خاض في بحور النثر كلها وأخلص للقصة القصيرة وهموم الناس
الأعمال الكاملة للأديب الأردني فخري قعوار:خاض في بحور النثر كلها وأخلص للقصة القصيرة وهموم الناسعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: بالتعاون بين البنك الأهلي الأردني ودار ورد للنشر والتوزيع في عمان صدرت الأعمال الأدبية الكاملة للقاص فخري قعوار، وهي تعكس حصيلة تجربته الإبداعية خلال ما يقارب من 35 عاما، وقد جاءت في مجلد يضم 580 صفحة، وكتب مقدمة تحليلية نقدية لها الناقد والأكاديمي د. نبيل حداد أستاذ النثر العربي الحديث في جامعة اليرموك، كما كتب فخري ملامح من تجربته كان قد ضمها في كتابه ليالي الأنس وهي أيضا محاضرة قدمها في الجامعة الأردنية 1989، ولعله من الضروري الإشارة هنا إلي أن قعوار يعد من أبرز القصاصين الأردنيين والعرب، وقد بدأت ملامح تجربته تتشكل خلال نهاية الستينيات وظهرت بقوة بداية السبعينيات، وقد أخلص للقصة القصيرة وتميز بها واختار الواقعية الاشتراكية كملمح أسلوبي بارز في سرده اضافة إلي أساليب أخري تناولها النقاد بالتحليل والإضاءة، كما كتب المقالة الصحافية، وما يزال في الصحافة الأردنية، وهو اليوم أحد أعمدة الرأي اليومية، إضافة إلي انشغاله لفترة غير قليلة بالجانب الثقافي الإداري إذ ترأس رابطة الكتاب الأردنيين لدورات عديدة، كما ترأس اتحاد الكتاب والأدباء العرب لدورتين، وكان عضوا في البرلمان الأردني، وقعوار معروف في دفاعه عن القضايا الوطنية والقومية، ويخصص جل مقالاته لمناقشة الشأن المحلي أيضا، كما أنه نشيط في المجال النقابي الثقافي.أما إصداراته فقد تجاوزت العشرين كتابا في القصة القصيرة والمقالات السياسية وقصص الأطفال والترجمات وهي: ثلاثة أصوات مجموعة قصصية مشتركة 1972، لماذا بكت سوزي كثيرا؟ 1973 ـ قصص، ممنوع لعب الشطرنج قصص 1976، السلحفاة والأطفال مجموعة قصص مترجمة 1979، من الفراشة الملونة إلي الطيور المهاجرة قصص للأطفال 1980، أنا البطريرك قصص 1981، البرميل قصص 1982، يوميات فرحان فرح سعيد 1982، وطن العصافير مسرحية من فصل واحد 1983، أوراق في الفن مقالات 1985، أيوب الفلسطيني قصص 1989، ليالي الأنس في تجربة الكاتب القصصية 1990، حديث مع أميمة في أدب الأطفال الشعبي الأردني 1991، حلم حارس ليلي قصص 1993، مراسيم جنازتي مجموعة كتابات ساخرة 1994، رجل وامرأة قصص مترجمة 1996، درب الحبيب قصص 1996، عنبر الطرشان رواية 1996، شجرة الورد حكايات من قلب عمان 1997، لحن الرجوع الأخير كتابات ساخرة 1998، الأعمال القصصية مجلد 2003، الديك والدجاجة مقالات حول المرأة 2005، بستان صاحبة الجلالة مقالات ومحاضرات ـ 2006د. حداد: السخرية ملمح أساسيفي مقدمته التحليلية المطولة أشار الناقد والأكاديمي د.نبيل حداد إلي خصوصية أسلوب فخري وجماهيرية أدبه ولغته وانشغالاته المتنوعة بين القصة والمقالة والكتابة للأطفال وهنا بعض المقتطفات من هذه المقدمة: خاض فخري كما هو معروف في بحور النثر كلها، ولكن مرفأه الأثير ظل القصة القصيرة، ولعل هذا يسمح لنا بالتحرك نحو فن خاص ( ملحق) بهذا اللون الإبداعي، إنه أدب الأطفال، حكاية ومسرحية، ليس ثمة ضرورة في هذا الموضوع لتقديم رأي نقدي أو تقديم موضوعي لهذا الجانب الإبداعي عند أديبنا، بل تكفي الإشارة إلي أن هذا الخوض بل النزول إلي عالم الطفل ببصمات واضحة من مثل وطن العصافير و السلحفاة والأطفال و من الفراشة الملونة إلي الطيور المهاجرة ينطوي علي مؤشر مهم وسم مسيرة فخري وهو شمولية النتاج، ولا نزعم أن هذا انجاز في ذاته إلا إذا أخذنا في الاعتبار اكمال العمل، أي عمل لعناصره الفنية سواء كان مقدما للصغار أو الكبار، للنخبة أو الجميع، وما قدمه فخري قعوار في هذا الحقل يعد علامة مضيئة في مسيرة أدب الأطفال في الأردن.تتحلي جماهيرية أدب فخري في لغة ما يكتب. إنها لغة الشعب ولئن مالت لغته نحو الأداء المحكي في العديد من التراكيب والتعبيرات والمفردات فإن الأمر لم يصل إلا في القليل النادر إلي درجة العامية الصرفة، مع أنني من أولئك الذين لا يرون غضاضة في استعمال العامية في الحوار ما دام الناس يتحدثون بها، وما دام الناس يتحدثون بها، وما دامت العامية في الحوار أقدر من التركيب الرسمي في اللغة علي استحضار الأداء النفسي للمتحدث، بيد أن المسألة تأخذ في الدارج والمحكي عند فخري أبعادا أخري، ترتبط بتنوع نتاجه وتنقله بين العديد من الأشكال النثرية، كما ترتبط بطبيعة نشاطه العملي الذي لا ينفصل عن نشاطه الكتابي، وكذلك بطبيعة موقفه الفكري الذي يصدر عنه في عمله وكتاباته ـ لا فرق ـ أعني كونه وأدبه صاحب موقف وحامل رسالة، ولعل هذه الأبعاد تتجلي بأنصع صورها في أدب صاحبنا في كتابه أو روايته عنبر الطرشان ، وهل نغامر كثيرا إذا عددنا عنبر الطرشان لونا من مقامات أيامنا استمد أطيافه من ألوان الواقع الأسري والإداري والسياسي والاقتصادي في نهايات القرن العشرين ؟عنوان رئيسي آخر لأديبنا: إنه كاتب مقالة من طراز خاص بل قل إنه كاتب الشأن المحلي الأول في الصحافة الأردنية علي مدار ثلاثين عاما وبامتياز، ويا لها من إمكانات خلاقةتلك التي يلج بها فخري للشأن المحلي وتتدعم مع الأيام.ما أجمل أن يستند صاحب القلم الصحافي الي رؤية الأديب وينهل من معينها ويتكأ علي أدواتها. خاضت مقالة فخري قعوار في كل الموضوعات التي تتصل بحياة الناس، لكن فخري لم يعن نفسه كثيرا بكتابة المقالة الأدبية الإنشائية التي تستهدف نقل تجربة شعورية خاصة لدي كاتبها ولا ترتبط بالضرورة بوجهة نظر محددة حول شأن من شؤون المجتمع، وهذا أمر طبيعي بمعطيات المرحلة التي نعيش، فلقد ولت أيام المقالة الأدبية التي كتبها المازني أو مي زيادة وهذا يعني عند المقالي المحترف المعاصر ربط الموضوع بالشأن الجاري إذ لم يعد يهم القاريء المعاصر طويلا تأملات كاتب المقالة وهو ينظر إلي أطلال البتراء ثم يروح يحدثنا عن العظة والدرس من الأيام الغاربة، بل ما يهم قاريء اليوم حركة السياحة إلي البتراء ومردودها علي اقتصاده الوطني. تكمن قدرة فخري في المعالجة المقالية في رؤيته الأدبية وهي رؤية إنسانية علي الدوام قادرة علي الارتقاء بالحالة إلي مستوي الظاهرة، وبالمسألة إلي مستوي القضية. لا يعني التخيل عند المقالي الجيد بل والأديب بصورة عامة الرجم بالغيب أو التوهم فالخيال شيء والوهم شيء آخر. إن الخيال طاقة إبداعية خلاقة قادرة علي إيجاد العلاقة بين عناصرلا يجمع بينها سوي إبداع الكاتب، ودون ذلك لا رابط بينها، وإلا كيف يري الفتي القروي عمان وهي تشيخ ؟ وكيف يكتشف التجاعيد التي تملأ وجهها ؟وكيف يعاين الأسي المطل من عينيها ؟ ألا يحتاج هذا إلي طاقة تخييلية تجعل من الوهم حقيقة بأداة الخيال حين ندرك الدلالة الواقعية لأحد وجوه عمان ؟ولطالما تحدث العديد من الكتاب والنقاد حول النزوع إلي السخرية في أسلوب فخري بحيث عدها كثيرون في مستوي الظاهرة في جميع كتاباته الفنية والمقالية والسخرية وليست وصفا لموقف بقصد التظرف والفكاهة بل إنها بنية تقوم علي شكل من أشكال المفارقة الفنية، ومرة أخري نجدنا نتحدث عن الأدبية في الكتابة الوظيفية .إن الخطاب المقالي لقعوار القائم علي وعي إنساني واجتماعي يقوم بعمليةارتياد جمالي لمناطق في الوجدان لا يقوي علي اقتيادنا إليها التعبير المباشر أو الأسلوب التقريري الذي لم يكن له حضور قوي في كل ما قدمه قعوار من نتاج فني، وفي معظم ما كتبه من نتاج مقالي، وتبقي السخرية فيما يكتب فخري طاقة حيوية تجعل النص قابلا لأن يقرأ كله مما يهييء لرسالة النص فرصة أفضل للوصول إلي هدفها وإحداث تأثيرها.ولئن كانت السخرية ظاهرة مشتركة في كل ما يكتب فخري فإن ثمة ظاهرة أخري في كتاباته تستحق وقفة أطول مما سلف، وهي قابلية انفتاح نتاجه بين الأشكال الفنية المتعددة.إن عنبر الطرشان جهد ينتمي إلي القصة بمفهومها العام الذي يشمل الرواية، لكن هذا الجهد ينفتح بالعديد من أبوابه نحو المقالة سواء كان من باب المضمون الاجتماعي أم من حيث صيغة الخطاب التي تولي اهتمامها بالمتلقين وتضع كل فئاتهم في حسابها، و العنبر ينفتح بشكل ما علي القصة القصيرة من خلال تلك المواقف الدائرية التي يمكن أن يحمل كل رقم فيها إشكالية إنسانية قائمة بذاتها. أما شجرة الورد فإنه جهد يحمل بصمات القصة القصيرة في العديد من أقسامه، ولا بأس في أن نقلب المعادلة فنقول: المقالة القصصية، وهو اللون الذي بشر به عبدالعزيز البشري قبل نحو مائة عام إلي أن أخذ ناصية القول فيه عبقري المقالة العربية في العصر الحديث إبراهيم المازني، وتحضر في هذا السياق مقالة فخري عمان… حلم الفتي القروي . إنها مقالة تستكمل كل شروط النوع، وهي قصة تكاد تستكمل كل شروط النوع كذلك. إنها باختصارعمل فريد في المستوي المحلي علي الأقل في القصة والمقالة القصة، وهي بكلمة موجزة تستحضر ظاهرة التماهي بين القصصي والمقالي في العديد من أعمال فخري، وهي المعادلة الأشد بروزا والأشد تعبيرا عن معظم ما كتبه فخري خارج إطارالقصة القصيرة الخالصة. نزوع إلي الدراما في المقالة ونزوع إلي واقعية المقالة وإشكالياتها الاجتماعية والإنسانية في العديد من الأعمال القصصية.قراءة ما يكتبه فخري قعوار في إطار أي شكل نثري تجربة ممتعة لأنه يحرص ببساطة من خلال الوعي الفني التلقائي، ولا نقول القصد المتعمد علي توفير العنصر الذي طالما تسبب غيابه بفجوة كبيرة بين العديد من الأدباء والكتاب وقرائهم: إنه عنصر التشويق، ولعل السخرية مكون مهم في هذا العنصر أضف إلي ذلك قدرة صاحبنا في المماطلة السردية التي نقلها بحرفية عالية من الخطاب القصصي إلي الخطاب المقالي.قعوار: ليالي الأنس في القاهرة يروي فخري قعوار بالكثير من التفصيل ملامح من تجربته الحياتية والإبداعية في كتابه ليالي الأنس الصادر عن أمانة عمان 1990 ويتذكر من خلالها طفولته وصعوبات الحياة في مدينة المفرق مسقط رأسه، وبدايات تفتح موهبته، ومقاله الأول، وروايته الأولي ودراسته وكتبه، ومما جاء في هذه الذكريات:في أواخر عام 1964 أنهيت الدراسة الثانوية، وذهبت إلي القاهرة للدراسة في الجامعة، كنت أريد الحصول علي مقعد في كلية الآداب لدراسة اللغة العربية وآدابها فلم أفز بما أردت، وحصلت علي مقعد في كلية الحقوق بجامعة عين شمس. لم أذهب إلي الجامعة سوي بضع مرات، ولم أدرس مثل سائر الطلبة وقدمت الامتحان النهائي للسنة الأولي فكانت النتيجة أنني لم أنجح وكنت أعرف أنني لن أفلح في دراسة لا أرغب فيها، ومع ذلك لم أفكر جديا بالعودة إلي الأردن بسبب إغراءات الحياة في القاهرة التي لم تكن لدي طاقة لمقاومتها وعلي رأس هذه الإغراءات الأجواء الثقافية الرحبة، خاصة أن هذه الأجواء كانت في عصرها الذهبي في أواسط الستينيات: مسرح، سينما، ندوات، محاضرات، لقاءات أدبية وفنية في المقاهي الشعبية، موالد، مغامرات عاطفية ودراسية، جولات متصلة عند سورالأزبكية الشهير بمعروضاته من الكتب الرخيصة المستعملة، واستكشاف عوالم نجيب محفوظ في سيدنا الحسين والسيدةزينب والغورية، وباب اللوق، وخان الخليلي، والعتبة، والدرب الأحمر وغيرها، وقد أمضيت عامين في القاهرة راسلت خلالها صحيفة عمان المساء الأسبوعيةومجلة الأفق الجديد.كانت الحياة في مصر رحلة غنية أضافت إلي معرفتي وثقافتي الكثير وساعد في تعميق ذلك العمل في التدريس والمشاركة الفعلية مع المقاومة الفلسطينية قبل عام 1970، فقد عملت في عام 1967 مدرسا للغة العربية في مدرسة الروم الكاثوليك للبنين في الزرقاء وعملت في المدرسة الوطنية الأرثوذوكسية، وكذلك في الكلية الوطنية البطريركية التابعة لطائفة اللاتين في المصدار بعمان، ولقد استمر عملي في التدريس حتي عام 1980 عندما تفرغت للعمل في الصحافة. أما بشأن تعريفه للقصة فيقول قعوار: قد تكون القصة القصيرة من أصعب الفنون الأدبية وأكثرها تمردا وخروجا علي اي تعريف من الممكن أن نضعه لها، فنحن نعرف الشعر أو بالأصح كنا نعرفه بأنه ذلك الكلام الجميل الموزون المقفي الذي يخدم فكرة اجتماعية وكان أجدادنا الجاهليون يعرفون الشعر بأنه الكلام الموزون المقفي دون أن يشترطوا خدمة فكرة اجتماعية…، فلو بدأنا بمحاولة لتحديد القصة القصيرة أو عدد كلماتها لوجدنا قصصا قصيرة يبلغ طولها عشرات الصفحات، ولوجدنا أيضا قصصا قصيرة لا يزيد عدد كلماتها علي خمسين كلمة، ونحن نستطيع أن نجد نماذج كثيرة جدا علي القصة القصيرة ذات الصفحات العديدة في أدب ارنست همنغواي ومكسيم غوركي ويوسف ادريس كما اننا نستطيع أن نجد نماذج كثيرة للقصة القصيرة جدا عند أنطون تشيخوف ويوسف الشاروني، وهذا التفاوت في المساحة موجود في الأدب المحلي أيضا…. للكاتب ثلاث أدوات رئيسية كي يكتب قصة قصيرة فهو يحتاج إلي الموهبة أولا وهو يحتاج إلي الثقافة ثانيا وهو يحتاج إلي التمكن من وسيلة التعبير ثالثا فالموهبة شرط ضروري وأساسي للكاتب إلا انها لا تعني شيئا بدون الثقافة، والثقافة هنا تعني التعرف علي التراث الأدبي العربي والاطلاع علي تراث العالم الأدبي والفكري والالمام بتطور حركة المجتمعات البشرية وسير حركة التاريخ من خلال الاطلاع الدائم الممكن علي نتاج الفكر الإنساني في مختلف الحقول والمجالات يزاد علي هذا متابعة تطور الفن القصصي نفسه قديمه وحديثه علي الصعيدين العربي والاسلامي وعلي الصعيد العالمي، أقول لا بد للكاتب من الثقافة لأن حصيلة ثقافته هي التي تؤهله لأن يكون ضمير شعبه. ألا نقول بعد هذا كله أن المبدعين والمفكرين هم القادرون علي قيادة المجتمع وتوجيهه وجهة تساير ركب التطور والتقدم في العالم؟.0