يستند الفيلم في الأساس إلى رواية ‘الجدّات ‘ للكاتبة الفائزة بجائزة نوبل ‘دوريس ليسينغ’، وتعتمد دراما الموضوع هنا على تلك العلاقة الحميمة بين أربعة شخصيات والتي نراها منطقية من خلال ذلك الحب بين سيدتين تقعان في حب شابين هما في عمر أولادهما تقريباً.
وهذه العلاقة نراها محققة أحيانا بين رجل في سن متقدمة وفتاة صغيرة وبمباركة من المجتمع والدين، فلماذا لا تكون العلاقة هنا بين شاب صغير وسيدة كبيرة ومن هنا تكمن منطقية الأمور في تلك العلاقة التي تبدو مشبوهة أول الأمر ولكنها في حقيقة الأمر عند التفكير فيها نجدها علاقة عادية ومصداقيتها تكمن من خلال تلك العلاقة التي ربطت الأربعة طوال حياتهم فهم يعيشون معا بنفس المكان على الساحل حيث ارتبطوا معا دائما ببعضهم البعض وبالمكان الساحلي البديع الذي لابد للإنسان أن يفكر مليا قبل الابتعاد عنه للبحث عن عمل أو فتاة أخرى وهذا ما يحدث في تلك العلاقة ..
علاقة حميمة وصداقة قوية تجمع بين الفتاتين ‘ليل’ و’روز ‘ واللتين تقطنان بجانب الساحل وتقضيان وقتهما بشكل كبير في البحر علي ذلك المرسى الصغير وسط البحيرة والذي يعزلهما عن العالم الخارجي وهي المتعة الكبيرة لهما في الحياة ، تكبر الفتاتان وتسكنان أيضا في نفس المنطقة بصحبة زوجيهما وتنجب كلتاهما ولدين تربط بينهما نفس الحميمية التي ربطت الفتيات ، يموت زوج ‘ ليل ‘ في البداية وتظل وحيدة بصحبة ابنها وصديقتها الحميمة ‘روز’ وترفض الارتباط من احد الرجال الذي يظل يراقبها طوال الوقت ويطلب منها الزواج بشكل دائم إلا أنها ترفض دائما نظرا لرفضها أي دخيل على تلك العلاقة الحميمة بين أسرتها المتمثلة في ابنها وصديقتها الوحيدة ، حتى أن الرجل يعتقد هو وزوجة ‘ روز ‘ أيضا أنهما سحاقيتان نظرا لقربهما الشديد من بعضهم البعض ..تستمر علاقة الصداقة والحميمية بين هؤلاء الأربعة الى أن تحدث المفاجأة عندما يرى ‘توم’ أمه وهي تمارس الجنس مع ‘ أيان’ ابن صديقتها فيقرر هو الآخر ان يقيم علاقة مشابهة مع والدة صديقه ، وتقع السيدتان في حب الشابين اللذين يتبادلان الحب بدورهما كل واحد مع والدة صديقه ويكون حباً عميقاً يمتد لفترة إلى حين تقرر المرأتان أن عليهما وضع حد للعلاقتين.
ونرى أيضا هنا مبرر ترك كل شاب بعد ذلك لزوجته الشابة والعودة الى تلك السيدة العجوز لكلا منهما هو ذلك الارتباط بالمكان الذي تحدثنا عنه وكون هذا الحب هو الأول لكل منهما والذي يبقى دائما رغم تقدم السنوات، والصراع هنا ذاتي يوجد بداخل لكل منهم فالجميع يعلم خطأ ما يفعل على الأقل أمام نفسه والمجتمع فمن المفترض أن يتزوج كل شاب من الفتاة التي تناسب سنه وحياته وجيله وتطلعاته والسيدات لا بد وان يكن جدات فقط لا عشيقات ولكن التغير الحادث في الفيلم وفي أحداثه هو ما يجعل هناك دراما مختلفة جريئة مبنية على صراع مركب وعلى مواجهة صعبة وجرأة في مواجهة المجتمع من خلال تلك العلاقة وهذا الحب الذي لا يمكن لقوة أن توقفه وخاصة لو كانت قوة المجتمع هذه تقع في بلد منفتح مثل مكان الأحداث وليس في مجتمع مغلق كمجتمعاتنا العربية . والشخصيات هنا تجدها مركبة لا تستطيع فهمها بسهولة ، فمن أين تأتي هاتان السيدتان بهذا الكم من المصالحة مع النفس وتبرير ما تفعلان، فهما سيدتان في الأربعين من العمر أو يزيد تقعان في حب شابين في عمر صغيرة ! ومع ذلك نجدهما غير نادمتين أو شاعرتين بعبء كبير ، صحيح أننا أحيانا ما نرى ندمهما إلا أنهما أيضا لا تكترثان كثيرا والسر هنا ربما في تلك العلاقة الحميمة هي علاقة الشخصية بالمكان الذي نشأت وتربت فيه حيث لم تجد كل سيدة بجانبها دائما غير رفيقتها وغير هذين الشابين فهم ملتصقون دائما يذهبون ويأتون ويصحون وينامون معا وفي نفس الوقت حتى أن السيدة ترفض أن ترافق زوجها الذي سافر كي يشق طريقه ويبحث عن مستقبل أفضل له ولابنه إلا أن عاطفة المكان والصحبة مع هؤلاء تمنعها من ترك الأمر . أما الشابان الآخران فهما يشبهان أمهاتهما بشكل كبير فالالتصاق بالمكان والعلاقة الحميمة يبعضهما البعض وبالمكان الذي يعيشان فيه هما اللذان يحددان تصرفاتهما معا والشابان هنا قد تربيا على أيدي هاتين السيدتين فأصبح التعلق بهما شيئا طبيعيا فهي علاقة عشق وأمومة وصداقة وكل شيء لذا ليس من العجيب على شخصيات كل شاب أن نجده متعلقا بسيدة في عمر أمه حتى وان كانت لا تناسبه فالاتصال بينهم موجود دائما لا ينقطع أبدا . عندما تكون الموسيقى موظفة على نحو لائق فانها تملك القدرة على تغيير النبرة الانفعالية للمشهد… الموسيقى تقوم بما هو أكثر من تكثيف الانطباع بالصورة البصرية، بتقديم ايضاح مواز للفكرة ذاتها. انها تفتح الاحتمال لانطباع جديد ذي مظهر متغير، وللمادة نفسها: شيء مغاير في النوع والطبيعة، منغمرين في العنصر الموسيقي الذي تخلقه الازمة، نحن نعود المرة تلو الأخرى إلى الانفعالات التي وهبنا اياها الفيلم، وتجربتنا تتعمق في كل مرة بواسطة انطباعات جديدة مع تقديم المتوالية الموسيقية، الحياة المسجلة في الكادر يمكن ان تغير لونها ومظهرها، واحيانا حتى ماهيتها Anne Fontaine : مخرج الفيلم يعتبر من اولئك المخرجين ذوي الرؤى العميقة الخاصة، انه ينتمي الى تلك النوعية الجادة من السينمائيين الذين يتعاملون مع الجمهور باحترام خال من الرياء والتملق، ناشدين المشاركة الفكرية، والتخيلية وذلك عبر بلاغة بصرية، ورؤية للحياة والعالم واعية وثاقبة عالمه، السينمائي يدعونا الى التأمل لا الاثارة والتشويق. انها عناصر من الكلاسيكية والحداثة، معتمدة على ايقاع مغاير يتسم بالبطء والتريث عبر لقطات طويلة تستغرق دقائق دون قطع وعبر معالجة للزمن والمكان فقد استطاع المخرج هنا أن يوضح لنا ببساطة شديدة ومن خلال التركيز في بداية فيلمه ونهايته وأيضا طوال الأحداث في إبراز طبيعة المكان المحيط بتلك الأسرة والذي لا يقوى أي إنسان أن يبتعد عنه بسهولة لكي يؤكد لنا على ذلك التعلق ليس فقط تعلق الأفراد ببعضهم البعض ولكن أيضا تعلق الأفراد بالمكان الذي يعيشون فيه ولا يستطيع احدهم أن يتركه، فكان المخرج هنا ممهدا لنا في الدخول لتلك العلاقة الحميمة الجغرافية التي جعلت الأبطال غير قادرين على التخلي عن المكان حتى وان كان بدافع المستقبل والبحث عن عمل أفضل أو مستقبل جديد ، فكانت الطبيعة الساحرة المعروضة أمامنا بشكل دائم تجعلنا موافقين على عدم رحيل ‘توم’ الى سيدني حتى وان كان هناك مستقبله الذي يبحث عنه .