القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: لا يزال الشكل الوثائقي هو الأقرب والأكثر مباشرة، كوسيلة لوجهة نظر انتقادية، لظاهرة ما أو سلوك جمعي يمثل إشكالية في المجتمع، وبدون الخروج عن هذا الأسلوب المتعارف عليه يأتي الوثائقي المصري «أطفال العصافير»، وهو من إنتاج المركز القومي للسينما ــ جهة حكومية تابعة لوزارة الثقافة المصرية ــ ورغم كون الفيلم يوجه انتقادا حادا قوانين الدولة الغائبة، وصولاً لغياب الدولة في الأساس، إلا أن الأمر تم النظر إليه وكأنه رسالة تحذيرية أو تقرير مرفوع إلى أصحاب الشأن، حتى ينتبهوا لخطورة ما يحدث.
بالطبع لم يتم تصوير الموضوع بأنه هجائية حادة للدولة وسياساتها، وإلا لم يكن سيُنتج فيلماً من خلال الدولة نفسها، والمتمثل في مركزها السينمائي، لكن تم الأخذ في الاعتبار بأنه رسالة إلى المسؤولين الأرفع شأنا، بدون المساس بالنظام نفسه. لكن العمل أوحى بالكثير وقد انتهج نغمة هادئة وهي الأكثر تأثيراً من الصخب الفارغ. والعمل باختصار يناقش ظاهرة عمالة الأطفال في قمائن الطوب، هؤلاء الذين من المفترض في سنواتهم هذه أن يجلسوا إلى مقاعد الدرس في المدارس، أو يتمتعوا ولو بالحد الأدنى من الإحساس بالطفولة، ناهيك عن شقاء هذه المهنة ومستقبلها المرهون، إما بعاهة مستديمة أو الموت دون تجاوز سن الشباب. الفيلم سيناريو هاني الزرقاني، تصوير مصطفى نبيل، مونتاج مها رشدي، موسيقى محمد الشاذلي، ومن إخراج طارق الزرقاني.
أطفال العصافير
في مركز (الصف) في محافظة الجيزة، يوجد أكبر تجمّع لمصانع الطوب في مصر، وحسب قول رئيس الحي أو المركز المتباهي دوماً، فالمكان يقوم بتصدير الطوب لمصر كلها! في هذا المكان تبدو قمائن الطوب ومداخنها المرتفعة، التي تطاول السماء وتلوث سماء المدينة بسموم لا شفاء منها، وكأنها لوحة يتم رسم تفاصيلها وتلوينها حسب هوى أصحاب المصانع ــ الاسم مسبوق دوماً لكل صاحب مصنع بكلمة حاج ــ هنا من الرابعة صباحاً تأتي العربات نص النقل، لتنقل العمال إلى مكان العمل، معظمهم أطفال لم يتجاوز أكبرهم الرابعة عشرة من العمر، وهكذا تبدأ الرحلة حتى عودتهم في السابعة مساءً. وبخلاف عدة مهام يقوم بها الأطفال تأتي المهمة الأهم والأصعب، وهي حمل الطوب وهو لم يزل يحمل حرارة الأفران، من خلال حامل خشبي مثبّت في ظهر الطفل على شكل زاوية قائمة، يُسمى (العصفورة)، ومن هنا جاءت تسمية الفيلم بـ«أطفال العصافير».
تصريح بالدفن
وما بين عدة أحاديث للأطفال وبعض الرجال الذين كانوا أطفالاً في المهنة، ويعيشون الآن وهم مصابون بعاهات أو أمراض مزمنة، نتيجة آثار العمل وخطورته، تغض الدولة الطرف تماماً عن هؤلاء، فلا رعاية أو تأمين صحي، حتى أن أحد الأطفال يعلق قائلاً بأن الاهتمام الأمثل هنا يكون لـ(الحمير) التي تجر عربات الكارو حاملة الطوب، فيعودها باستمرار طبيب بيطري يعالجها ويداويها. وفي المقابل يسرد طبيب الوحدة الصحية مشاكل أهل القرية، وكلها أمراض مزمنة جرّاء هذه الصناعة، بخلاف الحوادث الطارئة التي تأتيه في تواتر، كسقوط أحدهم في أحد الأفران، نظراً للسطح الهش الذي يسير عليه وقت مرحلة حرق الطوب، وهو بالطبع يتم استخراجه كبقايا جثة، ولم يعد يتطلب الأمر سوى تصريح بالدفن. بخلاف ذلك نطالع الكثير من الضحايا، وقد فقد أحدهم ذراعه، أو أصيب إصابة مزمنة بداء في الصدر، أما الذين يظنون أنهم يعيشون فلهم قصة أخرى.
أطفال الترامادول
وما بين (الحاج) صاحب المصنع ــ المزهو بجلبابه ودخان سيجارته ــ ومقاول الأنفار، الذي يستجلب العمال/العَبيد للمصنع، ترتسم حياة هؤلاء، فالمقاول يأخذ على الرأس/العامل، مبلغاً ما، وبالطبع لا يعطيه كاملاً له، إضافة إلى أن كل عامل يقوم بتحرير ورقة بمبلغ ما ــ وصل أمانة ــ طالما أنه يعمل مع هذا المقاول دون غيره، شيء أشبه بالاحتكار ــ احتكار بني آدم ــ وهكذا.. ما بين مبلغ ضئيل يحصلون عليه، والحياة تحت التهديد دوماً، بخلاف أخطار المهنة التي لا ترحم، يعيش هؤلاء. الأمر الأكثر رعباً هو ما يقوم به السيد المقاول، وبالطبع بمعرفة الحاج صاحب المصنع، وطبيب الوحدة وقد شخص أسباب وفاة البعض.. فالطفل لا يستطيع مواصلة العمل إلا لساعات معدودات، حسب سنه وطاقته، لكن تاجر العبيد هذا لا يتورّع أن يضع للأطفال بعضا من أقراص (الترامادول) في الشاي ــ بدون علم الصغار بالطبع ــ فيقومون بالعمل لساعات طوال، بدون الشعور بالتعب، فما يهم الرجل هو أن يستمر العمل مهما كانت النتائج. فالفكرة أن هؤلاء عبارة عن أدوات أو أشياء، عليها فقط أن تعمل وتواصل، حتى تسقط ويأتي غيرها، وهكذا، فالأمل المرجو لهؤلاء أن يصلوا إلى درجة (الحمير) التي تعمل وتُعالج وتستريح ولو عند الضرورة.
في صحة الدولة
بالطبع هذا الوضع يبدو قائماً منذ سنوات طويلة، وعدة أجيال من القرية تشهد بذلك، أطفالاً ثم شباباً ورجالاً ينجبون أطفالاً يدورون بدورهم في دائرة لا ترحم أحد. ويأتي نظام حاكم لا يحيد عن سابقة، إن لم يكن الأسوأ، وما بين عام للمرأة وعام للشباب وآخر للطفل أو التعليم، وما شابه من العناوين فارغة المعنى ــ حيث الندوات والمؤتمرات والتصفيق ــ يظل هؤلاء وغيرهم الكثير يعيشون كالأموات، حيث يتحكم في حياتهم ومصيرهم العديد من معدومي الضمير، وتحت سمع وبصر، بل وبرعاية ما يمكن أن يُطلق عليها مجازاً (دولة).
التقنية والأسلوب
حاول الفيلم أن يتبنى النغمة الهادئة قدر الإمكان عند عرض هذه الحالات، فالموضوع بذاته يحمل قدراً كبيراً من المعاناة والغضب، حتى إن بدا الأمر مجرد استعراض لما هو كائن، لكنه كان أكثر تأثيراً بأن تتحدث الشخصيات على اختلاف مواقعها، من طفل عامل إلى مقاول أنفار إلى صاحب عمل، بخلاف ممثلي الدولة كرئيس الحي وطبيب الوحدة الصحية. من ناحية أخرى يبدو أن السيناريو المكتوب كان تصوراً عاماً للموضوع، بدون أن يكون سيناريو تنفيذيا، وهو ما يتناسب وطبيعة هذه الموضوعات، أما البناء الفيلمي فتم أثناء عملية المونتاج، ويبدو أن المخرج قد فاضل كثيراً بين العديد من اللقطات والمشاهد الحوارية، حتى يبدو أنه استغنى عن الكثير بالحذف، وهو ما جعل العمل يبدو مختصراً إلى حدٍ ما ــ فجأة انتهى ــ وربما يكون ذلك لضبط إيقاع الفيلم أكثر، خشية الترهل أو السقوط في التكرار. من ناحية أخرى حاول صانع الفيلم البحث عن معادل بصري وجمالي للأحداث، عن طريق استعراض الأراضي الشاسعة ومداخن أفران الطوب ــ لقطات أغلبها من زاوية مرتفعة ــ وكأن هذا الشكل وإن يبدو جمالياً، فهذه المداخن المنتصبة، تبدو وكأنها شواهد قبور للقرية ككل، كذلك اللقطات القريبة لوجوه الأطفال وتزاحمهم للحديث، وكأنهم كتلة واحدة لا فارق بينهم وبين مصيرهم، وما بين صخب كلماتهم وصمت المكان من أعلى، يبدو أنه لا أحد يرى أو يسمع بالذي يحدث على الأرض بالفعل.