إذا بدا ذلك مثل وقف إطلاق نار وسار الأمر كما في وقف إطلاق النار فهذا كما يبدو هو وقف لإطلاق النار. في الجيش الإسرائيلي اعترفوا بدون صعوبة هذا الأسبوع أن إسرائيل وحماس بدأتا تطبيق المراحل الأولى من الاتفاق الذي يمكن أن يؤدي إلى تهدئة طويلة في القطاع. لوزير الدفاع ليبرمان كان الأمر أكثر صعوبة، وفي مقابلة مع شبكة الأخبار، مساء أمس، قال ليبرمان دون أن يرف له جفن بأنه ما من تفاهمات بين إسرائيل وحماس، وكأن الوسطاء من الأمم المتحدة ومن المخابرات المصرية ينتقلون بين تل أبيب وغزة فقط من أجل الاجتماع مع ممثلي لجان الأحياء كما اعتادوا على تسميتهم هنا «الوجهاء المحليين».
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أكثر حذرًا، ومنذ يوم الأحد امتنع عن التطرق مباشرة إلى الاتصالات مع حماس. وعن مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية ليس هناك ما يمكن الحديث عنه، لكن الحسابات النشيطة لنتنياهو على شبكات التواصل الاجتماعي هي الأخرى صامتة بهذا الشأن.
وبالإشارة إلى موقفه فربما يمكن سماعه في مراسيم تبديل وظيفة سكرتيره العسكري أمس الأول، «ثمن الحرب باهظ وفظيع، وبإدراك أنه ليس لدينا سوى ذلك، فهذا يطرح دائمًا: كيف يجب علينا تقليصه؟». هذه الصياغة غير معتادة لدى نتنياهو ولكن الرسالة واضحة: للحرب يذهبون عندما لا يكون هناك خيار آخر.
قبل بضعة أسابيع بدا أن نتنياهو يمكن أن يخضع للضغوط من اليمين ثم شن حرب زائدة حول الطائرات الورقية الحارقة، وأوصى الجيش بالحذر، وفي النهاية تغلب العقل السليم. بالمناسبة، من يجب عليه تطبيق الاتفاق المتبلور هو السكرتير العسكري السابق لنتنياهو، العميد اليعيزر توليدانو، الذي سيُعين في الأسابيع القريبة قائدًا لفرقة غزة.
هذا الاتفاق يتلاءم بدرجة كبيرة مع التفاهمات التي تم التوصل إليها في نهاية عملية «الجرف الصامد» قبل أربع سنوات. القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي، خلافًا لبعض الوزراء، لا تعتقد بوجود اشتراط تحسين البنى التحتية في القطاع ـ مياه وكهرباء ومجار وغذاء ودواء ـ بحل فوري لقضية الأسرى والمفقودين الإسرائيليين المحتجزين في القطاع. الاتفاق الجديد يبقي الباب مفتوحًا أمام تسهيلات مهمة أكثر مستقبلاإذا تم الحفاظ على وقف كامل لإطلاق النار لفترة طويلة. إنه لأمر صحيح حتى الآن أن سلوكًا محسوبًا للمستوى السياسي والمسؤولية التي أظهرها المستوى العسكري منع حربًا في غزة هذا الصيف.
خلف دونالد
إذا تم التوصل إلى هدوء في القطاع فإن هذا سيمكن الجيش الإسرائيلي من أن يعود ويركز كل اهتمامه على الجبهة الشمالية، وبالأساس على المعركة الاستخبارية والعسكرية مع إيران. محادثات مع عدد من الشخصيات الإسرائيلية والأمريكية رفيعة المستوى، على المستوى السياسي والأمني، تظهر تفاهمات مشابهة جدًا، تسمع في القدس وواشنطن بخصوص الواقع الاستراتيجي الذي نشأ بعد إعلان الرئيس ترامب عن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في أيار الماضي.
حسب هذه المعطيات، فإن استراتيجية النظام في طهران منذ أيار هي الانتظار بصبر لذهاب ترامب. الإيرانيون يأملون أن يخسر ترامب في الانتخابات الرئاسية في 2020. وحتى ذلك الحين هم يخططون للتخندق وصك الأسنان. العنصر المهم جدًا في الاستراتيجية الإيرانية هو إبقاء الاتفاق النووي على حاله حتى ولو فقد من قيمته الاقتصادية بسبب العقوبات الأمريكية الجديدة والضغط الذي تشكله على الشركات الأوروبية لعدم التجارة مع إيران.
الولايات المتحدة تضغط الآن أيضًا على الهند والصين واليابان لإلغاء صفقات مع طهران والامتناع عن توقيع صفقات جديدة. ولكن حتى لو أن الاتفاق لم يدخل دولارًا جديدًا آخر إلى إيران فإن أهمية مزدوجة ما زالت له: يمكنه أن يستخدم كبوليصة تأمين ضد محاولة ترامب بلورة تحالف دولي لعقوبات أكثر شدة، ما يمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن هجوم عسكري ضد إيران بدعم دولي. سياسيًا، طالما أن الاتفاق صامد وإيران تنفذ تعهداتها في إطاره، لن يستطيع ترامب تجنيد ما يكفي من الدعم الأمريكي الداخلي لشن عملية عسكرية.
في إسرائيل يعتقدون أن ملاحظة ترامب في الشهر الماضي حول استعداده للالتقاء مع زعماء إيران، قيلت في إطار حرف الأنظار، ولا تمثل تغييرًا في استراتيجية النظام. كان رئيس إيران حسن روحاني يريد اللقاء بترامب أو حتى إرسال وزير خارجيته محمد جواد ظريف للالتقاء مع شخصيات أمريكية رفيعة المستوى. يعرف روحاني أنه في اللحظة التي يتسرب فيها اللقاء إلى المراسلين فإن قيمة العملة الإيرانية، الريال، سترتفع والجمهور سيشعر بقليل من الأمل، إلا أن روحاني سيجد صعوبة في العمل إزاء معارضة حرس الثورة، بما تسميه مصادر إسرائيلية «تصادم بين اعتبارات المال والشرف القومي الإيراني».
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الفرق الأساسي بين سياسة ترامب وسياسة النظام السابق لبراك أوباما هو أن الولايات المتحدة مع نظام ترامب تشكل تهديدًا عسكريًا حقيقيًا على إيران، كما حدث أيضًا في حالة كوريا الشمالية. وفي طهران يعتبرون ترامب مجنونًا ومؤيدًا متحمسًا لإسرائيل الذي سيمكنها من العمل كما تشاء. في محيط نتنياهو يأملون أن التهديد المدمج هذا سيعيد الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، إلا أن طهران تخشى ذلك، وترى في وثيقة 12 نقطة التي عرضها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبايو قبل شهرين، مطالبة من النظام لتغيير كل نشاطاته.
مارك دوفوفيتش، الخبير في الشؤون الإيرانية في «معهد الدفاع عن الديمقراطية» في واشنطن، والذي لديه علاقة متواصلة مع عدد من كبار مستشاري ترامب، قال للصحيفة إن «شخصيات رفيعة المستوى سابقة في إدارة أوباما هي التي تنقل للإيرانيين هذه الرسائل منذ سنة: اجلسوا بهدوء، ترامب سيكون رئيسًا لولاية واحدة، لذلك كل ما يجب عليكم فعله هو أن تصمدوا في السنتين والنصف القادمتين، في حينه سيأتي رئيس جديد وسيعيد الاتفاق إلى سابق عهده. الرسالة التي يسمعها الإيرانيون من هؤلاء الأشخاص هي: لا تستفزوا ترامب، لا تعطوه ذريعة كي يحطمكم أو يذهب إلى عملية عسكرية.
حسب أقوال دوفوفيتش: «الإيرانيون في هذه الأثناء يتصرفون بالضبط بهذه الصورة، لكنني اعتقد أنه سيكون من الصعب عليهم التمسك بهذه السياسة لفترة طويلة. العقوبات التي عادت إلى سابق عهدها في هذه الأثناء هي العقوبات الأبسط، بصورة نسبية. الضربة الحقيقية ستأتي في بداية تشرين الثاني القادم، مع العقوبات في مجال الطاقة. الإدارة تخطط لجولة أخرى من العقوبات في بداية 2019. من السهل القول: أن نجلس سنتين وننتظر. من الصعب فعل ذلك عمليًا لأن الاقتصاد متدهور والناس في الشوارع غاضبون».
إذا تجددت المفاوضات رغم كل ذلك، يقول دوفوفيتش، فإن ترامب يجب عليه الإصرار على لقاء بينه وبين الزعيم الروحي علي خامنئي، وليس مع الرئيس روحاني. «خامنئي هو الزعيم الحقيقي لإيران، وليس روحاني. كل مفاوضات مع روحاني ستكون وسيلة لإطالة الوقت، والتي سيستغلها الإيرانيون من أجل جني أرباح اقتصادية بدون التنازل فعليًا عن أي شيء»، وحسب أقواله أيضًا، فإن الولايات المتحدة يجب عليها وضع شروط أخرى لتجديد الاتصالات، انضمام رسمي أوروبي للعقوبات الموجهة ضد البنوك الإيرانية.
«يجب إدارة مفاوضات معاكسة لما اعتاد عليه أوباما الذي قلل الضغط على إيران طالما أن المحادثات تتقدم»، وأضاف: «ترامب يجب أن يزيد الضغط خلال المفاوضات. الرسالة التي سيستوعبها الإيرانيون من هذه الخطوة هي أنه لا يمكن استخدام المفاوضات من أجل تخفيف العقوبات. إذا أردتم تسهيلات فإن الطريقة الوحيدة تكون عبر اتفاق، ومن أجل الاتفاق يجب تقديم تنازلات».
دمشق خارج التفاهمات
في جهاز الأمن الإسرائيلي يقدرون أن وثيقة بومبايو أعادت للسياسة الأمريكية في المنطقة درجة من التوازن المطلوب. الولايات المتحدة أوقفت تركيزها على هزيمة داعش، وهي عملية حيوية والتي كنتيجة ثانوية لها زادت قوة إيران وتمت إعادة تأهيل نظام الأسد في سوريا ـ بل تسأل نفسها كيف يمكن وقف نفوذ طهران. إذا كان نتنياهو استحواذيًا بعض الشيء بخصوص التهديد النووي، فإن استحواذ رئيس الأركان غادي آيزنكوت هو تقييد خطوات الإيرانيين في سوريا.
الأمريكيون، وهذا يحدث للمرة الأولى في ظل نظام ترامب، يكرسون الآن جهودًا أكبر لصد قاسم سليماني، قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني ورجاله. لقد نسب لإسرائيل أسهامًا في ذلك في السنة ونصف السنة الأخيرتين في العملية المنهجية ضد الإيرانيين في سوريا. لم تطبق طهران حتى الآن خطتها لتعزيز المليشيات الشيعية وإنشاء مواقع عسكرية في الدولة: حلمها الكبير هو مليشيا شيعية تتكون من 100 ألف مقاتل تتموضع بصورة دائمة في سوريا، وتوقفت الآن عند العشرة آلاف.
في الأسابيع الأولى، وبعد احتلال هضبة الجولان من جديد من قبل نظام الأسد، يبدو أن روسيا تفي بوعودها لإبعاد الإيرانيين إلى مسافة 85 كم عن الحدود مع إسرائيل. ولكن هذه التفاهمات يتضح أنها لا تشمل منطقة دمشق. يتم الحفاظ على وجود إيراني، ولهذا لن يكون مفاجئًا إذا واصلت إسرائيل هجماتها من حين لآخر ضد مواقع عسكرية حول العاصمة السورية.
هآرتس 17/8/2018