إسطنبول – رويترز : طمأن وزير المالية التركي، براءت ألبيرق، مستثمرين عالميين أمس الخميس إلى أن تركيا ستخرج من أزمة عملتها أكثر قوة، مصرا على أن بنوك البلاد قوية ومشيرا إلى أنها ستتجاوز خلافا مع الولايات المتحدة.
وفي مؤتمر عبر الهاتف مع آلاف المستثمرين وخبراء اقتصاديين، قال ألبيرق، وهو صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ان تركيا تتفهم تماما وتدرك جميع التحديات الداخلية التي تواجهها، لكنها تتعامل مع ما وصفه بوضع غير مألوف في السوق.
وبينما تخوض أنقرة نزاعاعقدا مع الإدارة الأمريكية، قلل ألبيرق من أثر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مضاعفة الرسوم الجمركية على الواردات من المعادن التركية.
وقال إن دولا كثيرة كانت هدفا لإجراءات تجارية أمريكية مماثلة، وأن تركيا ستتجاوز هذه الفترة مع أطراف أخرى مثل ألمانيا وروسيا والصين.
وهوت العملة التركية إلى مستوى قياسي منخفض عند 7.24 ليرة للدولار في وقت سابق من هذا الأسبوع، لتصل خسائرها منذ بداية العام إلى 40 في المئة قبل ان تتقلص في الأيام القليلة الماضية، بينما يشعر المستثمرون بقلق بشأن نفوذ أردوغان على السياسة النقدية والنزاع مع الولايات المتحدة.
ومع مواجهته أخطر أزمة للعملة في تركيا منذ 2001 في أول شهر له في منصبه، فإن أمام ألبيرق مهمة شاقة في إقناع المستثمرين بأن الاقتصاد ليس رهينة للتدخلات السياسية.
دعم البنوك
وقال ألبيرق، البالغ من العمر 40 عاما والمسؤول التنفيذي السابق في إحدى الشركات والذي يحمل درجة الدكتوراه في العلوم المالية، ان تركيا لن تتردد في تقديم الدعم للقطاع المصرفي. وأضاف أن البنوك قادرة على التعامل مع التقلبات، وأنه لم تحدث مؤخرا تدفقات كبيرة للسيولة من الودائع.
وقبل أن يبدأ الحديث، ارتفعت الليرة بأكثر من ثلاثة في المئة، على الرغم من انه لا يوجد ما يشير إلى أي انحسار للخلاف مع الولايات المتحدة. لكن رد فعل سوق العملة على مؤتمره الهاتفي كان حذرا.
وقال ألبيرق أيضا أنه لا نية لدى تركيا لطلب مساعدة من «صندوق النقد الدولي» أو فرض قيود على رأس المال لوقف تدفق الأموال إلى خارج البلاد.
وبعد أن انتهى من حديثه، لم تسجل الليرة تغيرا يذكر عن مستواها قبل المؤتمر الهاتفي، وهو ما يعني أنها تظل منخفضة نحو 34 في المئة مقابل الدولار منذ بداية العام.
لكنها حققت لاحقا مكاسب طفيفة، دفعتها إلى مستويات بلغتها في وقت سابق أمس مع تجاهل العملة تعليقات أمريكية تستبعد إلغاء الرسوم المفروضة على واردات الصُلب من تركيا، حتى إذا أطلقت أنقرة سراح قس أمريكي وهي القضية التي تقع في قلب الخلاف بين واشنطن وأنقرة.
وزادت السندات السيادية الدولارية التركية مكاسبها.
وتلقى خبراء اقتصاديون تعليقات ألبيرق بترحيب متحفظ، وأشادوا بطموحه إلى خفض التضخم إلى خانة الآحاد من مستويات فوق 15 في المئة حاليا. لكن معارضة أردوغان لرفع أسعار الفائدة ربما تعقد ذلك المسعى.
وعلَّق سيلش لاد، الخبير الاقتصادي في «أكسا انفستمنت مانجرز» الألمانية، على حديث الوزير التركي «قال كل الأمور الصحيحة، لكن الأقوال شئ والأفعال شئ آخر… قال ان القيود على رأس المال ليست جزءا من جدول الأعمال ولن تكون أبدا. أعتقد أن السوق ترغب في سماع هذا».
وسبق ان تلقت الليرة التركية بعض الدعم من الإعلان في وقت متأخر أمس الأول عن تعهد قطري باستثمار 15 مليار دولار في تركيا.
ويستخدم ترامب الرسوم الجمركية على الواردات في سلسلة من النزاعات تمتد من تركيا والصين إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي مؤشر إلى أن تركيا ربما تأمل في التوصل إلى موقف مشترك مع دول أخرى تأثرت بالرسوم الأمريكية، قال مصدر رئاسي تركي ان أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدثا بالهاتف أمس، وبحثا تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز الاستثمار الثنائي.
كما ان من المقرر أن يجتمع ألبيرق مع نظيره الألماني أولاف شولتز في برلين في الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول المقبل.
عوامل تأزيم
لكن في تعقيد محتمل، قال مصدر في وزارة الخارجية الألمانية hن الشرطة التركية ألقت القبض على مواطن ألماني متهم بترويج «دعاية إرهابية» بعد انتقاده الحكومة التركية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي عامل تأزيم آخر للنزاع مع واشنطن، أصدرت محكمة أمريكية حكما بالسجن 32 شهرا على مسؤول تنفيذي كبير في «بنك خلق» التركي في مايو/أيار لمشاركته في مخطط لمساعدة إيران على تفادي عقوبات أمريكية. وعززت القضية تكهنات بأن البنك نفسه قد تُفرض عليه غرامة بسبب خرق العقوبات.
ويقول البنك التركي ان جميع تعاملاته قانونية. وقلل ألبيرق من أثر التهديد. وقال «لا نتوقع أي غرامات على بنك خلق بالتأكيد…لكن كحديث افتراضي…إذا احتاج أحد بنوكنا إلى المساعدة، فإن الحكومة ستسانده بقوة بالتأكيد».
وقال البيت الأبيض أمس الأول أنه لن يلغي الرسوم الجمركية على الصلب من تركيا، فيما يبدو أنه يمنح أنقرة حافزا ضئيلا للعمل على إطلاق سراح أندرو برونسون وهو قس أمريكي يخضع للمحاكمة في تركيا عن اتهامات بالإرهاب.
وتريد واشنطن إطلاق سراح القس الأمريكي، لكن مسؤولين أتراك يقولون إن المسألة متروكة للقضاء.
والخلاف بشأن القس برونسون هو أحد بضعة نزاعات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بما في ذلك مصالح متعارضة في سوريا، واعتراض أمريكي على طموح أنقرة لشراء أنظمة دفاعية روسية.
ويقول خبراء ان محصلة هذه الخلافات تساهم في اضطراب الأسواق المالية التركية.
من جهة ثانية ورغم دعوات أردوغان المتكررة للمواطنين الأتراك إلى أن يحولوا الذهب والعملة الصعبة إلى الليرة، لمساعدة البلاد «التي تخوض حربا اقتصادية مع أعداء»، لم يلب هذه الدعوات سوى عدد قليل من الناس.
لكن يبدو أن الأتراك لم يلبوا النداء. فقد أظهرت بيانات البنك المركزي أن الودائع بالعملة الأجنبية التي يحوزها المستثمرون المحليون زادت إلى 159.9 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في العاشر من أغسطس آب، من 158.6 مليار قبل أسبوع.
كما دعا أردوغان إلى مقاطعة السلع الإلكترونية الأمريكية وخصصت وسائل الإعلام التركية تغطية واسعة لاحتجاجات مناهضة للولايات المتحدة، بما في ذلك مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر فيما يبدو أتراكا يحرقون أوراقا نقدية من العملة الأمريكية ويدمرون هواتف آيفون.
من جهة ثانية قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أمس ان أسواق المال في بلاده «شهدت تحسنا سريعا خلال اليومين الأخيرين بفضل التدابير الاقتصادية المتخذة في هذا الخصوص».
وأكد، في مؤتمر صحافي في أنقرة، خلال تواصل اجتماع الحكومة برئاسة رجب طيب أردوغان، أن «تركيا ليست بدون بدائل سواء في الطاقة أو التجارة أو الاستثمار أو المجالات الأخرى… وستمضي في طريقها مع زيادة خياراتها وبدائلها».
وأضاف «تجاوزنا تماما المرحلة التي يمكن استغلالها لبث الشائعات حول الليرة التركية». وأردف قائلا «قضينا على مصادر تضليل الرأي العام حول الليرة التركية». وأوضح أنه «بعد لقاءات مكثفة بدأنا بالحصول على نتائج وأخبار إيجابية (على الصعيد الاقتصادي) من الكويت وألمانيا وفرنسا وروسيا».
ولفت قالن إلى أن تركيا لا تسعى وراء حرب اقتصادية مع أحد ولا إلى توتير العلاقات مع أي دولة.