القاهرة ـ «القدس العربي»: تطور جديد شهدته الساحة السياسية المصرية التي تعيش انغلاقا منذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم عام 2014، تمثل في طرح مبادرات للخروج من الأزمة السياسية التي تشهدها مصر وتعيد البلاد إلى مرحلة ما قبل 30 يونيو/ حزيران 2013، لاستكمال ما بدأه المصريون في ثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011.
فخلال شهر أغسطس/ آب الجاري، شهدت الساحة السياسية المصرية طرح مبادرتين، إحداهما قدمها مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق والمعارض المصري، السفير معصوم مرزوق، الذي ينتمي إلى التيار المدني، تحت عنوان «نداء إلى شعب مصر»، وأخرى حملها بيان جماعة «الإخوان المسلمين» بمناسبة الذكرى الخامسة لفض اعتصام مؤيدي الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي.
المبادرتان اللتان جاءت كل منها في 10 نقاط، اتفقتا في الإطاحة بالسيسي، واختلفتا في طريقة تنفيذ ذلك.
طرح مرزوق تضمن «إجراء استفتاء شعبي على بقاء السيسي، يليه تشكيل مجلس انتقالي يتشكل من 13 عضواً، يمثلون بشكل متوازن المحكمة الدستورية العليا، مجلس الدولة، الأحزاب السياسية غير المؤتلفة أو المتعاونة مع نظام الحكم الحالي، ويتخذ مجلس القضاء الأعلى قرار التشكيل بعد أسبوع من ظهور نتيجة الاستفتاء، بناء على قوائم بأسماء من تلك الجهات. ويختار أعضاء المجلس الانتقالي رئيساً ونائبين بالانتخاب، ويتخذ القرارات بالأغلبية البسيطة، ويتولى وضع وتنفيذ إجراءات الفترة الانتقالية، ولا يجوز لأي عضو فيه أن يشارك كمرشح في أول انتخابات عامة يتم إجراؤها بعد انتهاء المرحلة الانتقالية». ودعا إلى «مؤتمر شعبي في ميدان التحرير في 31 أغسطس/ أب الجاري حال رفضت السلطة في مصر تنفيذ المبادرة».
الخروج الآمن
أما مبادرة جماعة «الإخوان» فتضمنت عودة الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى السلطة على رأس حكومة ائتلافية تتشكل من القوى الوطنية، تمهد لإجراء انتخابات رئاسية نزيهة خلال فترة محددة.
ولم يكن الخلاف الوحيد بين المبادرتين، طريقة إدارة المرحلة الانتقالية، لكنهما اختلفتا أيضا في طريقة محاسبة المسؤولين عن الأزمات التي غرقت فيها مصر خلال السنوات الماضية، فمرزوق تبنى في مبادرته مبدأ الخروج الآمن، وذكر أنه «بمجرد بدء ولاية المجلس الانتقالي يتم إصدار قانون عفو شامل يتضمن تحصينا قضائيا كاملا لكل من تصدى لمهام الحكم والتشريع ما بعد 25 يناير 2011 وحتى بداية ولاية المجلس الانتقالي، مع تقنين لأحكام عدالة انتقالية في الحقيقة والمصارحة والمصالحة، والإفراج الفوري عن كل المحبوسين في قضايا الرأي، وتعويضات عادلة ومجزية لكل ضحايا هذه الفترة بواسطة لجنة قضائية مستقلة يحددها المجلس الأعلى للقضاء، وتعمل تحت إشرافه»، بينما جاءت مبادرة الإخوان لتؤكد على ضرورة القصاص من المسؤولين عن الفترة التي تلت 30 يونيو/ حزيران 2013، وبينت أن «الحق في القصاص العادل حق أصيل فطري وشرعي وقانوني، لا يسقط بالتقادم».
هجوم إعلامي
المبادرتان لم تجد تفاعلا قويا من القوى المعارضة، بسبب حالة الحصار التي تعيشها الأحزاب السياسية والقوى المدنية، حيث اكتفت شخصيات مصرية معارضة على رأسها حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق، وأحزاب سياسية منها «تيار الكرامة» و«التحالف الشعبي الاشتراكي» و«مصر الحرية»، بإصدار بيان يؤكد على حق مرزوق في طرح المبادرة، ورفضهم الحملات التي يشنها الإعلام المصري لتخوينه، دون إعلان دعمهم او موافقتهم على المبادرة.
