ادرك جيدا ان هذا المقال سيقود الى ردود افعال كثيرة نحوي، وربما من اعنيهم سيلوذون بصمت مهزوم لأني سألقم افواههم بحجر صادق لاغبار عليه مادام شهود العيان من النبلاء مازالوا يتنفسون هواء الإبداع والحياة.
ولكن قبل ان يشهر البعض اقلامهم على صعلوك مثلي عليهم بالتريث قليلا حتى افرغ من نزف اوجاعي وابث ما في رأسي من جنون يضاهي الحقيقة التي يعرفونها ويطمرونها لمصالح رثة اصبحت مكشوفة حتى للبصير، ولهم الحق بعد ذلك ان يصلبوني في ساحة اتحاد الأدباء واموت رجما بكؤوس الخمرة الفارغة مثلما تفعل دولة مجاورة لنا حين ترجم الذي خرج عن طاعتها وتمرد على زيفها حتى الموت ..
كان اتحاد الأدباء بالنسبة لي صلاة وسجادة تقودني الى فردوس السماوات بدون مراسيم دينية، ولذا عندما وطأت قدمي اول مرة عتبة بابه المقدسة شعرت بالارتعاش .. ولما دخلت الى قاعته كاد يغمى عليّ، لأني رأيت كوكبة الشعراء والأدباء والفنانين يجلسون على الكراسي المتواضعة، رأيت علي جواد الطاهر، ورشدي العامل بطاقيته الروسية الجميلة، وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصائغ وموسى كريدي وخالد علي مصطفى واحمد خلف وحاتم الصكر (ومحمد خضير ومحمود عبد الوهاب قد جاءا من ثغر الجنوب) ومحمد علي الخفاجي وعلي الحلي، وعلي جعفر العلاق وثابت الآلوسي وعبد الجبار داود البصري ويوسف نمر ذياب، وعريان السيد خلف، وياسين النصير، وفاضل ثامر، وعناد غزوان وعبد الجبار عباس ومحسن جاسم الموسوي، وطراد الكبيسي، وحميد سعيد، وفهد الأسدي، ومحسن اطميش، ورافع الناصري، وشوكت الربيعي، وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر وعبد الاله الصائغ وعبد الرضا علي وقاسم محمد وخليل شوقي ويوسف العاني وغيرهم من الكواكب التي ظلت ساطعة في سماوات ذاكرتي، فارتبكت تماما .. ولم اصدق اني اجلس على كرسي في القاعة معهم .. ولما سمعت صوت الشاعر الذي يقرأ قصيدة عن غرفة يحيى جواد بصوته المشحون بالوداعة والشجن في آن واحد، كادت دموعي تسيل على خدي، وشعرت بهيبة المكان الذي دخلت اليه، بل خلت ان احدا سيجيء ويخرجني منه لأني من اكون امام هذه الكوكبة المضيئة بالإبداع، ولما كان دخول النادي في ذلك الوقت مستحيلا مالم تكن من اعضاء الاتحاد، فلم اجد سوى حانة رخيصة ومعزولة امضي بها سهرتي لتلك الليلة، حدث ذلك في نهاية السبعينيات بعد تبخّر الجبهة الوطنية برمشة عين وضياع احلامنا نحن الفتيان، لكن الذي اعجبني ان رشدي العامل ظل يعتمر فوق رأسه قبعة تروتسكي ذلك المناضل النبيل الذي كانت تضحيته في روسيا تغازل تضحية الأمام الحسين ‘ع ‘ في كربلاء، ومضت السنوات حتى اشتعلت الحرب، وعدت مرة اخرى الى اتحاد الأدباء.
كانت هذه المرة بشفاعة القاص فهد الأسدي الذي كان يمت لي بصلة قربى عن طريق اخيه المتزوج من اختي التي رحلت الى سماوات الله، ربما يقول الآن بعض الحاسدين والناقمين: تبا لك يا فهد لأنك جئت لنا بما لا يحتمله الصدق نفسه !! وجلست مع رشدي العامل وياسين النصير وتوفيق الخياط ويوسف الحيدري القاص الكردي الجميل وحسين الحسيني بنظارته السوداء وقلبه الأبيض وحقيبته الدبلوماسية الملآى بما يخطر على بالك لحظة سُكر، كنت في تلك الجلسة قد جئت بقصائد مرتبكة في جيبي، ولما طلبت من فهد ان يراها رشدي العامل، اخذ العامل القصائد بيده وقرأها بمتعة شاعر ثمل .. وقال لي ما لا انساه ابدا .. هذه قصائد اكبر من عمرك .. ونادى على غلام الحانة حتى يأتي لنا بخمرة اضافية، لم اصدق ان رشدي العامل قرأ خزعبلاتي وشخبطاتي في تلك الليلة، ولما استمر قدومي الى اتحاد الأدباء كنت انتظر طويلا في باب الاستعلامات حتى يجيء القاص فهد الأسدي ويسمح لي بالدخول الى نادي الأدباء كضيف عليه، وصار ديدني ان ادخل الاتحاد والأصح الى ناديه بمفردي، وهذا يتطلب ان اكون احد اعضاء اتحاد الأدباء، وكان ذلك اشبه بالمستحيل في نهاية السبعينيات.
وبدأت انشر قصائدي مع بداية الحرب في جريدة العراق واصبح اسمي اشبه بالمألوف لدى ابي قتيبة موظف الاستعلامات في بدلته الزيتونية وصار يسمح لي بالدخول احيانا وهو يشفق على انتظاري لأديب حتى ادخل بضيافته الى النادي وكان الشاعر كمال سبتي كثيرا ما اكون على شرف ضيافته، هكذا كان اتحاد الأدباء وقورا رصينا مهيبا، بل ان الجواهري لولاه لما كان هناك اتحاد ادباء في العراق، وهو الشاعر نفسه الذي جاء بعبد الكريم قاسم لأمسية في اتحاد الأدباء وقال له ما يليق بكبرياء شاعر امام زعيم، هذا الاتحاد بدأ يفقد هيبته بعد غياب الجواهري، واذا كان قد حافظ على بعض ملامح كبريائه ايام حميد سعيد لكن شبح العسكرتارية كاد يفقد الاتحاد براءته وسجية هيبته، فقد انتهت رصانة الاتحاد بعد مجيء جوقة من الفتيان لإدارة اتحاد الأدباء وكنت صديق بعضهم، الم اقل كلهم ولكن لاحول لي ولا قوة .. في ذلك الجو المشحون بالخوف تبدلت الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء وامسك بزمام الأمور فتية آمنوا بربهم كما كان يقول عنهم تلفزيون الشباب حين ذاك، وبدأوا بتوسيع بناية الاتحاد واجراء بعض الترميمات عليها لكنهم كانوا يحرصون على تقديم فاتورة بمئات الآلاف من الدنانير امام موظف الحسابات بحجة سحب المياه الثقيلة؟ للحد الذي بلغت اجرة سحب المياه الثقيلة من اسفين المرافق الصحية الى ملايين الدنانير خلال شهر واحد.
ولا ادري هل كان الأدباء الذين يفتك بهم الحصار في ذلك الوقت يشربون ويأكلون بهذا الإسراف ام بحجة تلك الفواتير الزائفة كانت تتم السرقات؟ وعاثوا وفعلوا ما انزل به الخداع والزيف من سلطان تحت وصاية ابن الرئيس، صحيح انهم في ذلك الوقت فسحوا المجال امام المتمردين من الأدباء الشباب ان يمرحوا ويسرحوا برفضهم وسكرهم لكن البعض منهم كان يغنم منافع لاحصر لها تحت ذريعة انهم كسبوا الأدباء الشباب الى خيمة الدولة، ثمت (هكذا يكتبها الشاعر سعدي يوسف بالتاء الطويلة وليست المربوطة) تناقضات ومفارقات عجيبة حدثت في تلك الفترة، فالذين كانوا من حاشية الرئيس والحرس القديم للحزب صاروا يجلسون في المقاهي، بينما ظهرت موجة جديدة من الشبان يقودون الثقافة العراقية من رأسها حتى اخمص قدميها ولحق بهم نقاد كان يحسب لهم فيما مضى الف حساب وصاروا يتملقون هؤلاء الفتية الذين آمنوا بإبن الرئيس! واختلط الحابل بالنابل، واصبحت الثقافة فوضى بغير أوانها كما جاء بعنوان لشاعر من لحم السلطة واكتافها.
