عن فيديريكو غارثيا لوركا… أن تموت أو لا تموت في مدريد

حجم الخط
0

يسلط هذا الفصل الذي نقدم ترجمته العربية، الضوء على تفاصيل الشهور الأخيرة في حياة الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا. ويسعى المؤلف ألبير بن سوسان من خلال وفرة من الوثائق والشهادات، التي تنشر لأول مرة في هذه السيرة التي خص بها شاعر غرناطة القتيل، إلى الإحاطة بالسمات التي ميزت السياق التاريخي لهذه اللحظات، أعني بدايات الحرب الأهلية في إسبانيا، والخوف الذي كان يشعر به الشاعر من جراء التحول المأساوي للحالة في وطنه وآثارها السلبية على أمنه الشخصي، باعتباره إنسانا ومبدعا.
ويبدو جليا من خلال ما ساقه المؤلف في هذا الفصل، أن لوركا كان عازفا عن الانخراط في الفعل السياسي في إسبانيا وملتزما بحياده واستقلاله بوصفه شاعرا ومثقفا. بيد أن هذا التحفظ الذي اختاره لوركا لم يحل دون تصنيفه قسرا في خانة المثقفين المحسوبين على اليسار، وتأجيج العداء ضده من لدن اليمينيين الكتائبيين بقيادة الجنرال فرانكو.
غير أن ما سوف يحسب لشاعر غرناطة قناعاته «الإنسية» العميقة، التي لم يدخر جهدا في التعبير عنها في قصائده ونصوصه المسرحية، والتي سوف تجعله وجها لوجه قبالة الآلة الفاشستية الجهنمية التي ستودي بحياته في 19 أغسطس/آب 1936.

النص:

شرع لوركا في الوقت نفسه الذي كان يقدم فيه مسرحيته «الآنسة روزيتا العانس» إلى صديقته مارغاريتا كسيرغو، في كتابة عمل مسرحي آخر لن يتاح له الاكتمال مطلقا. وقد استلهم فيه أحداث القمع الذي تعرض له عمال المناجم في جبال استورياس، من لدن الجنرال فرانكو في أكتوبر/تشرين الأول 1934. نحن في بداية 1935 وكان لوركا راغبا في الانخراط أكثر فأكثر في مسرح الفعل الاجتماعي والاحتجاج السياسي. لوركا الذي يجد عسرا في المشاركة بالكلام أثناء لقاء معين، والذي سوف يرفض الانخراط في أي حزب سياسي كان يشعر بأن السلاح الوحيد الذي يتوفر عليه هو الكتابة، وتخصيصا في جنس المسرح. كتب إذن أول فصل ثم قرأه في نهاية السنة نفسها لممثلته ذات الأطوارالعجيبة. كانت مارغاريتا كسيرغو التي أجرت في غياب النص المكتمل، الذي انتهى إلينا في صيغة متقطعة ومتشذرة، حوارا بعد انصرام وقت طويل على إعدام لوركا بالحديث عن المسرحية التي كان يعتزم كتابتها، والتي قام بتلخيصها لها:
تجري الأحداث في مسرح إسبانيا في مدريد. كان يجري عرض مسرحية «حلم ليلة صيف» لوليم شكسبير، حين أوقف العرض بغتة وبدون ان تسقط الستارة. ما الذي حدث؟ لماذا انسحب الممثلون من الخشبة؟ تقدم الشاعر عند خروجه من الكواليس نحو مقدمة الركح، وهو الشاعر الذي قد يكون المدير الفني للفرقة المسرحية، وأشعر الجمهور بأن ثورة قد اندلعت للتو. وقف المتفرجون بحركة غريزية، كما لو أنهم يهمون بالفرار، لكن الشاعر حذرهم بأنه من الأفضل أن لا يتحرك أحد. كان الخروج إلى الشارع فعلا موسوما بالخطورة.
وفي الحقيقة فإن النص الذي نتوفر عليه مختلف وإن كان ينهض على أساس وضعية انتفاضة. كان لوركا على بينة مما هي عليه الحالة في إسبانيا. لا نتوفر على عنوان المسرحية، لكن المؤلف كان يفكر في أن يختار لها عنوان «حلم الحياة» في إحالة إلى كالديرون، الذي كان يمحضه إعجابا لا حدود له. في المقدمة ونحن نعرف بأن لوركا كان يحب تصدير عروضه المسرحية بتمهيد للمؤلف، وهي في الحقيقة متضمنة في المسرحية مثلما هو الشأن في مسرحية «الإسكافية العجيبة». يكتب المؤلف في سياق تبريره اختيار هذا العنوان: ينبغي ان أحيطكم علما بأنه ليس ثمة من شيء مبتدع في هذا النص. ذلك أن الملائكة والظلال والأصوات والأحلام موجودة. وهي تحلق بيننا بواقعية أكثر حدة وأكثر لذعا من الشهوة، والقطع النقدية التي توجد في جيوبكم، والسرطان الكامن في النهد الجميل لامرأة، أو الشفة المتعبة لرجل أعمال.