وجاء التفاعل مع مبادرة مرزوق من إعلاميين ومحامين محسوبين على نظام السيسي، حيث شنوا هجوما على مرزوق واتهموه بـ«الخيانة»، فيما تقدم محامون بـ 6 بلاغات تطالب بمنعه من السفر واعتقاله.
أما مبادرة «الإخوان»، فقد شهدت هي الأخرى هجوما من الإعلام المصري، واعتراضات من داخل صفوف الإخوان نفسها، بسبب تبنيها عودة مرسي لفترة مؤقتة، وطالبت الجماعة بالتفاعل مع مبادرة معصوم مرزوق، لتوحيد الصفوف بدلا من طرح مبادرة مستقلة.
أحمد عبد العزيز المستشار الإعلامي للرئيس الأسبق محمد مرسي، انتقد البيان الذي صدر عن قيادة الإخوان المسلمين.
وقال في صفحته الرسمية على «فيسبوك» : «بدلا من أن ترد قيادة الإخوان على المبادرات التي نادى بها غير الإخوان، إذ بقيادة الجماعة تقوم بمبادرة مستقلة».
وتساءل : «لماذا تتخفى المبادرة في بيان، ولماذا البيان في الذكرى الخامسة لفض رابعة بالتحديد؟».
ولم يستسغ عبد العزيز، حسب ما قال «الاستغفال الذي كُتِبت به الفقرة الخاصة بعودة مرسي، رغم أن كل من قرأها قد فهم منها ـ دون عناء أو جهد ـ أنها (عودة مؤقتة) للرئيس الأسبق محمد مرسي، يشكِّل خلالها حكومة ائتلافية، ثم يدعو لانتخابات رئاسية، دون تحديد مدة هذه العودة»
وتساءل أيضا «إذا كانت المبادرة التي أطلقها السفير معصوم مرزوق نصت على (فترة انتقالية) مدتها (ثلاث سنوات)، أليس من الأولى أن يطالب الإخوان بمثلها؟».
وطالب مستشار مرسي، قادة الإخوان «اليوم قبل الغد، أن يقدموا للجميع كشف حساب يحصي (جهودكم)، فهذا سؤال مُلح، والإجابة عنه واجبة».
كما استنكر وصف البيان أو المبادرة «الثورة المصرية» بأنها الثورة (الرائدة)، قائلاً:» إذا كانت ثورتنا ثورة رائدة، فما الوصف الذي تستحقه الثورة التونسية..الأساليب الإنشائية لا تصلح للحديث عن الحقائق».
محيي عيسى، القيادي الإخواني، والبرلماني السابق، وصف مبادرة الجماعة الأخيرة، التي دعت فيها إلى الخروج من النفق المظلم بـ«الغيبوبة السياسية».
وقال على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك»: «عند أهل الطب تعرف الغيبوبة بعدم استجابة الجسم للمؤثرات وغيابه عن الإدراك والوعي»، لافتا إلى أن «هذه الحالة قد تصيب بعضًا من القيادات السياسية والإسلامية عندما توقف بهم الزمن عند 27/6/2013 فلم يدركوا أن الأمور تغيرت وجرت فيها أحداث جسام».
وتعجب من تصريحات قيادي إخواني على قناة «مكملين» الإخوانية والتي تبث من تركيا حيث ينفي أن يكون ما صدر هو مبادرة، بل هو «بيان ودعوة للحوار».
وأضاف: «عظيم أن يكون هناك حوار بين الفرقاء لكن البيان الطويل، وضع شروط المنتصر لبدء الحوار، وهي ببساطة عودة الأوضاع إلى ما قبل 28/6/2012، مع إمكانية الدعوة لانتخابات».
وتساءل: «يا أيها المغيبون ما الذي يدعو الفرقاء للاستجابة للحوار، لماذا تفترضون في غيركم المثالية، وأنه يمكن أن يرضخ لشروطكم لوجه الله والوطن؟».
وأكد «باختصار البيان الأخير موجه للصف الداخلي ليؤكد أننا على العهد سائرون ولن نفرط في مرسي، فليسعد الجميع بالبيان حتى لو لم يتضمن أي آلية للتنفيذ، ولا أي خطوات عملية حتى للإفراج عن المعتقلين».
واختتم حديثه أن «البيان جاء لتأكيد أننا ما زلنا في الغيبوبة السياسية ولم نفق بعد منها، وأن كل ما نفعله لا يزيد على كلام في كلام».