أمثلة غير مقبولة من اللاسامية

حجم الخط
0

قرار حزب العمال البريطاني، برئاسة جيرمي كوربن، رفْض جزء من الأمثلة التي ترافق تعريف مفهوم «اللاسامية» كما صاغها التحالف الدولي لتخليد الكارثة «آي.اتش.آر.ايه»، أثار ردودًا صاخبة. هذا التحالف هو التحالف الدولي المركزي في العالم اليوم الذي ينشغل بتخليد ذكرى الكارثة، والتعريف الذي صاغه هو نتيجة نقاش أجراه في أيار 2016 في بوخارست في رومانيا.
تعريف ظاهرة تاريخية مهمة هو دائمًا محلٌّ إشكالي. لهذا السبب يختلف مؤرخون ومفكرون حتى الآن بشأن تعريف مفهوم «اللاسامية». أحد أهم المؤرخين اليهود في العصر الحديث، البروفيسور دافيد انغل، من جامعة نيويورك، دعا في 2009 في عرض مشهور له إلى التوقف عن استخدام هذا المفهوم الذي يزيد الأمر غموضًا أكثر مما يوضحه، إذ ما هو الشيء المشترك بين نكتة غير لطيفة عن اليهود وتدمير شواهد القبور على أيدي مجموعة هامشية من النازيين الجدد في أوروبا وقانون ضد اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي وخطاب الكراهية للمهاجرين المسلمين وغرف الغاز في اوشفيتس؟ هذه ظواهر تختلف الواحدة عن الأخرى إلى درجة أن وضعها تحت سقف واحد للمفاهيم هو خطأ فكري. ولكن تعريف اللاسامية ليس مشكلة تاريخية للمفكرين فقط، بل هي تلك المشكلة السياسية التي أحيانًا، مثلما في حالة التعريف الذي أصدره التحالف، ضررها يكون أكثر من فائدتها.
التعريف الذي تبنته منظمات كثيرة وحكومات كنوع من المدونة الأخلاقية لمحاربة اللاسامية هو للأسف تعريف غير تاريخي، يبعد ظاهرة اللاسامية عن أي ملاحقة وإقصاء آخر. ويمتنع عن التطرق إلى اللاسامية وكراهية الأجانب والعنصرية المنتشرة في الأساس في أوساط اليمين القومي المتطرف. في المقابل، وما لا يقل إشكالية، هو أن التعريف يستخدم فعليًا كأداة أساسية في النضال ضد انتقاد التوجهات القومية المتطرفة والإخلال بحقوق الإنسان في إسرائيل.
ذلك الجزء من الأمثلة في التعريف، التي جزء منها لم توافق عليه وثيقة حزب العمال البريطاني، افتتح بالتطرق المباشر لانتقاد إسرائيل، ويظهر فيها اسمها تسع مرات. وفي المقابل فإن مفهوم العنصرية يظهر فيها مرة واحدة فقط. وحتى هذا يظهر في سياق الادعاء بأن التطرق لإسرائيل وكأنها مشروع عنصري، هو نوع من اللاسامية.
وبتبني هذا العنصر من التعريف تحظى إسرائيل بحصانة من الاتهام المعتاد من قبل كثيرين، كما «ولكن ليس فقط» لدول كولونيالية أخرى. هكذا يحدث أن الخطاب الذي هو مشروع ومعقول بالنسبة للولايات المتحدة وكندا وأستراليا، على سبيل المثال، محكوم بكونه لاسامية بالنسبة لإسرائيل ـ بهذا هو طابو.
بند آخر يسمح بانتقاد إسرائيل، لكن بإضافة التحفظ الذي يقول إن هذا الانتقاد هو شرعي طالما أنه «يشبه الانتقاد الموجه لكل دولة أخرى». الوثيقة تخلق بهذا تحريفًا وكأن هناك مستوى ثابتًا للانتقاد في المجال العام والدولة، الذي يتجاوزه اللاساميون فقط. هل الانتقاد العام ضد جنوب أفريقيا في عهد الأبرتهايد… إيران منذ الثورة الإسلامية… الاتحاد السوفييتي في عهد الحرب الباردة (مملكة الشر)… الولايات المتحدة في زمن حرب فيتنام وفي عهد ترامب… كوريا الشمالية منذ بدأت في تطوير السلاح النووي… وفرنسا في عهد حرب استقلال الجزائر… وهكذا دواليك، أخذت في الحسبان عند صياغة التعريف؟ فانتقاد إسرائيل إذن ليس أخطر من الانتقادات التي أسمعت أو تسمع ضد هذه الدول.
