غطاء الرأس الأحمر لسعاد عبد الرحيم أخفى شعرها، لكنه لم يخف أيديولوجيتها. عبد الرحيم هي المرأة الأولى التي انتخبت لرئاسة بلدية تونس، وحدث هذا في بداية شهر تموز. وهي أيضًا ممثلة حزب النهضة الإسلامي، وتمثل الاستراتيجية الجديدة لهذا الحزب الذي يعدّ حفيدًا لحركة الأخوان المسلمين.
قبيل الانتخابات في السنة القادمة، ينوي الحزب بناء شخصية جديدة له كحزب إسلامي ديمقراطي تتلاءم أيديولوجيته مع الجو الديمقراطي الذي يهب بقوة في الدولة منذ أن بشرت تونس بالربيع العربي في 2011. عبد الرحيم التي مهدت لنفسها الطريق للفوز بمساعدة الشبكات الاجتماعية، كانت تستطيع حقًا التنافس كمستقلة، وأن تفوز أيضًا، لكنها فضلت الاستجابة لطلب الحزب الديني، وبهذا أن تتحول إلى رمز وليس رئيسة بلدية.
يناسب تونس المزدهرة أن تقف امرأة على رأسها. أبناء المدينة والدولة، من اليسار واليمين، ومتدينون وعلمانيون، قاموا بتهنئتها بعد أن التقطت صورة وهي تساعد عمال النظافة في تنظيف الأرصفة في المدينة. ولكن هذه التهنئات توقفت بعد وقت قصير لأنهم الآن، في اليسار، أصبحوا يخافون من انتخاب عبد الرحيم، التي ـ وفي ظروف عادية ـ كان يجب أن تحظى بتأييد ليبراليين يساريين، لأنها يمكن أن تسلب منهم أصواتًا كثيرة في الانتخابات العامة التي يتوقع اجراؤها في السنة القادمة.
ليس هذا هو التناقض الوحيد في موقف اليسار في تونس، الذي يمكنه أن يعقد تحالف توأمة مع اليسار في إسرائيل. قبل حوالي شهر نشر تقرير لجنة حماية حقوق الإنسان والمساواة التي عينها الرئيس الباجي قايد السبسي، ومضمون هذا التقرير حظي بترحيب منظمات حقوق إنسان في تونس والعالم كله. هو يقترح من بين ما يقترحه مساواة كاملة في حقوق النساء والرجال، وإلغاء عقوبة الإعدام، وشطب علاقات المثليين من كتاب المخالفات، ومنح مكانة وحقوق للأطفال الذين ولدوا خارج العلاقة الزوجية، وحتى شطب المفاهيم الدينية مثل الشريعة أو المهر ويُستبدل بها «تعبيرات حديثة تتناسب مع تطلع تونس لأن تكون دولة مدنية حديثة».
الحديث يدور عن تقرير مهم جدًا، لأنه إذا تم تبنيه فإن من شأن ذلك أن يؤسس لغة قانونية جديدة، ويقلل من التأثير الرسمي وغير الرسمي للدين في تشكيل الهوية التونسية. التقرير لا يقترح حتى الآن فصلًا كاملًا بين الدين والدولة، لكن توجهه واضح. هذا بدون شك استعداد لثورة قانونية ووطنية، التي إذا تحققت ستحول الدين إلى جزء من هوية كل شخص يريد ذلك، ولكن سيمنع عنه أن يكون جزءًا من هوية الدولة.
لا توجد حركة أو حزب في تونس لا يفهم المغزى الكبير للتقرير، الذي تعهد الرئيس بأن يعرضه على البرلمان من أجل تحويل بنوده إلى قوانين. كما لا يوجد شك بفي أن التقرير أثار اختلافًا كبيرًا وانتقادًا شديدًا، شخصيًا وسياسيًا، ضد رئيسة اللجنة عضوة البرلمان بشرى بلحاج حميدا. حميدا التي لقبت بـ «الخائنة» و«الكافرة»، رفضت طلب المنتقدين إجراء استفتاء شعبي على التقرير قبل عرضه على البرلمان. بلغة حادة أغضبت حتى مؤيديها وقالت إن «الشعب التونسي لم يصل حتى الآن إلى درجة الوعي المطلوبة من أجل استخدام الاستفتاء الشعبي كوسيلة للانتخاب الديمقراطي».
حميدا لم يكن في نيتها إهانة مستوى وعي الشعب التونسي، لكنها ببساطة تعرف أن استفتاء كهذا ـ يمكن أن تشتري فيه قوى شعبوية ودينية وتقليدية الأصوات تحت التهديد وليّ الذراع ـ أن يدفن التقرير حتى قبل عرضه على البرلمان. مؤيدوها يذكرون أن العبودية في الولايات المتحدة لم تكن لتنتهي لو أن إلغاءها عرض لاستفتاء شعبي. ولبقيت النساء حبيسات بيوتهن لو أن قوانين المساواة كانت بحاجة إلى الحصول على مصادقة الجمهور.
إلا أن التقرير ومبادئه ليست محل اختبار للقيم والهوية. تأييده أو معارضته هي مسائل سياسية تضع اليسار أمام معضلة صعبة. إذا كانت أحزاب اليسار ستؤيد التقرير بصورة حاسمة، حينئذ يمكن أن تدفع ثمنًا كبيرًا في الانتخابات، لكن إذا عارضته فستتلقى لكمة من جمهور مؤيديها التقليديين. وسائل الإعلام التونسية مليئة في الآونة الأخيرة بالمقالات التي تتساءل لماذا لا يسمع صوت اليسار، وأين اختفت المبادئ التي يتفاخر بها قادته.
هذا الانتقاد يذكر بالانتقاد الذي يتعرض له المعسكر الصهيوني، ويوجد مستقبلًا بسبب غياب عمود فقري أيديولوجي. إن تلعثم زعماء اليسار في تونس الذين عرفوا سابقًا كيفية إحداث تغييرات قانونية، يوضح جيدًا ضائقتهم. عدد منهم يحاول الإثبات بأنهم يؤيدون للمساواة في الحقوق، وآخرون يشيرون إلى أنه يجب الأخذ بالاعتبار طابع الدولة وعدم خلق مواجهة مع الجمهور المتدين والتقليدي، لكن يصعب أن تجد زعيمًا يساريًا بارزًا يجيب بصورة قاطعة عن إذا ما كان هو يؤيد التقرير؟! لأن الحزب الديني الأكبر والتيارات الراديكالية تعتبر التقرير إعلان حرب أهلية ومسًا بالدين والإيمان، أي مسًا بالقومية، فاليسار والوسط في تونس يدخلان السجن نفسه الذي سجن اليسار والوسط في إسرائيل.
هآرتس 13/8/2018