إن العالم أبهى وأعمق من تلك الصور التي تضج بها قصائد تُسطّح رؤيتنا لهذا الوجود. نحن نستحق شعراً مجنوناً وحكيماً في آنٍ معاً، تماماً كما يصفه أدونيس بأنه الجنون الحكيم. شعر يرى أن ‘العقل يد بلا أصابع’.
‘أحلمُ وأطيع آية الشمس آتياً في سديم الإشاراتِ’
ما بين الظاهر المستسلم والخفي المدمّر تلتقط كائنات أدونيس الإشارات لتتشكّل من جديد، بما أن زغب الأسئلة قد نبت والواقع بنى مسرحه على أفق شعري ملتهب.
هنا تأتي الأبجدية لتعذّب الأسئلة، لتصير متاهة. هي أبجدية أدونيس الثانية، التي تستحضر العواصف بمهارة وتصلبها على الجدران أمامنا كشاهد على ملكيتنا الحصرية للعتمة.
يدلّ أدونيس على الأوقات اللاذعة كمحاولة لاستدعاء الأمل قبل أن يتآكل بفعل ما لدينا من أسباب الهلع.
بالأبجدية وحدها نحفر ونشكو ونغذي فطنتنا الكاسرة قبل أن نُصعق بين الأزمنة.
نعم، ما لدينا من بذور لا يكفي تحت هذه السماء المقيّدة، لذا حيث تُنصَب الشباك ويكمن الخوف، تتراصّ كلمات أدونيس لتصيبنا بجفاف في الحلق، وتصبغ هواءنا بالحمرة.
ليست نظرته قاسية، ولا هو يرقب الأرض من عليائه، بل على العكس، الهواء من حوله شفاف، وللسعادة أجنحة وبراعم قادرة على ملئنا بالعبير..العبير الذي يخترق الدغل كي ينسكب الضوء.
معه الشعر يروي ويأكل من ألم التاريخ برؤية نادرة ومتّقدة. دائماً يدلّ أدونيس على العين التي تأكل الظلمة لترى، والتي تُقلق الأطياف الهاربة في الوقت المشبوه من ماضٍ مشبوه.
من أعالي الصخور ستنفجر الكلمات الفوّارة والشكّ المنجي ليجرح الوعي.
تماماً هذا ما يفعله أدونيس، هو يجرح وعينا بالأبجدية.
في الأبجدية تحيا الأماكن، تزفر بريقها وعتمتها معاً.
ومع أن أدونيس يعيش في جناحي يمامة، ويطير في فخ، إلا أن أبجديته ضد الزمن لأنه أبداً في حالة انخطاف ما بين الأرض والشمس. الأمكنة معه مكنَّرة بشهوة البدء والتكوين، ومن شعره و جنونه الحكيم يحلم ويطيع آية الشمس.
‘ الشعر هو جنوننا الحكيم’.
باللهب الذي يسكن في الكلمات يتسارع الحلم وتلهث الأسئلة ما بين الظاهر والباطن، والمادة وخرائطها، بل حتى أنه يفكر بابتكار فراغ يتسع لأهواله، حيث تحتويه نجوم قصابين وتحنو عليه ليهتدي بها، كما ضوء نيتشه.
‘فيما أقرأ نيتشه وأحسبه طوفاناً’.
هنا تتحد السيرة المتألمة مع ألم المحيط، مع السيرة الكونية والاحتكاك بواقع غير آمن.
بالسرد يشاكس أدونيس الشعر، ويخلط عناصر الوجود رغبة في التشكيل الأبهى مستخدماً الصور الرمزية مستعيناً بمهارة الإيماء إلى المجهول المقلق.
وهكذا تتعدّد الأدوات والغاية دائماً الصفاء الشعري لصور مُنتَقاة بأناة، وكل ذلك بعيداً عن ثقل الرمز والإرث التاريخي المزمن حتى تخرج الكلمات عن ولائها للصور الرتيبة، حيث لا فجوات ولا غلالات كتيمة، وبعيداً كل البعد عن التطريب والتأثير الموسيقي بتحرير الشعر من أوهامه بل ودعمه في توهجه وتألقه ومغايرته وتمرده، وهكذا دأب أدونيس على البحث في أسرار اللغة ومفاتنها مطعّماً إياها بإيحاءاته الفلسفية التي تزيد من بريق الصور الشعرية، خاصة المُشبَعة بالرموز الضوئية، فيسقط الزمن حتى لا يعود من جديد ذكرى مسحوقة لمسحوقين. وهذا لا يتأتّى إلا للغة تشك وترتاب..لغة قادرة، وغير عاجزة، لغة يذوّب فيها أدونيس التصوّف والشعر في المعرفة كي يلمس التناقض في وجودنا هذا، بل ويتجاوزه أحيانا ويعاديه ليبشّر باللامحدود تمجيداً للجوهر، لا المؤقت والعابر.
‘سأرى بعين التراب وأسمع بأذن الحجر’.
صور أدونيس مدوية، قادرة واستثنائية، لا حاجة لها للالتفات إلى الوراء.
‘ أنا الأسطورة والهواء جسدي الذي لا يُبلى’.
صور يبرمجها مد شعري طليق يسبق الوهم وكأنه مصنوع من نور إذ يطوف دائماً وأبداً بلآلئه المبثوثة من الزمن وخارجه..صور لا تموت.
تارةً يُدوّن الصدى ويقرأ الأفق، فاليقين عنده الآن شحّاذ،
‘ وبعين الشيء حدّقت لكي أشهدَ
أن القصب المائل آهاتٌ
وأن الموت للعابر في قافلة المعنى حقولٌ من خزام’.
وتارة يغوص حتى الجذور التي تكنز الضوء.
‘وأقول لجلقامش:
أنتمي لا لإسم ولا ملة
لغتي ملّتي’.
الزمن عند أدونيس حر، يمنحك ذاك الإحساس بالامتلاء، مع أنه يمارس علينا سلطة تعبيرية حارقة، ويدفعنا لنتلبّس خطاه، إذ يستدرجنا لفك شيفرة الكون بإبداعه المختلف سواء بمكاشفاته أم بلغته المتحيّزة دائماً للألق.
إذاً هي ميثولوجيا خاصة ذات ملمس روحي، فيها نتقاسم معه كنوزاً وفيرة.
‘وأقول لجلقاميش:
أتسلّح بالشعر كي أتحدث مع كبد الأرض مع زهرة
مع بقايا رحيل’
وفي أماكن أخرى يجمع الأسطورة والسيرة بشقيها المحفوظ والتاريخي ويوحد بين لغاتها وصورها، وبعد كل هذا التشويش والدمج يسطع الشعر المصفّى نقياً خفيفاً من ثقل العتمة بلغته القاطعة، ليمكّن الشك منا. إذاً هي عملية خرق للآفاق برؤى تتقاطع وتتجاذب، فتعلو الصور وتعلو بنزعتها الحارقة إلى المطلق، حيث الأكوان الأعلى والأنقى، والغرض دائماً تحقيق الدهشة.
‘ألمس الضوء الذي يعمل كالمحراث
وأكتشف كيف يظل الشاعر طفلاً وله عمر الأفق.’
أدونيس يُجيد تخصيب الحاضر بألق الماضي، متجاوزاً همّ الإبداع إلى الحيرة ضمن كادر جمالي لقصيدة تطهّر نفسها بنفسها متخلصة من صرامة الرؤيا بحمولتها الزائدة لانتصارات وهمية.
أدونيس يضيء المصابيح بانتظار القارئ الشغوف الذي يصدق أن الماء يحتوي النار وأن الأجنحة تقسم الفضاء، إذاً هو يستعير ما يشاء من حواس الطبيعة، فيأخذ منها وتأخذ منه.
‘صباح الخير أيتها الجدة الطيبة
هل بُني بيتك من جسد الأرض أم من جسد السماء؟
الآن يخرج من بين ذراعيك قوس قزح كأنه يتدلّى
من أعناق غيوم بلون الدم يضع رأسه
على القدس وقدميه في نهر الأردن، _’
هنا يشرد التاريخ ليمسك به بكلمات تنتشي في أثير المكان، يغزوها وتغزوه، وكل شيء يتم تحت سلطة البصيرة اللامعة.
المكان مرة أخرى …المكان بأبجديته الخاصة.
‘نسمع كلمات في حنجرة عدنٍ لا شواطئ لها’
‘الصحراء تابوت يتنقّل على رؤوسنا واللغة ببغاء في قفص الرعب’
حينما يغزو الشعر المدن، تتكسر الأزمنة على جغرافية شعرية لتحضر الأماكن وأسماء من رحلوا، نيتشه، مالارميه، رامبو، لافونتين وغيرهم.
قصيدة أدونيس قد حسمَت أمرها، وقادتنا منذ قصائده الأولى إلى شعر الرؤيا بتكثيفها المحبب واختراقها الآمن للزمن والأسطورة، بلغة لافتة، تكشف عن موقف أدونيس الواضح من الواقع مع الحفاظ على درجة الخيال العالية، من خلال أسئلة شعرية توقظ أسئلة وجودية لا مفر منها.
‘يد الحجر ترسم المكان’