بغداد ـ «القدس العربي»: أسهم الموقف الأخير لرئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، وإعلان التزام بغداد بتطبيق العقوبات التي فرضتها واشنطن،على طهران، في تراجع حظوظه بتولي منصب رئاسة الحكومة المقبلة، إضافة إلى إسهامه في «تعمق الانشقاق» داخل ائتلاف «النصر» الذي يتزعمه.
كذلك، زاد موقف ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي، وتحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري، من الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، من فرصة تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، واختيار رئيس الوزراء المقبل، بعيداً عن ائتلاف «سائرون» الذي يدعمه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر.
يأتي ذلك في وقتٍ شن فيه مجتبى الحسيني ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في العراق، هجوما على العبادي بسبب موقفه من العقوبات الأمريكية على إيران، ووصفه أنه «لا مسؤول وانهزام نفسي أمام أمريكا».
وأضاف «نأسف على موقفه هذا. هو يعبر عن انهزامه تجاه أمريكا» كما «لا يتلاءم مع الروح العراقية التي قدمت بطولات كبيرة في مقارعة داعش المدعوم من قبل أمريكا».
ووجه، الشكر لكل المواقف العراقية المنددة بالعقوبات الأمريكية على إيران، مشيراً إلى أن «بلاده لا تبالي بالحصار الاقتصادي ولا تخاف من أمريكا على تجويع الشعب لأن الله هو الرزاق».
«المصلحة العراقية»
في المقابل، دافع العبادي عن موقفه من العقوبات الأمريكية على إيران، إذ قال مكتبه إن «موقف العراق تجاه العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، نابع من «المصلحة العراقية العامة».
وقال المتحدث باسم المكتب سعد الحديثي «إن موقف العراق تجاه هذه العقوبات لم يكن ارتجاليا أو متسرعا، بل خضع لدراسة وحسابات تخص مصلحة العراق والعراقيين، ولم يكن فيه أي تأثر بمواقف دول أخرى أو أحزاب سياسية معينة».
وأضاف أن «الحكومة العراقية لا يمكنها اتخاذ أي موقف يمكنه أن لا يتوافق مع مصالح الشعب العراقي، وبالتالي الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران جاء من هذه المصلحة».
«قضى على نفسه»
«القدس العربي»، علمت من مصدر سياسي مطلع على سير المفاوضات بين الكتل السياسية لتشكيل الكتلة الأكبر، بأن العبادي «قضى على نفسه بموقفه الأخير من العقوبات الأمريكية على إيران، وأبعد نفسه عن التنافس على منصب رئيس الوزراء حتى في داخل كتلته التي تعاني من انشقاقات».
وأضاف المصدر، الذي اشترط عدم الكشف عن اسمه، إن «وزير الدفاع السابق خالد العبيدي انشق عن تحالف النصر، وكذلك الحال بالنسبة لمستشار الأمن الوطني فالح الفياض»، مشيراً إلى أن «تلك الانشقاقات جاءت قبل موقف العبادي من العقوبات الأمريكية على إيران، لكن حزب الفضيلة انشق عن النصر بعد موقف العبادي الأخير».
وتابع: «سنّة الأنبار خرجوا من النصر، ولم يتبق مع العبادي سوى 6 أشخاص فقط»، لافتاً إلى أن «الجزء الأكبر من النصر سيأتي مع دولة القانون».
خلاف عميق
وطبقاً للمصدر، المقرّب من المالكي، فإن «تصريحات العبادي الأخيرة عمّقت الخلافات داخل النصر».
وعن تصريحات وزير الدفاع السابق، خالد العبيدي بشأن التقارب بين «النصر» و«سائرون» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، إضافة إلى «الوطنية» وجزء من «الفتح»، أكد المصدر أن «هذه التصريحات لا أساس لها من الصحة»، مبيناً أن «دولة القانون معه الفتح والحزبان الكرديان (الديمقراطي والاتحاد الوطني) وجزء من النصر وجزء من سنة صلاح الدين والأنبار، سيكونون ضمن ائتلاف واحد، لكن محور الكتلة الأكبر سيتشكل من الفتح ودولة القانون».
وتابع «السنة الآن منقسمون إى نحو 6 مجاميع، وكل منها يريد منصب رئيس البرلمان»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «سائرون بقي لوحده، كون تيار الحكمة (بزعامة الحكيم) سيذهب مع الجهة التي توافق على منحه مناصب في الحكومة الجديدة، وفقا للاستحقاق الانتخابي».
وطبقاً للمصدر، فإن الكتل السياسية لم تطرح في اجتماعاتها موضوع المناصب في الحكومة الجديدة، لافتاً إلى أن «الحديث يدور عن الحاجة لكتلة سياسية كبيرة تدعم رئيس الوزراء أيا كان، وتشكل حكومة أغلبية سياسية، تعالج الموقف الحرج مع الشعب العراقي، ولا بد أن تكون الحكومة المقبلة منتخبة، لكنها ستكون في الوقت ذاته حكومة إنقاذ وطني (دستورية)، وعليها أن تنجز أعمال حقيقية للشعب خلال سنتها الأولى».
وزاد: «حكومة الإنقاذ التي نطرحها دستورية، وتختلف عن ما يطرحه إياد علاوي. نحن لا نعني عودة البعثية للحكم، بل نريد حكومة مهمتها إنقاذ الوطن».
وحسب المصدر فإن «الحديث عن منصب رئيس الوزراء المقبل لم يتم طرحه، لكن طرحت مواصفاته»، موضّحاً: «سننتظر تقديم ذلك رسميا من قبل الكتل المنضوية في الكتلة الأكبر، وعند ذلك يتم التصويت لصالح الأسماء المرشحة».
الأعرجي مرشح محتمل
ولم يستبعد المصدر أن يكون منصب رئيس الوزراء المقبل «من حصة كتلة بدر، المنضوية في تحالف الفتح، بكونها أثقل كتلة داخل التحالف الأكبر»، منوهاً إلى أنه «في حال لم يكسب العامري الأصوات الكافية فيمكنهم طرح أسم آخر، مثل وزير الداخلية قاسم الأعرجي.
كذلك، قال الوزير والنائب السابق الدكتور وائل عبد اللطيف لـ«القدس العربي»، إن «الحزبين الكرديين وحزب الحل والفتح ونصف النصر، هم أقرب إلى ائتلاف دولة القانون»، مبيناً إن «هناك فريقين يتنافسان على تشكيل الكتلة الأكبر، الأول يضم سائرون والثاني دولة القانون».
وأقرّ بـ«صعوبة ائتلاف سائرون ودولة القانون في تحالف واحد»، لافتاً في الوقت عيّنه إلى إن «خطبة المرجعية، أسقطت حق العبادي في الولاية الثانية». على حد قوله.
وأضاف: «المواصفات التي حددتها المرجعية لرئيس الوزراء لا تنطبق على العبادي»، مبيناً إن «أبرز مواصفات رئيس الوزراء هو أن يكون حازماً وشجاعاً وقادراً على اتخاذ القرار وضمان تنفيذه».
ورأى عبد اللطيف أن «الإصلاح في العراق يجب أن يكون من منصب رئيس الوزراء، الذي يجب أن يكون مهنيا ومستقلا وتكنوقراط»، موضحاً أن على رئيس الوزراء «اختيار كابينته، ويكون مسؤولاً عنها أمام مجلس النواب».
«خيبة جديدة»
في الأثناء، حذّر زعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي، من اللجوء إلى خيار «الأغلبية السياسية»، التي ينادي بها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي، معتبراً نتائج الفرزّ والعدّ «خيبة جديدة» للعملية السياسية.
وقال في بيان صادر عن مكتبه، «لم نُفاجأ مطلقاً بالنتائج التي أعلنها مجلس المفوضين المنتدب، ذلك لأنها كانت نتيجة طبيعية جداً لإفراغ قانون التعديل الثالث الذي أقره البرلمان والتوصيات التي خرج بها مجلس الوزراء، من محتواها، وهو ما تسبب بخيبة جديدة للعملية السياسية وتكريس للتزوير وانعدام النزاهة ومصادرة لإرادة الشعب العراقي الكريم».
وأضاف، أن «إعلان تلك النتائج أثار جملة تساؤلات أبرزها مصير تقرير اللجنة الوزارية الذي تحدث صراحة عن تزوير فاضح شهدته الانتخابات، وكيفية تفسير عزل عدد من مدراء المكاتب في مفوضية الانتخابات، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم بتهم ارتكاب مخالفات وتلاعب وفساد مالي لتكون النتائج فيما بعد متطابقة أو أقرب للتطابق».
وتابع: «لقد تبين لنا الأمر بشكل واضح وجلي منذ البداية، لذا كنا أول من دعا لإلغاء نتائج هذه الانتخابات بسبب المقاطعة الواسعة من قبل الناخب الكريم وما شابها من خروق واضحة لم تعد تخفى على ذي لُب، حتى أصبحت محط تندر وسخريةٍ لدى غالبية أبناء شعبنا».
وزاد: «بالرغم من ذلك كله، فأننا نهنئ الفائزين وندعوهم لأن يحققوا الاستقرار المنشود والوحدة الوطنية، والخروج من خندق الطائفية والمحاصصة البغيضة ومحاربة الفساد وبناء مؤسسات الدولة الناجزة وتقديم الخدمات وتحقيق الرفاهية ومعالجة المشاكل بين بغداد وأربيل وإعادة النازحين وتعويضهم والبدء بإعمار مناطقهم».
وختم علاوي البيان بالقول أن «ائتلاف في الوطنية يحذر من اللجوء إلى خيار الأغلبية السياسية، ويؤكد على مبدأ الشراكة والتوافق الملتزم وعلى اعتماد الفضاء الوطني خلال المرحلة المقبلة، كما يشدد الائتلاف على ضرورة مغادرة المحاصصة في تسمية الرئاسات وأعضاء الحكومة واتخاذ إجراءات حقيقية لإصلاح بنية العملية السياسية».
تفاهم جدّي
في المقابل، كشف رئيس ائتلاف «دولة القانون»، نوري المالكي، عن وجود تفاهم جدي مع الكثير من القوى الوطنية بهدف تشكيل الكتلة الأكبر. وقال مكتبه الإعلامي في بيان: «ترأس نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون اجتماعا ضم أعضاء الائتلاف والمرشحين الفائزين في الانتخابات التشريعية».
وأضاف: «تم خلال الاجتماع تدارس مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية، وما افرزته نتائج الانتخابات سيما بعد الانتهاء من عملية العد والفرز اليدوي».
وأكد المالكي، حسب البيان، أهمية «تكاتف الجهود من اجل التوصل إلى برنامج عمل وطني قادر على النهوض بأعباء المرحلة، والاستجابة إلى التحديات التي تواجه البلد».
وأشار إلى «وجود تفاهم جدي مع الكثير من القوى الوطنية بهدف بلورة المواقف تمهيدا للانتقال إلى الخطوات الدستورية الأخرى المتعلقة بتشكيل الكتلة الأكبر ضمن الفضاء الوطني الذي يضم جميع القوى الوطنية وعقد الجلسة الاولى لتسمية الرئاسات الثلاث».
ودعا، المجتمعين إلى «العمل الجاد والتمسك بالثوابت الوطنية والتواصل مع الجماهير وتقديم مقترحات القوانين التي تدعم حاجات العراقيين للخدمات»، مؤكدا أن «العراق وشعبه يستحقان العمل والتضحية من أجل التقدم والإزدهار».