عمان – «القدس العربي» من بسام البدارين: تبدو سلسلة أحداث مدينتي الفحيص والسلط الأردنيتين خلال الأيام الثلاثة الماضية أقرب إلى مواجهة مباشرة وواسعة النطاق هذه المرة مع النسخة المحلية من الخلايا التكفيرية المنتشرة أصلاً في بنية عدة مدن أكثر من كونها معركة مع إرهاب متسلل عبر الحدود او تم تصديره بقرارات مركزية من تنظيمات خارج الحدود مثل داعش وأخواتها.
بوضوح شديد وحتى بعد ظهر الأحد لم تتبن أي جهة في السياق الجهادي او السلفي او التكفيري او الداعشي العمليات التي بدأت في مدينة الفحيص الأردنية واستمرت في جارتها مدينة السلط. وبوضوح أشد تجنبت التعليقات الحكومية الرسمية أي اشارة لها علاقة بتسمية منظمات محددة مسؤولة عن الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة السلط الموصوفة أمنياً واجتماعياً باعتبارها من معاقل التيار التكفيري في المملكة. يؤشر ذلك على تقاطع مرعب في الحسابات الأمنية لأن السلطات المعنية كانت قد حذرت أصلاً من ردات فعل محتملة ومحاولات للمساس بالأمن الداخلي الأردني بعد عمليات الحسم العسكرية في جنوب سوريا والتي اعلن الجيش الأردني عملياً مشاركته بها عندما قصف كتيبة خالد بن الوليد الموالية لتنظيم داعش شمالي البلاد وفي منطقة حوض نهر اليرموك.
في كل حال وحتى اللحظة لم تقدم للرأي العام قرائن أو أدلة على وجود علاقة بين إعلان الحسم ضد كل فصائل المعارضة في الجنوب السوري وبين التداعيات الأمنية في مدينتي الفحيص والسلط الأردنيتين حيث الأولى مدينة مليئة بالسكان المسيحيين. وحيث الثانية من المدن التي توجه بعض أولادها من الجهاديين إلى سوريا والعراق في الماضي.
رسالة واضحة
الأحداث وفي التفاصيل بدت دراماتيكية عندما انفجرت عبوة ناسفة تحت سيارة لقوات الدرك تقف بالعادة في نقطة ثابتة لتأمين المحيط الخارجي لمهرجان ثقافي في مدينة الفحيص. انفجار تلك السيارة اودى بحياة الدركي الشاب الشهيد علي قوقزة واصاب ستة من زملائه في الحاجز الأمني. وتم الإعلان عن عبوة ناسفة إرهابية بعدما دخلت دائرة المخابرات العامة بصفتها الجهاز الأمني الأكثر كفاءة على التفاصيل. أخطر ما في عملية الفحيص النوعية إرهابياً انها تقصدت ولأول مرة نقطة أمنية وليس المهرجان المجاور الذي يعج بالمواطنين.
الرسالة من منفذي تفجير باص الدرك في الفحيص كانت واضحة وملغزة وتقول ضمنياً بأن الهدف هي القوات الأمنية في الدولة وليس الجمهور لأن خاصرة الجوار المدنية كانت رخوة. ولأن العبوة الناسفة أعدت بمهارة ثم زرعت باحتراف اسفل إطار سيارة تتبع الأمن وفي نقطة نفسها وقوفها كحاجز ثابت، الأمر الذي يعني بأن زارع العبوة تسلل إلى الموقع ووضع عبوته الناسفة خلال لحظة الاستلام والتسليم بين دوريتين.
هنا كان العنصر الأكثر إثارة الذي لفت نظر المختصين في دائرة المخابرات العامة حيث ادلة على جهد رقابي ومعلوماتي من المجموعة التي زرعت العبوة مما ساهم في تبديل الرواية وخلال ساعات من انفجار قنابل غاز بالخطأ في دورية للدرك إلى عملية إرهابية منسقة وعبوة ناسفة مزروعة حسب بيان وزارة الداخلية التي تقرر ان تعلن الأمر بحكم اهمية الحادث بدلاً من وزارة الاتصال او الناطق الرسمي مساء الجمعة الماضية.
فجأة وبعد ساعات وصباح السبت تحول مسار البوصلة الأمنية وأظهرت إدارة المخابرات قدرة كبيرة على تفكيك لغز العبوة الناسفة ووصلت معلومات الاستخبار إلى بناية في قرية مجاورة بمدينة السلط المعروفة بوجود تيار تكفيري وجهادي كبير فيها يفترض ان المسؤولين عن عملية الفحيص حولوها – أي البناية إلى بيت آمن لتخطيط عمليات لهم تشكلت فوراً قوة مهمات خاصة لمحاصرة تلك البناية واقتحامها.
… ومفاجأة
هنا حصلت المفاجأة الثانية التي تدلل على تخطيط عملياتي مسبق للخلية الأمنية فقد رفض المتواجدون في البناية الاستسلام وأطلقوا النار على القوة المداهمة وعندما اقتحم رجال الأمن تبين بان البناية عبارة عن كمين مفخخ مدروس بعناية واحتراف.
سقط في هذا التفخيخ بعدما فجر المحصنون في البناية المكان على انفسهم وعلى الموجودين ثلاثة من رجال الأمن بينهم قائد العملية في الوقت الذي كان فيه الأمير راشد بن الحسن قائد كتيبة المهمات الخاصة يشرف على توجيه العمليات.
ورغم تفخيخ البناية احتوت الأجهزة الأمنية الموقف وبسرعة وتم تأمين الجرحى والمصابين من المدنيين والأمن والسيطرة على البناية كاملة في الوقت الذي نفذت فيه مداهمات في عدة مواقع في مدينة السلط قبل الإعلان عن انتشال جثث ثلاثة ارهابيين والقبض على خمسة غيرهم واستشهاد اربعة من رجال الأمن وإصابة 20 مدنياً لينتهي الامر بالسيطرة على الموقف والموقع وباكتشاف كميات كبيرة من الأسلحة الاوتوماتيكية بين الحطام والركام.
هذه تفصيلات أساسية وسريعة لما حصل في الأردن من تطورات دراماتيكية خلال الأيام الثلاثة الماضية وبعد الانتهاء من الواجب الأمني الميداني يفترض ان تبدأ مرحلة التحقيق المفصل لوضع سيناريو كامل لمسار الاحداث
في الأثناء إشارتان هما الأهم الأولى بعد تفخيخ السيارة والمبنى لها علاقة بعقل مركزي إرهابي بدأ يخطط لاستهداف القوات الأمنية حصرياً وهذا عنصر جديد تماماً في الحالة الأردنية. والثانية لها علاقة بجاهزية متقدمة اظهرتها شعبة مكافحة الإرهاب وبقية الأجهزة الأمنية في التعاطي مع مسار الاحداث بشجاعة وجرأة في الاشتباك أولاً. وبعمل ميداني منسق ثانياً برزت فيه محاولات تلافي اخطاء الماضي واستخدمت فيه طائرات خاصة لتصوير الركام وولدت عبره عملية تنسيق منظمة لأول مرة تظهر القدرة على مباغتة من يخطط لعمليات في الأردن بالتوازي مع القدرة على احتواء تداعيات الاشتباك معه.