تقرير تحقيق سري حول قتل الأربعة أطفال الفلسطينيين من قبل الجيش الإسرائيلي على شاطئ غزة في 2014، الذي نشر جزء منه في الإنترنت والجزء الأساسي منه نشر أمس في صحيفة «هآرتس»، يثير تساؤلات كثيرة. يكشف التقرير أن الهجوم في عملية «الجرف الصامد» تم بواسطة طائرة بدون طيار وجاء نتيجة فشل استخباري.
لا خلاف على أن الأطفال الأربعة، إسماعيل بكر (9 سنوات)، وعاهد وزكريا بكر (10 سنوات)، ومحمد بكر (11 سنة)، لم يكونوا مشاركين في نشاطات حربية ضد إسرائيل. على خلفية ذلك لم يكن هناك مبرر لإطلاق النار عليهم مرتين بواسطة طائرة بدون طيار. وكان من المحظور قتلهم. كذلك يتبين من التقرير أن المشاركين في القرارات والعمليات التي أدت إلى قتل الأطفال أخطأوا الظن بأن الأمر يتعلق بنشطاء في حماس، إذ كان الأمر يتعلق بأطفال.
رغم الدلائل التي تثير على الأقل الشك في وجود إهمال، قرر النائب العام العسكري السابق، الجنرال (احتياط) داني عفروني، إغلاق الملف بدون اتخاذ خطوات قانونية أو انضباطية ضد المتورطين. هذا القرار بقي كما هو رغم توجه «عدالة» للمستشار القانوني للحكومة، الذي لم يتم الرد عليه. السؤال المركزي هو هل الخطأ الذي على أساسه عمل الجيش الإسرائيلي كان معقولًا أم لا؟ وبالإجابة عن هذا السؤال يمكن تحديد إذا ما كان قرار إطلاق قذيفة الهاون مبررًا أو خاطئًا وإذا ما جاء نتيجة الإهمال. في ظل غياب القدرة على الوصول إلى ملف التحقيق واستنتاجاته كاملة، لا يمكن تقدير صحة قرار إطلاق القذيفة، ولكن تثور أسئلة تحتاج إلى إجابات.
1 ـ هل كان التحقيق ناجعًا وشاملًا؟ مثلًا هل كانت هناك فرصة لجمع شهادات من المراسلين الذين شاهدوا الحادثة على الشاطئ؟ منظور خارجي، من خارج الجهاز، يمكنه أن يكون حاسمًا لفحص طبيعة المكان الذي شوهد فيه الأطفال وموضوع إطلاق النار نفسه.
2 ـ الجيش افترض أن المكان الذي شوهد فيه الأطفال استخدم في السابق من قبل كوماندو حماس البحري، كما أن سلاحًا كان خزن فيه. قبل يوم من حادثة إطلاق النار تم قصف الموقع، ألم ينقض الأمر بعد القصف، ومن ثم إعادة تقدير طبيعة المكان وهوية الموجودين فيه؟ بعد أن تم قصف المبنى الموجود في المكان لم يُسمع صوت انفجارات هناك، لذلك ما يتيح مجالًا للشك بالاستنتاج السابق بأنه استخدم كمخزن للسلاح! وحسب الشهادات، فقد نشأ بعد القصف وضع جديد: لم يتم وضع حراس على مدخل المنشأة، فالجدار الذي كان يحيط بها ربما كان دُمّر، وكان واضحًا لحماس أن إسرائيل تستهدف المكان. بعد كل ذلك يتضح أن إعادة تقييم كانت ستظهر احتمالًا معقولًا بأن من شخصهم الجيش الإسرائيلي في يوم إطلاق النار ليسوا نشطاء في حماس، بل هم مدنيون (ليس بالضبط أطفال). إذا كان هذا الاحتمال قد ظهر، أليس في ذلك تقصير وإهمال؟ حسب مادة الشهادات، فهل طرح سؤال إذا ما كانت المنشأة مفتوحة أمام نشطاء حماس فقط أم مفتوحة أيضًا أمام المدنيين، وهل عرض هذا السؤال على الاستخبارات في الوقت الحقيقي؟ واضح لي ما هو مصير هذا السؤال. إذا لم يتم رفض هذا الاحتمال فقد كان من الصواب فحص مسؤولية الجنود المتورطين في عملية القتل.
3 ـ بعد إطلاق النار الأول فإن مشغلي الطائرة بدون طيار التي نفذت إطلاق النار طلبوا توضيحًا بخصوص حدود المنشأة. ولكن بعد نصف دقيقة من ذلك، وقبل الرد على السؤال، تم تنفيذ إطلاق نار ثان أزهق حياة ثلاثة من الأطفال. ألم يكن هناك مجال لانتظار الرد؟
4 ـ كل المتورطين أعلنوا أنهم لم يتمكنوا من تشخيص الأشخاص الذين ظهروا في المنشأة إن كانوا أطفالًا أم لا. استنتاج التحقيق أوضح أنه من غير الممكن التمييز أن الأمر يتعلق بأطفال على الرغم من وقوع الحادثة في وضح النهار. ولكن قبل يومين من ذلك تفاخر المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بقدرة مشغلي الطائرات بدون طيار على تشخيص أهداف محتملة تتم متابعتها، مثل الأطفال ومنع مهاجمتهم في اللحظة الأخيرة، هذا تجميع مدهش للأحداث. إذا لم يكن بالإمكان تمييز جيل من يطلقون النار عليه، أي هناك إمكانية لأن يطلقوا النار على أطفال دون أن يدركوا ذلك، ألم يستند المتورطون في إطلاق النار بصورة مبالغ فيها إلى الوسائل الموجودة بحوزتهم؟ ألم يكن ثمة مجال لاستخدام وسائل رقابة أخرى؟ ألم يقتض الامتناع عن إطلاق النار بمعرفة إذا ما كان الأمر يتعلق بمدنيين؟ حسب القانون الدولي، وفي حالة الشك، يجب الافتراض أن الأمر يتعلق بمدنيين. علينا الإشارة إلى أن الجنود لم يقولوا إن الأشخاص تم تشخيصهم كحاملي سلاح أو أنهم يشكلون خطرًا واضحًا على قواتنا.
5 ـ كيف كان يمكن الملاءمة بين شهادة ضابط سلاح الجو الذي نسق الهجمات، وقال إن الأمر يتعلق بحادثة استثنائية جدًا كانت فيها المعلومات الاستخبارية مختلفة تمامًا عن الحقائق على الأرض، وبين الاستنتاج القانوني الذي يقول إنه لم يكن هناك أي خلل ما في نشاط المتورطين؟ ألم تكن المعلومات الاستخبارية التي عرضت دقيقة، هل هناك خلل في بنية توزيع المسؤوليات بين جهات مختلفة، بحيث لا يكون بالإمكان إلقاء المسؤولية الشخصية على أي من المتورطين؟ ألا تسري المعايير المقبولة للخبرة وكذلك المسؤولية والحذر، على جهاز الاستخبارات؟ هل «خطأ استخباري» تحول إلى «مبيض لأعمال القتل الممنوعة وغير المبررة»؟
6 ـ هل تم تعلم كل الدروس العملياتية والاستخبارية والتنفيذية، وكذلك الدروس الأخلاقية المتعلقة بالوعي من أجل منع حالات مشابهة في المستقبل؟
7 ـ أما في الحادثة تأكيد على القلق الذي تم طرحه بخصوص استخدام الطائرات بدون طيار، بأنه من الممكن أن تضعف الحساسية الإنسانية؟
8 ـ هل استخدم متخذو القرارات القانونية ذاك الاختبار المعاكس ـ ماذا كنا سنقول لو أن الأمر تعلق بأطفالنا والعدو هو الذي يتخذ القرارات وينفذ العمليات؟
9 ـ هل اتُخذت النشاطات الإنسانية بالحد الأدنى ـ كتلك التي يتخذها أي جيش وإن كان غير أخلاقي تمامًا ـ من الاعتذار ودفع التعويضات.
10 ـ هل الفرضية التي تقول إن كل من هو متهم بنشاطه في حماس يجب قتله، وإن لم يكن يحمل السلاح ولا يشكل خطرا واضحًا على قواتنا، هي فرضة لا تلامس الإعدام بدون محاكمة ـ الأمر المحظور حسب القانون الدولي؟ ألا يشكل هذا خطرًا غير معقول على حياة المدنيين الذين يجب أن يكونوا محميين ـ الخطر الذي تحقق بخصوص حياة الأطفال الأربعة؟
هآرتس 14/8/2018