أنتم تتواجدون في المسرح من أجل الغاية الوحيدة المتمثّلة في المتعة والاستمتاع. لكم في هذا السياق مؤلفون ينبغي أن تدفعوا لهم مقابل ما يكتبون، وهذا أمر مفرط في الصحة. لكن الشاعر حبسكم اليوم هنا لرغبته وتوقه إلى أن ينفذ إلى قلوبكم بإطلاعكم على أمور وأشياء لا ترغبون في رؤيتها، وأن يصرخ في وجوهكم بحقائق مفرطة في البساطة لا ترغبون في سماعها.
يتعلق الأمر إذن بتعبئة وتحسيس الجمهور بواقع آخر ونمط آخر من المسرح. وها هي ذي طلقات النار تدوي بالفعل. ونسمع صوتا يقول بأن الأزقة ينبغي احتلالها من لدن أعضاء الفرقة المسرحية، وبأنه لم يعد ممكنا المرور بها، وبأن قاعة المسرح أضحت ملاذا أكثر أمانا. وسرعان ما تنبعث عبارة قدمت لتوها من تجربة مسرح لا باراكا: ينتمي المسرح إلى كل العالم. إنه مدرسة الشعب. هل كان لوركا واعيا وهو يهتف بهذه الكلمات، بأنه يصوغ وصيته الأخيرة بوصفه كاتبا مسرحيا؟ والفصل الذي تبقى لنا من هذه المسرحية، الذي يتحدث عن الاضطرابات والثورة، والذي نسمع في سياقه دوي طلقات الرصاص وهدير الطائرات يستشرف نهايته، بهذا التعليق الثلاثي في ما تضاء خشبة المسرح بالنور الأحمر، حسب المؤشرات الإخراجية المسرحية:
صوت: أطلقوا النار.
صوت آخر أكثر نأيا: أطلقوا النار.
المؤلف وهو يخرج: نعم أطلقوا النار.
أي حدس بالكارثة هو في طور التحضير! صرح لوركا بدوره إلى مارغاريتا أكسيرغو بخصوص هذه المسرحية، بأن المؤلف يتوحد بالحشود وأنه يتخلص من دوره المجرد باعتباره مؤلفا ويخرج إلى الشارع ويلتحق بالثورة. لم يقدم لوركا بطبيعة الحال على هذا الفعل، وظلت هذه المسرحية المفتقرة إلى عنوان شأن غيرها مثل «تدمير سدوم» الذي قال في خصوصها، إنه سوف ينذر لها كتابته الأخيرة في طور مشروع، لم يكتمل. وقد آل على نفسه، مخلصا في ذلك لموهبته العميقة، أن ينخرط في غمرة الحمى المدنية في كتابة ما سوف يشكل ذروة مشروعه الإبداعي الدرامي، الذي سوف يخصصه بهذا العنوان الفرعي: «دراما نساء القرى الإسبانية: منزل السيدة برناردا البا».
والحال أننا ما نزال في مدريد في سنة 1936. وفي تاريخ 29 أبريل/نيسان 1936 حضر فيديريكو غارسيا لوركا صحبة كارلوس مورلا لينتش، في مسرح لا كوميديا في مدريد الحفل الموسيقي الموسوم «روحانيات زنجية» للمغنية الأمريكية ماريان أندرسون. ولم يكن ثمة شك في أن لوركا الذي كان ما يفتأ واقعا تحت تأثير لقائه بعالم هارلم، قد دفع صديقه الدبلوماسي إلى مرافقته. ولم يكن ثمة شك أيضا في تلاوته من جديد أبياتا من قصيدته الرائعة الموسومة بـ«شاعر في نيويورك»:
كان السود يبكون في حال انصهار
بين المطريات والشموس الذهبية.
كان الخلاسيون يمططون الصمغ وهم يتوقون إلى الصدر الأبيض
الريح تحجب المرايا
وتمزق شرايين الراقصين
كان في مقدورهم رغم ذلك وهم يغادرون الحفل الموسيقي رؤية الحرس المدني وقوات التدخل المدججين بالسلاح في كل مداخل الشارع. كان الحرس المدني جهاز الشرطة الإسباني المكلف بالأمن العام وملاحقة المنحرفين. ولم يكن هذا الجهاز مرغوبا فيه من لدن المواطنين الإسبان، ولم يدخر لوركا جهدا في انتقاده وتنميطه في نصه الشهير الموسوم بـ«رومانس الحرس المدني». كانت الجمهورية التي لم تكن تمحض الحرس المدني كبير ثقة، قد أخرجت إلى الوجود في يناير/كانون الثاني 1932 «حرس التدخل» وهو ما سوف يتمخض عن شرطة خاصة لم تكن مكلفة فقط بملاحقة المنحرفين، وإنما بحماية الأمن العام. كان ثمة في إسبانيا منذ ذلك التاريخ جهازان متمايزان للشرطة وغير منسجمين باستمرار. كانت قوة الحرس المدني في الحقيقة في حال اشتغال وشديدة التأهب، خصوصا بعد اغتيال النائب البرلماني ذي الولاء الملكي كالفو سوطيلو في 13 يوليو/تموز 1936 من لدن ضباط جمهوريين. وكان ذلك رد فعل على عملية الاغتيال التي طالت بالأمس في مدريد عقيد قوات التدخل خوسي ديل كاستيلو والتي تمت على وجه الاحتمال من لدن كتائبيين. كانت الخصومة بين المعسكرين ما تفتأ تحتد إذن في أوائل سنة 1936. ولم يكن قلق فيديريكو لوركا يتعاظم ليحل محله شعور بالخوف ثم الفزع الشديد. وسوف ينتج عن ذلك فراره إلى مدينة غرناطة، التي ستشهد مصيره النهائي المحتوم.
كنا نعرف سلفا أنه معاونه وسكرتيره الشخصي منذ 1933 وتجربة مسرح لا باراكا هذه الفرقة المسرحية الرائعة، التي سوف يعمد منذ نهاية السنة الفارطة إلى حملها على أن تحلق بأجنحتها بعد أربع سنوات من العطاء الخصب والمخلص، ومئتي عرض مسرحي مجاني في جل ربوع إسبانيا. وقد أسند المهمة الشاقة المتمثّلة في تسيير الفرقة إلى سينمائي شاب اسمه أنطونيو رومان، الذي سيخرج في عام 1949 فيلم «الحب الساحر» الذي استلهم فيه المقطوعة الموسيقية التي أبدعها مانويل فاللا. هل كان واقعا تحت تأثير السحر أم لا؟ لكن لوركا كان يحتفظ بإحساس حب عاصف حيال رافاييل الذي سوف يكتب له خصيصا «سوناتات الحب المعتم» التي استلهم في سياقها هاته العلاقة وأقنعتها والتي سوف يحتفظ بها رافاييل رابون بعناية فارقة ضدا من إرادة لوركا إلى حين موته في صفوف الجمهوريين. ولرابون أهدى لوركا الفصل الأخير من ديوان «شاعر في نيويورك» وبرفقتها هذه الكتابة المشعة والمضيئة للشاعر والصديق فيثنتي اليكساندر:
عصفورة من الورق ( باخاريتا) في قلبنا
تقول أن زمن القبلات قد ولى
كلمات كانت ترغب في أن تكون ساطعة ومشعة، ولكنها ظلت غامضة ومعتمة بما يكفي. ووحدها هذه المفردة المؤنثة «باخاريتا» التي تحيل إلى قدر من الورق، والتي يبدو أنها تشف عن هذه العلاقة الجنسية المثلية. وسوف تقود هذه العلاقة مع رابون لوركا إلى الموت. وسوف يكون على الشاعر في نهاية شهر يونيو/حزيران 1936 أن يرافق صديقته مارغاريتا أكسيرغو في جولتها في المكسيك. كان الشاعر قد رغب في هذا السياق كي يستقل الباخرة إلى نيويورك كما الشأن في المرة السابقة، وأن يستقل القطار بعدها كي يصل إلى المكسيك. ولن يكون في مقدوره شأن أي طفل الاستمتاع بهذه الرحلة الطويلة التي تستغرق خمسة أيام. وقد اقتنى والحالة هذه تذاكر السفر، ولكنه كان راغبا في صحبة رافاييل رابون. وكانت مارغاريتا أكسيرغو موافقة تماما على ذلك. بيد أن والد رابون لم يكن موافقا البتة على سفر ابنه البكر، في الوقت الذي كان يستعد فيه لاجتياز امتحاناته. كان طبيعيا في هذه الفترة من تاريخ إسبانيا أن يلبث الشاب تحت وصاية والديه إلى أن يصبح قادرًا على كسب لقمة عيشه بنفسه. ونعرف جيدا وطأة ارتباط رابون بأسرته على نفسية لوركا، الذي سوف يضطر إلى تأخير سفره من لاحل هذا السبب. سوف يندلع انقلاب الجنرال فرانكو بعد أسبوعين، لتصبح أيام الشاعر والحالة هذه معدودة.
