول الباحث، في ختام دراسته: «وظف درويش التراث الميثولوجي للبشرية جمعاء خدمة لأغراضه الشعرية، حيث استحضر أساطير أمم عديدة، كأساطير اللإغريق والسومريين والبابليين والكنعانيين والمصريين القدماء والهنود الحمر وغيرها، وما تختزنه هذه الأساطير من مدلولات تتمحور في مجملها حول سعي الإنسان الحثيث نحو الانبعاث والتجدد وقهر الموت والهلاك، علماً أن الشاعر وظف الرمز الواحد في أكثر من عمل من أعماله الأدبية وجاء الرمز الواحد في بعض الأحيان بدلالات اقتضتها المرحلة التاريخية أو المرحلة الشعرية. وقد سعى درويش في أعماله المتأخرة وتحديداً منذ ديوانه «ارى ما أريد»، 1990، إلى التحول من الاهتمام الشخصي والوطني إلى الاهتمام بالهمّ الإنساني للبشرية كلها».
ـ بنية النصّ الشعري في شعر محمود درويش
هذه، بدورها، أطروحة ماجستير تقدمت بها الطالبة جمانة حامد عويضة إلى جامعة الخليل، وتألفت لجنة المناقشة من د. حسام التميمي مشرفاً ورئيساً، وعضوية د. عبد الكريم خشان ود. ياسر أبو عليان. والدراسة تتخذ مجموعة «كزهر اللوز أو أبعد»، 2005، نموذجاً للبحث في بعض المظاهر الفنية والجمالية والمضامين الفكرية والوطنية والإنسانية التي تميزت بها المجموعة؛ فضلاً عن الأنساق الأسلوبية البارزة فيها.
البحث ينهض على ثلاثة فصول، يبحث أولها مفهوم التناص، مبتدئاً من تعريفه، ثم استعراض أنماط التناص الواردة في المجموعة، وبينها الديني والتاريخي والأسطوري، وآلية توظيف هذه الأنساق في النصوص الشعرية، وصولاً إلى بعض الأنساق اللغوية التي تلعب دوراً في إثراء النصّ. في الفصل الثاني تُظهر الباحثة عنصراً بارزاً وفاعلاً في بناء القصيدة، أي البعد الدرامي الذي تعدّه ملمحاً أسلوبياً في الديوان، له دوره الجلي في تشكيل النصّ الشعري والتعبير فكرياً وفنياً ووجدانياً عن تجربة الشاعر الخاصة والعامة. أما في الفصل الثالث فقد وقفت الدراسة عند البنية التركيبية اللغوية في الديوان، مستعرضة ظاهرة التقديم والتأخير، وحضور الأفعال الزمانية المضارعة والماضية والأمر وآلية توظيفها. ثم ختمت الباحثة دراستها باستعراض جملة من أبرز النتائج، مثل مهارة درويش في تطويع اللغة، وثقافته المتشعبة، ومعرفته الواعية لواقعه، وكيف مكّنه ذلك كله من بناء نصه الشعري بناء متكاملاً، حتى «غدت القصيدة عالمه الذي يحسن الإمساك بزمامه».
وفي ختام دراستها تقول الباحثة: «حاور درويش ذاته بالضمائر الثلاثة (أنت، هو، هي) ليشكل ميزة أسلوبية كان لها دورها في إغناء النصّ وتنوّع الدلالة، ففي أناه المتعددة يكشف عن سماتها المتنوعة والمتفاوتة؛ مبتدئاً بالضمير أنتَ الذي أفضى عن درويش الإنسان المتأمل الشكور غيره، الراغب إلى السفر لأعماقه؛ يليه ضمير هو، الإنسان المسكون بالخيبة، الضجر من عبث الانتظار، الساعي إلى الانعتاق من الأحزان ومشاركة غيره البهجة رغم عمق المأساة؛ ليبرز بعدها ضمير أنا، الشاعر الوفي للغته، الحريص على تجويدها بكل ما أوتي من أساليب واستعارات وكنايات ومجاز، فهو يلتحم باللغة ليخلقا معاً شعرية فذة باقية، بالإضافة إلى تأمله الوجودي في الموت وماهيته، مستشعراً دنو أجله؛ وبين هذه الضمائر يطل علينا ضمير هي، ليعلن الشاعر عبره أهمية المرأة في حياته ومدى احتياجه لها».
ـ دالّ البحر في شعر محمود درويش
إلى جامعة النجاح الوطنية في نابلس، تقدمت الطالبة مها داود محمود أحمد للحصول على الماجستير في اللغة العربية وآدابها. وتألفت لجنة المناقشة من أ. د. خليل عودة وأ. د. يحيى جبر مشرفَين، وعضوية أ. د. مهدي عرار ود. نادر قاسم.
والرسالة تبحث في دالّ البحر عند درويش وتطوره في شعره، وتنقسم إلى ثلاثة فصول، يعرض أولها معنى البحر في المعاجم اللغوية والتراث العربي القديم، ثمّ تحليل صورة البحر عند ثلاثة من معاصري الشاعر وأصدقائه (فدوى طوقان، معين بسيسو، سميح القاسم). وفي الفصل الثاني صورة البحر عند درويش في المعاني التقليدية والمبتكرة، وهنا قسمت الباحثة تطور الدلالة إلى ستّ مراحل: المرحلة الأولى فيها المعاني التقليدية التي نسج فيها على منوال الشعراء السابقين في بداياته الشعرية؛ والمرحلة الثانية حيث بدأ تميزه الشعري وصوره الخاصة، وتمتد إلى عام 1982؛ حيث المرحلة الثالثة، المكونة من «مديح الظل العالي» و»حصار لمدائح البحر»؛ أما الرابعة فتمتد من ديوان «هي أغنية هي أغنية»، إلى «أحد عشر كوكباً»؛ والخامسة من «سرير الغريبة» و»لماذا تركت الحصان وحيداً»؛ أما المرحلة الأخيرة فتشمل «جدارية» وصولاً إلى «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي».
الفصل الثالث تخصصه الباحثة لدراسة أهم الظواهر الأسلوبية المميزة، فتعقد نصفه الأول لدراسة دلالة الألفاظ، والثاني لدلالة الصور، ثمّ خاتمة تجمل أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث. وفي هذا تقول إن درويش تميز عن غيره من الشعراء الفلسطينيين في توظيف صورة البحر، وتأثر في ذلك بالمراحل التاريخية والأحداث المفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، واستمد صوره من ذكريات طفولته في حيفا، وعلاقته ببحرها وشمسها وبرتقالها؛ ومن إقامته في بيروت وتونس وغيرها من المدن البحرية؛ كما كانت لتجارب الشاعر الخاصة مع الحياة والموت أثرها في صياغة صوره، وتلوين مفرداته.
وتكتب الباحثة: «لم يكن البحر عند درويش مجرد مسطح مائي، يستثيره بانعكاس أشعة الشمس عليه وقت الشروق أو الغروب، بل كان يبحث عن كنهه وأصله وسرّه، في تماه روحي كامل، لمحاولة اكتشاف سرّ الوجود وتفسير أزمة الفلسطيني المحكوم عليه بأن يكون ابن الساحل السوري».
11ADA