الأحداث الأمنية التي شهدتها الأردن خلال الأيام القليلة الماضية تؤكد على أن خطر التطرف والإرهاب لا يزال ماثلاً في كل المنطقة، وأن ما تم تحقيقه في سوريا والعراق لا يعني مطلقاً أن تنظيم «داعش» قد انتهى، أو أن أيديولوجيات العنف قد هُزمت، وإنما لا يزال الخطر قائماً، والمشكلة أكثر تعقيداً من أن يتم اختصارها بمعركة الموصل، أو بعض التجمعات التابعة لتنظيم «داعش».
لم يثبت حتى الآن – في طبيعة الحال- إن كانت الخلية التي اشتبكت مع القوات الأردنية في مدينة السلط تتبع تنظيم «داعش» أم لا، كما لم تعلن السلطات عن أي شكوك أو معلومات حول ما إذا كان لهذه الخلية أي ارتباطات بالخارج، وما إذا كان هؤلاء العناصر عائدون من سوريا أو العراق مثلاً، أو تلقوا تدريباً في مكان ما، لكن ثمة أمرين مؤكدين:
الأول: إن الخلية استهدفت قوات الأمن الأردنية بعبوة ناسفة في بلدة الفحيص أولاً، وهو ما يعني أن عناصرها يتبنون أفكار التكفير والتطرف الديني، التي تصل إلى حد استباحة دماء رجال الأمن، وهنا يدور الحديث عن أيديولوجيا التكفير نفسها التي لدى «داعش» والتي تقوم على اعتبار أن قطاعا واسعا من المسلمين (سُنة وشيعة) في حكم الكفار، بل ترى وجوب قتالهم قبل غيرهم.
الثاني: إن لدى هذه الخلية قدرات لا تتوافر داخل الأردن في الوضع الطبيعي، فهم زرعوا عبوة ناسفة (وإن كانت يدوية وبدائية الصنع) أسفل سيارة للشرطة، ما يعني أن لديهم القدرة على صناعة المتفجرات، وهو أمر غير معهود في الأردن، وفي اليوم التالي اشتبكوا مع قوات الأمن فأسقطوا أربعة قتلى في صفوفهم، ما يعني أن لديهم أيضاً قدرة على الاشتباك ومهارة قتالية نادرة وغير معهودة.
هذه المعطيات تُرجح فرضية أن تكون الخلية قد جاءت من خارج الأردن، سواء كانت عناصرها من الأردنيين أو من غيرهم، لكن هذا التدريب وهذه المواد وهذه المهارات تعني أن ثمة امتدادا خارجيا للحادث، وهذا ما يمكن أن يقود إلى الاستنتاج الأهم، وهو أن المنطقة أمام «جيل جديد من الإرهابيين» ومرحلة جديدة من العنف، وهذا بطبيعة الحال لا ينسحب على الأردن، وإنما على المنطقة برمتها.
التجربة السابقة تؤكد على أن دحر التنظيمات الإرهابية في منطقة جغرافية محددة لا يعني انتهاءها. ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي حوكم في الأردن عدد من الأشخاص ضمن قضية شهيرة أطلقوا عليها حينذاك اسم «تنظيم الأفغان الأردنيين»، كانت أجهزة الأمن حينها قد أحالت عدداً من الأشخاص إلى محكمة أمن الدولة بتهمة ضلوعهم في تفجيرات استهدفت دوراً للسينما.. تبين لاحقاً أن هؤلاء الأشخاص كانوا إسلاميين يحاربون في أفغانستان، وعادوا الى الأردن بعد خروج القوات السوفييتية من تلك البلاد، ورأوا في دور السينما منكراً تتوجب إزالته بالقوة.
وفي عام 2001 دخلت القوات الأمريكية إلى أفغانستان وأطاحت بتنظيم «القاعدة» وحركة طالبان، وظن العالم حينها أن التنظيم قد انتهى إلى غير رجعة، لكن شاباً أردنياً يُدعى أبو مصعب الزرقاوي كان قد وصل إلى العراق هارباً من هناك، واستغل الفوضى التي أعقبت عام 2003، حيث أقام معسكرات لاستقبال الهاربين من أفغانستان وأماكن أخرى، وكان أول من بدأ بفكرة «الدولة الإسلامية».. قُتل الزرقاوي لاحقاً بغارة أمريكية، لكن أتباعه تحولوا سريعاً إلى «داعش». كان الزرقاوي وأتباعه في حقيقة الأمر هم الجيل الجديد من التطرف والعنف، أو النسخة الجديدة من تنظيم «القاعدة».
هذه الحقائق تؤكد نتيجة مهمة، وهي أن المنطقة قد تكون مقبلة على جيل جديد من الإرهاب والتطرف والعنف، فانتهاء «القاعدة» في أفغانستان كان قد مهد لظهور الزرقاوي وأتباعه في العراق بعد سنوات قليلة، ومقتل الزرقاوي كان قد مهَّد لظهور أبو بكر البغدادي وأتباعه في الرقة والموصل.. ونهاية «داعش» اليوم لا تعني بالضرورة أن الارهاب قد انتهى، بل قد نكون أمام الجيل الثالث من الإرهاب والتطرف.
والخلاصة، أن لهذه الظاهرة أسبابا كثيرة، ومحاربتها قد تكون أيضاً بأشكال كثيرة، لكن المؤكد أن الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان أحد العوامل المهمة في هذه المواجهة، إضافة الى أنَّ تعزيز الإسلام المعتدل الذي يُشارك في السلطة والعمل العام هو أداة مهمة في مواجهة أفكار التطرف.
كاتب فلسطيني
محمد عايش