هكذا اصبح حال اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، ولما ازيحوا عن مناصبهم اصبحت بناية الإتحاد فندقا بخمس نجوم لرئيس الاتحاد الجديد والقادم من محافظة بعيدة؟ وهكذا ظل اتحاد الأدباء يعيش فترة مظلمة هي من اسوأ الفترات التي مر بها، اجل بدأ اتحاد الأدباء يفقد شخصيته شيئا فشيئا، فصار ناديه اكثر سوءا من حانة للمشردين في الباب الشرقي، واصبح بعض الأدباء ينفرون منه الا اولئك الذين يشربون خمرتهم مجانا بصفتهم الإدارية او لأنهم اعضاء في المكتب التنفيذي وتراهم بإقامة دائمة هناك، ولما كنت في ذلك الوقت لا اجد مأوى عندما يقفل نادي الأدباء ابوابه .. فلجأت الى حيلة خروجي من النادي مبكرا امام مسؤولي الاتحاد بينما انا في حقيقية الأمر كنت احمل خمرتي مع ليمونة اضعها في جيبي واذهب من خلل الستائر الحمراء التي تفصل القاعة عن البار واندس تحت كراسي قاعة المحاضرات اشرب خمرتي حتى يطل الفجر واحيانا حتى شروق الشمس ثم اخرج من نافذة مكسورة الزجاج الى حديقة الاتحاد ومن ثم الى شوارع بغداد، كنت قد تعودت على ذلك كلما صادفت زيارتي الى نادي الأدباء وكنت عادة ما الجأ لهذه الوسيلة مع كزار حنتوش وجان دمو، بينما كان نصيف الناصري يذهب لمنزله وهو الوحيد الذي يعرف اين كان مأوانا، وكان احيانا يجيء ليوقظنا من نومتنا ونحن مازلنا ننام تحت مقاعد القاعة.
‘ شاعر عراقي مقيم في استراليا
ذات ليلة بعد ان تسللت الى القاعة وشربت خمرتي وكدت اغفو واذا بجان يدخل الى القاعة متذمرا ساخطا حتى جلس على احد مقاعد القاعة وراح يحدث نفسه بلوعة وهو يحثها ان تجد خلاصا لهذا العذاب الذي يلازمه كل ليلة والزيف الذي يحيط به ويكاد يكتم انفاسه، وكان يؤنب نفسه على ملابسه الرثة التي يرتديها ولايجد مكانا مناسبا لغسلها، وقد قرر ساعتها ان يخلع ملابسه ويغسلها تحت صنبور الماء الكائن في باحة الأدباء الخارجية لكنه شعر بالنعاس وغط بنوم عميق على مقعده، بعد ساعة سمعت لغطا من الأصوات خارج القاعة ولما اشرأبيت برأسي من نافذة جانبية لأستطلع ما يحدث واذا بي ارى مجموعة من الناس الغرباء يبدو على مظاهرهم الثراء وقد جاء لهم النادل بمقاعد وطاولة على عجل وبدأوا يشربون خمرتهم في باحة الأدباء مع غانية ثملة كانت معهم، وعرفت ان هؤلاء يجيئون بين حين وآخر ليمضوا سهرتهم هنا مع العاهرات بعد اغلاق النوادي الليلية ويدفعون ثمنا لمتعهد النادي او النادل مقابل ضيافتهم لساعات بهذا المكان، وهكذا تحول الاتحاد الى مبغى ليلي دون علم احد، واذكر ان الذي مررت عليه مع امي بمركبة لزيارة اختي في بغداد الجديدة في بداية السبعينيات واقرأ يافطته التي تشير انه اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بينما كنت اعجب الى الأدغال والحلفاء التي ترتفع من خلف سياجه يوم كان عبارة عن منطقة مهجورة وميؤوس منها .. ربما هو كذلك اصبح اتحاد الأدباء الآن مثلما كان قبل ان يجيء الجواهري اليه بسبب فرمان ظالم صدر من مسؤول رفيع بغلق نادي الأدباء … فبعد سقوط الطاغية استبشر الجميع خيرا من اتحاد الأدباء، لكننا فوجئنا ان هيئته الإدارية سارعت ومنحت رئيس الوزراء بذلك الوقت هوية الإتحاد، وبرغم مكانة الرجل الثقافية والتي لاغبار عليها لكن الأمر لم يكن يستدعي هذا التملق الفج والرخيص وتوجب عليهم ان يكون نصب اعينهم الجواهري قبل قرارهم بتقديم هوية الإتحاد لذلك الرجل الوقور؟! وقد قرأت قبل شهور عبر بعض المواقع الثقافية ان نشاطات الإتحاد اصبحت حكرا على مجموعة من الأدباء دون سواهم، وان الإيفادات لا تخرج من دائرة المقربين الى ادارة الاتحاد، وبرغم ان الإتحاد يحرص على تقديم هؤلاء الأدباء المدللين في كل مرة، غير ان الذي نعرفه ان المؤسسة الثقافية لم تتمكن ذات يوم ان تنتج اي مبدع من خلف منصتها، ذلك ان الإبداع يتكون عادة خارج تلك المؤسسات وان المبدع الحقيقي هو من يضيف الشرعية الى اتحاد الأدباء والمؤسسات الثقافية، ولذا صار ما يحدث من احتكار للأماسي والإصبوحات في اتحاد الأدباء من قبل انصاف موهبين توهموا انهم بذلك سيبسطون شهرتهم على الآخرين، اقول لهؤلاء انكم على وهم كبير، ومثلما ذهب غيركم الى ادراج النسيان ستلحقون بهم ايضا، وربما يزعم بعض الإداريين في الإتحاد انهم اقاموا لشخصي الصعلوك اصبوحة يوم عدت للبلاد قبل سبع سنوات، فأقول لهم صراحة لاتجعلوا تلك الإصبوحة منّة في عنقي فلقد اقيمت لي امسية شعرية خاصة في قاعة الإتحاد قبل اكثر من سبع وعشرين سنة يوم كنت مشردا في الشوارع لانهم التفتوا الى نصي ولم يلتفتوا الى صعلكتي ولذا اقول الحقيقة لكم فلقد كنت صاحب الفضل عليكم لأني قبلت بتلك الإصبوحة ذلك اني وبتواضع شديد اعرف حجمي امام حجوم بعضكم التي لاتهش ولاتنش في حديقة الإبداع العراقي ولعل الفضيلة الوحيدة التي لا انكرها انكم خصصتم غرفة لمبيت القادمين من المحافظات البعيدة اسميتها غرفة البلاد في شهادتي التي قرأتها في تلك الإصبوحة في حينها، ولكي نحافظ على الإبداع من السخام وغبار الزيف اقول لجميع المبدعين ..لقد فرحت حقا حين افاق اتحاد الأدباء من محسوبياته وعلاقاته الشخصية اخيرا وعاد الى خطابه الإبداعي حرا ناصعا ونبيلا مثل الحصيري ورشدي العامل وحاكم محمد حسين وغيرهم من كوكبة المبدعين الى مكانه الحقيقي، وما اصبوحاته الأخيرة في ملتقى خميسه الإبداعي اونادي القصة والشعر والمسرح والسينما الا دلالة عافية مكتنزة بالأمل وصفعة ناطقة بالبيان والتبيين لكل النكرات الدخيلة على الإبداع وعلى من اراد اطفاء الشموع المبدعة في اتحاد الأدباء .. استمروا .. استمروا حتى تفر هلعة كل مساحيق خفافيش الظلام من سماوات ارض السواد .. لكن كم يشعر اتحاد الأدباء بالوحشة لأننا بعيدون عنه .. الجواب عندكم.
*شاعر عراقي مقيم في استراليا