الواضح هو أن التعريف يعمل على تطبيع احتلال إسرائيل، وأن يحوله إلى مشكلة معقولة، والتي لا يجب أن يكون انتقادها «متطرفًا جدا»، بل بالعكس، فالتعريف عمليًا يحول الانتقاد الشرعي لدول أخرى إلى أمر محظور بالنسبة لإسرائيل. ولأن انتقاد إسرائيل يمكن أن يعتبر لاسامية، فإن التعريف يخلق حالة مخففة تختفي من كل خطاب سياسي انتقادي آخر وتعطي إسرائيل امتيازًا في كل ما يتعلق بقمع حقوق الإنسان والمواطن، لا يمنح لدول أخرى في الساحة الدولية.
كما أشار باحث في العلوم السياسية، نيف غوردون، في نقاشه لتعريف التحالف المذكور أعلاه، فإن التأكيد الشديد على إسرائيل في الأمثلة المرافقة للتعريف يخلق وضعًا يبرز أن محاربة اللاسامية اليوم دفاع عن الدولة القومية. في حالتنا هذه، ومن خلال تصنيف انتقاد معين لإسرائيل على أنها «لاسامية»، فإن محاربة اللاسامية في نهاية القرن التاسع عشر وحتى إقامة إسرائيل تركزت على الدفاع عن مجموعة تم التمييز ضدها واضطهدتها دول قومية، والمجموعة الأضعف في حالة إسرائيل هي الفلسطينيون، لا سيما الذين يعيشون تحت الاحتلال وبدون حقوق سياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس. تعريف اللاسامية للتحالف تساعد إذًا في التقليل وحتى إنكار العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، الحديث يدور بناء على ذلك بعكس ساخر لأحد دروس الكارثة ـ القبول والدفاع عن «الآخر»، أي الأقلية الضعيفة التي تضطهدها الدولة.
هذا الانقلاب لبس مؤخرًا وجه مسرحية لامعقول، عندما حولت حكومة هنغاريا الملياردير اليهودي الناجي من الكارثة، جورج سورس، إلى بؤرة للهجوم السياسي، الذي في مركزه تشبيهات تناسب تعريف اللاسامية للتحالف، التي اختارتها هنغاريا. سورس ينتقد في السنوات الأخيرة السياسة القومية المتطرفة وغير الديمقراطية في هنغاريا ودول أخرى، من خلال تأييده لمنظمات تعمل ضد هذه التوجهات. في صيف 2017 نشر الحزب الحاكم في هنغاريا مئات المنشورات التي دعت الجمهور إلى «عدم السماح لسورس بالضحك أخيرًا»، من خلال استخدام تشبيه لاسامي كلاسيكي عن القوة الدولية التي يملكها اليهود في أيديهم كما يبدو.
ليس غريبًا، بناء على ذلك، أن ثمة من أضافوا إلى المنشورات نصًا لاساميًا مفصلًا مثل «يهودي قذر». تظهر نتائج الانتخابات الأخيرة في هنغاريا في نيسان 2018 التي فاز فيها حزب اوربان بشكل ساحق، أن الكثير من الهنغاريين يردون بصورة إيجابية على دعاية سياسية لاسامية. مع ذلك، تواصل هنغاريا كونها عضوًا في التحالف، محاربة اللاسامية، ولكنها تعطي الشرعية لحكومة تعمل بصورة لاسامية حسب تعريفها هي نفسها. لقد أحسن حزب العمال صنعًا عندما رفض جزءًا من أمثلة تعريف التحالف. يبدو مع ذلك أنه لا حاجة إلى أن يكون هناك مكان في الخطاب العام لتعريف «اللاسامية» التي هدفها كما يبدو الدفاع عن إسرائيل من أي انتقاد شرعي أكثر من الدفاع عن اليهود في أرجاء العالم.

هآرتس 13/8/2018

أمثلة غير مقبولة من اللاسامية
لقد أحسن حزب العمال البريطاني صنعا عندما رفض جزءا من أمثلة تعريفها
راز سيغل وعاموس غولدبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية