تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: نشر الروائي والناقد الفرنسي فيليب سولرس (زوج الفيلسوفة جوليا كريستيفا) روايتَه الجديدة الموسومة بـ«مَرْكَز» عن دار غاليمار 2018، وقد استثمر في كتابتها ثقافته في التحليل النفسي والتاريخ والأدب والشعر، لتحقيق غاية واحدة هي تحليل حالة المجتمع الفرنسي ومراقبة حركيته الراهنة، حيث جعل بطليْ الرواية، وهما المحلِّلة النفسانية «نورا» وعشيقها الروائي الفرنسي المثير للجدل، الذي يهتمّ بفرويد ولاكان، يفتحان خزينة المعيش الفرنسي ويحاولان البحث فيها عن عناصر إجابة عن سؤال: ما الذي جعل باريس تتحوّل فجأة إلى مركزِ للعالَم جديدٍ وسريّ. وبهذه المناسبة أجرت معه صحيفة «الإكسبرس» الفرنسية حوارا قصيرا حول موضوع الأسلوب الفنيّ، وقد ارتأت «القدس العربي» أن تنقله لقرّائها لما فيه من أفكار طريفة حول مسألة الأسلوب سواء في الكتابة أو في الحياة.
■ ما تعليقك حول المقولة الشهيرة «الأسلوب هو الإنسان ذاته» التي قالها بيفّون أمام الأكاديمية الفرنسية سنة 1753؟
□ أن نتساءل حول مَن هو الإنسانُ المعرَّفُ بالأسلوب في قولة بيفون هو اعترافٌ فوريّ بأننا نعيش أزمة في مفهومِ الإنسان ذاتِه، وهي أزمة ليست متّصلة فقط بالأحداث الراهنة وإنما أيضا بجوهر الإنسان ذاته. من هو الإنسان؟ هل يجب أن نبحث عنه بإشعال الشموع مثل ديوجين في طرقات أثينا؟ وإذا صحّ القول بأنّ الأسلوب هو ما يميّز الكاتب فإنّ فأول اسم يتبادر إلى ذهني هو فولتير، الذي أدعوكم إلى قراءة رسالة واحدة من رسائله، وذلك كل يوم لأن في ذلك ما سيمنحكم طاقة لكامل ليومكم. يمكنكم أن تختاروا بحرية أيّ رسالة تعجبكم، فمراسلات فولتير موجودة في 13 مجلدا من مطبوعات «البلياد» وقراءة رسالة كل يوم خلال الصيف تكون عملا مفيدا جدّا.
■ كيف يمكن توصيف أسلوب كاتب ناطق بالفرنسية؟
□ أقول، في حدود الصيغة الأكثر كثافة وإيجازا، إنّ الأسلوب هو الطريقة التي تُحقّق لنا أكبر قدر ممكن من الإحساس بالعالَم. يجب تجنب الإكثار من الحشوِ داخل ما نرغب في قوله. فالأسلوب هو شيء يفرض ذاته، هذا كل شيء. لكنني أحدثكم عن الفرنسية بما أنني أكتب بها، ولا شكّ في أنّ الأسلوب فيها سيتمّ تعريفه بطريقة مختلفة عن تعريفاته في لغات أخرى، ومثال ذلك: لو تحدّثنا مثلا عن أسلوب شكسبير فسيُطرَح المشكل بشكل مختلف. لإدراك صيغة الأسلوب باللغة الفرنسية اقرأوا الأخلاقيين. إن الأمر لا يتعلق هنا بتقديم قواعد أخلاقية وإنّما بكتابة تُقرّب إلينا الحكمةَ والقولَ المأثور: هنا تكمن قوة الأسلوب، إنّها في فنّ اللغة الفرنسية المُثيرِ للإعجاب.
■ كيف يمكن للمرء أن يُحب أسلوبه الشخصيّ؟
□ إنه، بالنسبة إلى الكاتب، أمرٌ مرتبط باليد وبطول النّفس، وبشيء آخر يجعل الفكرَ في اتصال مباشر بالعالَم، وفي حركة دائبة. لكن لا تنسوا أن كل الناس مرتبطون اليوم بحواسيبهم، وفي تواصل مستمر عبر هواتفهم الذكية. إننا نعيش الآن في خضمّ دمار شامل لِمَا يُسمّى الأسلوب.
■ أليس الأسلوب في المقام الأول موسيقى، وإيقاع، وأُذن؟
□ بالفعل، هناك شاعر يمكنكم أن تعرفوا هويته مباشرة عبر مقياس سرعة الموسيقى والإيقاع في شعره وهو رامبو. إن شعره متصل أصلا بالموسيقى. استمعوا معي إلى رامبو المذهل في قوله: «إنّني مبدع أكثر جدارة من كل من سبقوني. وموسيقيٌّ أيضا، عثر على شيءٍ ما شبيه بمفتاح الحُب». في هذه العبارات الشعرية تجدون الموسيقى، ومفتاح الإحساس الموسيقي، وكلمة حُب: ها هنا يتوجّب على الأسلوب أن يظهر في كل وضوحه.
■ لامتلاك أسلوب فريد في الحياة، هل يجب تجنّب القواعد التي يفرضها المجتمع؟
□ إن الأسلوب هو «فنّ العيش الجيّد» الذي يعني بالنسبة إليّ إتقان الكتابة وإتقان القراءة. فأسلوب الحياة التي نمارسها يمكن له أن يكون مختلفا تماما وَفْقا لاختلاف ثقافات الناس، لكنه واضح بالنسبة إليّ: يستقي شروطه في الوقت ذاته من الانضباط العسكري، فأنا أستيقظ باكرا لأكتب، وكذلك من الاسترخاء الشديد، فطريقتي في الحياة هي البحث عن الدرجة القصوى من إدراك العالَم.