لكن كيف سيعيش لوركا هذه الساعات المعتمة في حياة الجمهورية الإسبانية؟ كنّا نعرف سلفا أن روحه لم تكن ملتزمة كثيرا بالسياسة، وكان تصريحه الذي يمكن اعتباره ملتزما نسبيا بالسياسة متشبعا بالشعرية وقوة الاستعارة: في هذه الأوقات المأساوية التي يمر بها العالم يتحتم على الشاعر أن يبكي وأن يضحك مع شعبه. يتحتم رفض باقة الزنابق والغرق في الوحل حتى الحزام كي نساعد من يبحثون عنها.
رغم إلحاح أصدقائه الذين كانوا يستعجلونه كي يساند معركتهم، فإنه لم يبادر مطلقا إلى الالتحاق بالحزب الشيوعي، خلافا لزميله وصديقه رافاييل ألبرتي، الذي سرعان ما سوف يصبح الشاعر الرسمي للحزب الشيوعي الإسباني. لا، لم يكن ذلك صالحا له وسوف يحدث ذلك لا محالة شجنا عظيما لوالدته. أليس كذلك؟ كان لوركا يقدم تعريفا مسليا لنفسه: أنا فوضوي وشيوعي ومتحرر ووثني كاثوليكي وتقليدي ملكي. كان لوركا في الحقيقة إنسيا على طريقة ألبير كامو، ومدافعا عن حقوق الإنسان، خصوصا الطبقة الكادحة والمهمشة. كان يقول: أنا في المقام الأول والأخير، مواطن للعالم وأخ للجميع. وسوف يقدم بهذا الصنيع دعمه في شكل توقيع أسفل عريضة لجمعية «أصدقاء الاتحاد السوفييتي»، أو خلال تلاوة خطابات في حفل استقبال، أو بجوار رافاييل البرتي وزوجته ماريا تيريزا ليون، بالإضافة إلى صديقه القديم لويس بونويل، حيث سيقدم مساندته للجبهة الشعبية. وقد نوهت الصحافة بحضوره وكشفت عن توقيعه في أسفل وثيقة موسومة بـ«مثقفون يؤازرون الجبهة الشعبية»، وهذا يعني أنه رغم التحفظ الشديد الذي كان يلتزم به، والخوف الذي كان يقض مضجعه من الحرب الأهلية، فإن لوركا كان مصنفا في خانة اليسار. وكان بالنسبة لأعدائه الأشد يمينية ومحافظة بلشفيا خطيرا. وسوف يحسب له ذلك من بين أشياء أخرى في المحاكمة السريعة، التي أجريت له ثم إعدامه.
سوف يقرر لوركا إذن غداة اغتيال كالفو سوطيلو، وبتأثير الرعب الذي كان يحس به بسبب التحول الذي شهدته الأمور في إسبانيا، مغادرةً مدريد وطرح كل التزاماته والعودة إلى حياضه في غرناطة، حيث كان يعتقد أنه سوف يكون في أمان.. وقد أقدم على ذلك ضدا من إرادة ورغبة أصدقائه، وفي مقدمتهم لويس بونويل الذي حثه على البقاء في مدريد:
إسمع يا فيديريكو. ثمة فظاعات يتم الترتيب لها. إبق هنا من فضلك. سوف تكون في أمان أكثر في مدريد.
مارس أصدقاء آخرون الضغط عليه لكن بدون جدوى. وسرعان ما غادر مدريد قاصدا غرناطة وهو متوفز الأعصاب ومرعوب.
كان خطأ فادحا لا محالة. والموت كما تغنى به في أولى قصائده سوف ينتظره في الأندلس. وكانت آخر الكلمات التي أفصح عنها قبل مغادرته العاصمة، قد خَص بها أستاذه القديم في بلدة فوينطي فاكيروس أنطونيو رودريغيز إسبينوزا، الذي قام بزيارته في ليلة 15 يوليو/تموز 1936 كي يقترض منه بعض المال اللازم لشراء تذكرة سفر في القطار: الرعود تصم أذني ويلزمني ان أعود إلى بيت أبي. سوف أكون هناك في مأمن من ضرباتها الصاعقة.

البير بن سوسان
ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف

عن فيديريكو غارثيا لوركا… أن تموت أو لا تموت في مدريد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية