محادثات تهدئة وتصعيد فما هي لعبة إسرائيل وأمريكا في غزة؟

حجم الخط
0

يشهد قطاع غزة حالة تصعيد مستمرة وغارات جوية إسرائيلية أدت لمقتل وجرح مدنيين وسط الحديث عن تهدئة أو هدنة بين حركة حماس التي تسيطر على القطاع وإسرائيل.
ورافقت الأجواء تسريبات متعددة عن محادثات وفود حماس في القاهرة والتي ترعاها القيادة المصرية وأشارت إلى إمكانية عقد هدنة مداها 5 ـ 10 أعوام وحزمة من المشاريع الاقتصادية التي سيستفيد منها القطاع وتعود بالنفع على مصر التي ستمر مليارات الدولارات عبرها. وفي المقابل تقول الاستطلاعات الإسرائيلية إن غالبية الرأي العام الإسرائيلي ترفض الهدنة مع حماس فيما دعا رئيس الوزراء السابق إيهود باراك لإعادة احتلال غزة والقضاء عليها. ودعا المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات إلى التعاون بين إسرائيل والسلطة الوطنية من أجل القضاء على حماس. وهدد يوأف غالانت الوزير الإسرائيلي باغتيال قادتها حيث قال «لدينا كل الخيارات لتحقيق أهدافنا ونعرف عن حماس أكثر مما تتخيل وسنعثر عليهم إن أردنا».
وتساءلت صحيفة «نيويورك تايمز» (9/8/2018) إن كانت الضربات المتبادلة بين غزة وإسرائيل هي «تكتيكات» تفاوضية. ففي يوم الخميس ردت إسرائيل على صاروخ أطلق من غزة باتجاه مدينة بئر السبع بتدمير مبنى من سبعة طوابق وجرحت 17 شخصا. وزعمت إسرائيل أن المبنى تستخدمه قوات الأمن التابعة لحماس لأغراض عسكرية ولكن الفلسطينيين يقولون إنه مجرد مركز ثقافي (مركز سعيد المسحال). وبعدما أعلنت مصر ومبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف عن تهدئة مؤقتة، يرى محللون أن إسرائيل وحماس تحاولان تحسين شروطهما التفاوضية والتوصل لهدنة دائمة بالحديث عبر الرصاص. ونقلت الصحيفة عن طلال عوكل، المحلل والصحافي الفلسطيني قوله «هذه الدقائق والساعات الأخيرة لكل من حماس وإسرائيل من أجل التوصل لاتفاق على تفاهمات التهدئة» التي ترعاها مصر ويشارك فيها ملادينوف في الأسابيع الماضية وتهدف لوقف إطلاق النار طويل المدى بين الطرفين. وأضاف: «كل طرف يريد تحسين شروط التفاهم لصالحه». ولهذا تشن إسرائيل حربا نفسية برسالة أنها لن تخضع للتهديد. أما الفلسطينيون فرسالتهم أنهم جاهزون للرد على أي عدوان ضد غزة. وتأتي فترة التصعيد هذه وسط جهود التهدئة والمصالحة على خلفية تردد الطرف الإسرائيلي والفلسطيني الدخول في حرب شاملة رغم الأصوات الداعية لضرب وسحق حماس من الطرف الإسرائيلي. وتنقل «نيويورك تايمز» عن يوسي كوبرواسر، المدير السابق لوزارة الشؤون الاستراتيجية: «ونحن نقترب من الإتفاق فمن المهم لحماس أن ترسل رسالة أنها لم تذهب للمفاوضات من نقطة ضعف أو تم ردعها أو لأنها عجزت عن وجود حل أحسن للوضع». و«رغم ذلك فأي من الطرفين ليس مهتما بالتصعيد الحقيقي مع أنهما يتصرفان وكأن هناك حالة من التصعيد». وهناك من يتساءل عن جدوى التهدئة التي طالما يتم خرقها كما قدمت تجارب الماضي ومنذ سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007 ففي كل مرة يتم فيها التوصل لتهدئة أو اتفاق مصالحة يخرقه طرف.

الضغط على حماس

ومن هنا ناقش كل من ديفيد ماكوفسكي وغيث العمري في صحيفة «وول ستريت جورنال» (6/8/2018) أن التهدئة الطويلة ليست حلا لأزمة القطاع لأن استئناف الدعم الدولي وإعادة الإعمار تقتضي عودة السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت الذي يرحب فيه زعيم حركة حماس في غزة يحيى السنوار بعودة السلطة الوطنية إلا أن المشكلة هي أنه يريد الاحتفاظ بسلاحه. ولهذا السبب تتردد السلطة الوطنية بتسلم القطاع وتحمل مسؤوليته بشكل يؤدي لظهور سيناريو مثل لبنان حيث يتحكم حزب الله بالسلاح وتتحمل الحكومة مسؤولية المشاكل اليومية. ولهذا السبب طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس علانية بتنازل حماس عن سلاحها لعودة سلطته إلى غزة. وحسب مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية فقد قطع عباس الميزانية الشهرية المخصصة لغزة من 112 مليونا إلى 84 مليون دولار، بشكل قاد لردود فعل غاضبة وتظاهرات نادرة في الضفة تطالب بالميزانية كاملة لسكان غزة الذين يعيشون وضعا قاتما. فهم لا يحصلون إلا على أربع ساعات من الطاقة الكهربائية يوميا ولا يوجد شيء يمكن أن يطلق عليه اقتصاد فاعل. وحسب مسؤولي الأمم المتحدة فإن المواطن في غزة لا يحصل إلا على 3.50 دولار في اليوم وهو ثلث ما يحصل عليه المواطن في الضفة الغربية. وتمارس إسرائيل قيودا على دخول وخروج السكان والبضائع إلى القطاع حيث ترى في حماس عدوا مصرا على تدميرها. وتسهم مصر في الحصار نظرا لموقفها من حركة الإخوان المسلمين والحرب الدائرة في سيناء ضد الجهاديين. إلا أن القاهرة التي تقود جهود المصالحة وعودة السلطة إلى غزة ترى أن نزع سلاح حماس بالكامل ليس خطوة واقعية وبدلا من ذلك فهي تحاول إعادة وضعية السلطة الوطنية كعنوان شرعي للدعم الجوهري القائم على أمل تغيير الدينامية السياسية في غزة. ولا يحظى عباس بدعم شعبي بين أهل غزة الذين يرون أنه لم يهتم بمعاناتهم، إلا إن عودته على ظهر قوافل المعونة ربما غير مفهوم الغزيين عنه. وليس لدى عباس، 83 عاما وقتا للمناورات السياسية طويلة الأمد، ولديه أسبابه ليشك في استعداد حماس تسليم سلاحها. ولحل المعضلة يرى العمري وماكوفسكي أن الضغط الخارجي ضروري. ويقترحان قيام مصر بدعم من الجامعة العربية أو الدول العربية مثل السعودية والإمارات والأردن إصدار بيان يعلن سلاح حماس غير مشروع بشكل يؤكد على شعار عباس «سلطة واحدة وسلاح واحد وقانون واحد». واقتراح الكاتبان هو على طريقة الجامعة العربية التي أعلنت وبضغط سعودي عام 2016 عن حزب الله كحركة إرهابية. فشجب عربي لحماس سيجد صدى لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وسيؤدي لعزل الدول التي تتعاطف مع حماس. كما يجب الطلب من عباس العودة إلى غزة لأن نزع الشرعية عن حماس لن تكون ممكنة طالما ظل بعيدا عنها. وإن رفض فيجب التأكيد على تجاوزه وحماس وتوفير الدعم للمنظمات الدولية. ولو عادت السلطة إلى غزة فيجب على الدول المانحة أن تفي بتعهداتها التي قطعتها في السنين الماضية وعلى مصر أن تكون منفتحة بشأن معبر رفح. ولن تنجح هذه الجهود طالما لم تجد إسرائيل طرقا لتخفيف الضغط والقيود التي فرضتها على حركة الناس والبضائع بدون تعريض الأمن للخطر. فقطاع مستقر هو مصلحة إسرائيلية لمنع الحرب وأزمة صحية. ففي العام الماضي كانت غزة ترمي يوميا 25 مليون غالون من المياه العادمة في البحر المتوسط حيث أجبرت إسرائيل على إغلاق الشواطئ ومحطات التحلية القريبة من عسقلان وإن لفترة قصيرة. ويعتقد الكاتبان أن منع الحرب في غزة يعني تعاون الجميع: الدول العربية وعباس والمانحون الدوليون وحماس وإسرائيل من أجل تخفيف المعاناة في القطاع. فالحصار الذي فرضته إسرائيل برا وجوا وبحرا على غزة حول حياة السكان لجحيم، ووصفوا وضعهم بالحصار بدون أن يضعف سيطرة حماس على السلطة. وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز» (9/8/2018) إلى أن المحادثات التي تشارك فيها مصر والأمم المتحدة (وقطر حسب تقارير) غابت عنها إسرائيل حيث اتهمت المعارضة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاعتماد في المفاوضات على الجيران العرب وبالتالي «فقدان السيطرة على الوضع». وفي ظل التكتم على المفاوضات وبالإضافة لموضوع عودة السلطة ومصير سلاح المقاومة والحديث عن تبادل سجناء وجنود إسرائيليين رهائن لدى حماس وكذا تغير في الموقف الأمريكي من التسوية أو ما يطلق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالتصعيد يمكن أن يكون تكتيكا في المرحلة الحالية لكنه يتزامن مع تغير في توجه الإدارة الأمريكية. ففي ظل الأزمة الإنسانية المتصاعدة ورفض الفلسطينيين المصادقة على خطة السلام التي يشرف عليها صهر الرئيس الأمريكي، جارد كوشنر هناك توجه للتركيز على حل ملف غزة قبل الإعلان الحقيقي للخطة التي يرى العرب انها تصب في مصلحة إسرائيل على حساب المصالح الفلسطينية. وطرحت أفكار عن مشاريع بنية تحتية تدعمها بالطبع دول عربية ثرية.

قطع المساعدات

وفي الوقت الذي تركز فيه على غزة وتخفيف الوضع الإنساني فيها شددت واشنطن الخناق على المؤسسات التي ترعى اللاجئين كما في محاولاتها لإنهاء دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا». وفي هذا السياق كشفت مجلة «فورين بوليسي» (10/8/2018) في تقرير أعده مراسلها في الأمم المتحدة كولام لينتش، أن إدارة ترامب ستجمد الملايين من المساعدات المقدمة للفلسطينيين على أمل إجبارهم للقبول بالخطة الأمريكية للحل. وحسب المجلة فإن البيت الأبيض سيقوم بتعليق 200 مليون دولار من المساعدات للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، بشكل يقطع شريان حياة مهم في وقت من التوتر السياسي والأمني بالمنطقة. ويمثل المبلغ كل الدعم الإنساني الذي تقدمه الولايات المتحدة مباشرة للفلسطينيين. وتساهم واشنطن في ميزانية وكالة الأونروا التي تشرف على برامج تشغيل وتدريب وتعليم اللاجئين الفلسطينيين وقطعت عنها جزءا من المساعدة وليس لديها خطط لتقديم المزيد. ويأتي القرار متزامنا مع تخفيض المساعدات عن الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الأخرى. وسيطر العاملون الفلسطينيون على مقر الأونروا في غزة بعد إعلانها عن تقليل عدد العاملين فيها. وقالت المجلة إن جارد كوشنر ووزير الخارجية مايك بومبيو قرارا قطع المساعدات عن الفلسطينيين في لقاء عقد على مستوى عال بداية هذا الأسبوع. وكان الكونغرس قد خصص 230 مليون دولار للمساعدات الاقتصادية لدعم منظمات الإغاثة في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ولكن المسؤولين قالوا إنهم سيطلبون من الكونغرس تعليق المعونة وذلك حسب مصادر دبلوماسية فضلت عدم الكشف عن هويتها. وقال متحدث باسم الخارجية الأمريكية: «ليس لدينا ما نقوله في الوقت الحالي» وحذر متحدث باسم مجلس الأمن القومي قائلا: «لا قرار اتخذ بعد». وسيؤثر خفض المساعدات على عدد من البرامج التي تديرها منظمات غير حكومية وجمعيات خيرية في الضفة الغربية وغزة بما فيها «كير» و«كاثوليك رليف سيرفيسز» و«إنترناشونال ميديكال كوربس» و«ميرسي كوربس». وتقدم هذه الجماعات الطعام والمعدات الطبية والخدمات ومن المحتمل أنها ستقضي على برامج وكالة التنمية الدولية «يو أس إي إيد». وقالت المصادر إن الإدارة ستواصل تمويل شبكة من ستة مستشفيات في القدس الشرقية والتي تحصل على 25 مليون دولار من المساعدة السنوية الأمريكية. ويقول أندي دونيتش مدير بعثة «ميرسي كوربس» في غزة «إنها مثل عاصفة من التطورات التي تتشكل بحيث تقود إلى أسوأ سيناريو في غزة لم نره منذ عقود». وأبلغت المنظمة 13 من موظفيها إنهاء أعمالهم وأضاف مديرها: «ما يقلقنا هو قدرتنا على الرد». وتقول المجلة إن بومبيو عارض في البداية قطع المساعدات ودعا لتحويل الدعم للمنظمات الدولية لكن كوشنر دفع باتجاه قطع الدعم حتى يقوي موقعه عندما يعلن عن خطته التي ينتظرها الجميع. ويطلب من الجهاز التنفيذي وحسب القانون إنفاق المال المخصص من الكونغرس للمساعدات وهناك طريقة للتحايل على القانون من خلال وضعها في «رزمة إنقاذ» لا يجب إنفاقها. وبناء على قوانين الكونغرس فلدى المشرعين 45 يوما لدعم طلب الإدارة. وفي هذه الحالة فإن نهاية المدة ستتزامن مع نهاية العام المالي بحيث لا يمكن إنقاقها. وقال ديف هايدين، مدير بعثة «يو أس إي إيد» في الضفة الغربية «سيأتي هذا بنتائج عكسية». و«سنترك فراغا ونترك الساحة لحماس وكل الرافضين». وكانت الإدارة قد قطعت جزءا من المساعدة السنوية للأونروا التي تقدم العون لخمسة ملايين لاجئ فلسطيني. وفي ذلك الوقت قالت الخارجية إن الإجراءات هي من أجل دفع الوكالة القيام بإصلاحات لم تحددها. ولكن الرسائل الالكترونية التي كشفت عنها «فورين بوليسي» الجمعة الماضية أشارت إلى أن مسؤولي البيت الأبيض كانوا يبحثون عن طرق لتفكيك المؤسسة الدولية. ووصف كوشنر في رسالة الكترونية الأونروا بـ «الفاسدة والعاجزة ولا تساعد على السلام». وتريد إدارة ترامب من الدول العربية الثرية في الخليج المساهمة في تغطية ميزانية الأونروا.

11HAD

محادثات تهدئة وتصعيد فما هي لعبة إسرائيل وأمريكا في غزة؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية