بدون حزب ثوري، سوف تظل الثورة المصرية تراوح مكانها، تعجز عن التقدم، وربما تنتكس، وكما جرى من قبل بحكم جماعة الإخوان، أو كما يتناوشها الآن خطر العودة لحكم جماعة مبارك، أو ما يشبهه، خاصة لو جرت الانتخابات البرلمانية المقبلة بالنظام الفردي الذي يهدر أصوات غالبية الناخبين، ويعطي المجال واسعا لتأثيرات المال والبلطجة والعصبيات العائلية.
وفي كتابى ‘الأيام الأخيرة’، الذي طبع عشرات المرات، وصدرت طبعته الأولى في حزيران/يونيو 2008، كانت الصورة في توقعاتي واضحة قاطعة، قلت وقتها ان خلع مبارك وعائلته أمر مفروغ منه، لكن خلع الرأس لا يعني تغيير النظام فورا، وتوقعت فوز ‘الإخوان’ في أول انتخابات تجرى بعد خلع مبارك، وبالنسبة التي فازوا بها في ما بعد بالضبط، وقلت ان حكم الإخوان سيكون ‘القرين’ لا ‘البديل’ لحكم مبارك، وان الاختيارات الأساسية للنظام الذي تقوم الثورة عليه سوف تظل كما هي، وبإيحاءات دينية سرعان ما يتكشف خداعها، ودعوت وقتها إلى الحل الذي لا بديل بدونه، وهو إنشاء حزب وطني جامع، يلعب فيه الناصريون بالذات دورا مؤسسا، ويتقدم إلى المشهد في صورة ”، وكبديل عن جماعة الإخوان التي وصفتها وقتها بأنها ‘الحزب الذي ينتظر مصر’، وفي التفاصيل، وصفت وقتها الحزب المنتظر بأنه إلى اليسار وإلى الأمام معا، إلى اليسار بالمعنى الاجتماعي، وإلى الأمام بمعنى المقدرة على تلمس العناصر المشتركة بين مدارس الوطنية المصرية. وقلت وقتها ان الحزب المنتظر ليس أيديولوجيا مغلقا، ولا هو حزب للعلمنة مقابل التدين، بل حزب للتجديد مقابل التقليد، وبإيحاءات المثال التركي، قلت وقتها ان مصر وثورتها تنتظر حزبا للعدالة والتنمية في الاتجاه المعاكس، أي حزبا من اليسار إلى الوسط، وليس حزبا من اليمين إلى الوسط، كما هو حال حزب رجب طيب أردوغان.
وبعد شهور قليلة من بدء السنة التي حكم فيها مرسي، بدت الأزمة ظاهرة، فقد تبين للناس ما كان معلوما عندنا من السياسة بالضرورة، وظهر حزب الإخوان على حقيقته، كحزب للثورة المضادة، فيما بدت الثورة مفتقدة لحزب كبير مؤثر يعبر عنها.
صحيح أن ثمة أحزابا صغيرة نشأت بعد الثورة، وبدا بعضها بدرجة أو بأخرى قريبا من روح الثورة، لكن علة النقص ظلت سارية، فليس من حزب كبير مؤثر يصلح كعمود فقري ناظم للحالة الثورية، ويشد إليه ما سواه من الأحزاب والجماعات والحركات الأصغر وزنا وتأثيرا، وبدا أن ‘التيار الشعبي’ الذي أسسه المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي هو الأكثر تأهيلا للمهمة المطلوبة، فلديه صلات تداخل منظورة مع جماعات اليسار الناصري والماركسي، ومع حركة ‘كفاية’، التي نشأت من قلبها في ما بعد مبادرة حملة ‘تمرد’، ومع عدد هائل من المبدعين والشخصيات العامة في كافة المجالات، لكن ‘التيار الشعبي’ لم يعلن نفسه حزبا بعد، وهذه هي المشكلة الجوهرية، التي حاولت مع غيري تجاوزها بإقامة تحالف سياسي ثوري ثابت، وعلى أساس من الفكرة العامة الهادية لصفات الحزب الثوري المطلوب في ظروف مصر الراهنة، وكادت المساعى تنجح، وبلورت كيانا حمل اسم ‘ائتلاف الوطنية المصرية’، كان لي شرف صياغة بيانه التأسيسي الأول، وضم الإئتلاف ـ إلى جانب ‘التيار الشعبي’ ـ أحزاب اليسار وأحزاب الناصريين وحركة ‘كفاية’، وامتد ليشمل أحزاب الليبرالية الاجتماعية، كحزب ‘الدستور’ و’الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي’ وحزب ‘مصر الحرية’، وجرى اختيار الدكتور محمد غنيم ـ عالم مصر المرموق ـ منسقا عاما للائتلاف، وما كاد يتم الإعلان الأول عن الكيان الجديد، حتى تدافعت الحوادث في اتجاه عاصف، فقد أصدر مرسي إعلانه ‘الدستوري’ المنكود في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، واجتمعت دواعي الرفض على نطاق أوسع، وأجمعت فئات من اليمين مع الوسط واليسار على معارضة مرسي، ولجأت مجددا إلى حركة الشارع، وتكونت ‘جبهة الإنقاذ الوطني’ التي ذابت فيها أطراف ‘ائتلاف الوطنية المصرية’، ثم نشأت بعدها بشهور حملة ‘تمرد’، التي انتهت إلى إطاحة مرسي في ثورة 30 يونيو 2013، التي بدت كموجة ثالثة في سيرة ثورة بدأت في 25 يناير 2011، لكن الصورة نفسها عادت للتكرار، تقوم الثورة فلا تحكم، وينتهي الحكم إلى ‘الأغيار’، وكما ذهب الحكم لمجلس طنطاوي وعنان ثم إلى الإخوان بعد ثورة 25 يناير 2011، فقد ذهب الحكم بعد ثورة 30 يونيو 2013 إلى إدارة رئاسية ووزارية هجينة، ليست ثورية بالقطع، ولا هي منتخبة، بل سلطة مؤقتة إلى أن تجري انتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة.
وعند الانتخابات ـ كما في الامتحانات ـ تكرم الثورة أو تهان، ونخشى ـ للأسف ـ أن تتكرر إهانة الثورة، وأن تفوز فئة تشبه جماعة مبارك، خاصة لو جرت انتخابات البرلمان بالنظام الفردي، وقد يضاف إليها نفوذ مستجد لأحزاب اليمين الليبرالي في جبهة الإنقاذ، ومع وجود محسوس لأحزاب اليمين الديني كالنور، وربما ‘الإخوان’ لو شاركوا، بينما تنتهي جماعات وأحزاب الوسط واليسار إلى وضع الأيتام على موائد اللئام، فقد انفكت رابطة ‘ائتلاف الوطنية المصرية’ مع الذوبان السريع في إطار ‘جبهة الإنقاذ’ المختلط الطارئ، الذي يتفكك الآن موضوعيا مع استنفاد المهمة المشتركة، بينما ظلت الساحة خالية من حزب للثورة أو تحالف قادر على الفوز الحاسم انتخابيا، ونقل الثورة إلى موضع السلطة، وكسر ثنائية تناوب جماعة الإخوان وجماعة مبارك على الحكم، وهي ‘الثنائية اللعينة’ المفرغة التي لا يصح الحديث عن انتصار نهائي للثورة بدون كسرها، والخروج من شرنقة التخلف والانحطاط التاريخي الذي آلت إليه أوضاع مصر خلال الأربعة عقود الأخيرة.
هذه الحالة من القابلية لانتكاس الثورة تفسر حيرة الجمهور المصري، والعودة لترديد سؤال ‘مصر رايحة على فين ؟’، فقد لا يكترث غالب المصريين بمصير الإخوان، وقد نزلت شعبية الإخوان إلى أدنى حد، وقد يعلق غالب المصريين أملهم على انتخاب الفريق عبد الفتاح السيسي رئيسا، لكن رئاسة السيسي، مع افتراض ترشحه، ومع شعبيته الهائلة، ومع إيحاءات عبد الناصر فيه، مع كل هذه الميزات، قد لا يكون طوق نجاة مؤكدا للثورة المغدورة، فالأهم ـ عندنا ـ هو التغير في مشهد السياسة، وبصورة تجعله قريبا من مشهد الثورة، والتناقض بين مشهد الثورة ومشهد السياسة هو معضلة مصر الآن، وانتخاب السيسي مع برلمان يميني ينتكس بالثورة، ويزيد القلق الثوري في الشارع مجددا، ولا يستقر بالثورة عند شاطئ ختام.
المطلوب: تغير جذري في مشهد السياسة، وكنس ركام اليمين ‘الفلولي’ والليبرالي والديني معا، وهذا اليمين ـ على اختلاف راياته ـ يكرر ذات اختيارات مبارك الجوهرية، وهي: الولاء للأمريكيين، وحفظ أمن إسرائيل، ورعاية مصالح رأسمالية المحاسيب. بينما المطلوب، إحلال اختيارات الثورة الجوهرية، وهي : الاستقلال الوطني والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية، وهو ما لن يتحقق ـ في ظننا ـ بغير تحطيم معادلة ‘اليمين الفائض’ و’اليسار الغائض’ التي نكبت بها مصر، وأول الطريق ـ عندنا ـ هو إعلان حزب قادر للثورة، يضم إليه في إطار مشترك أطيافا وجماعات من القوميين واليساريين والليبراليين الاجتماعيين وشباب الثورة والإسلاميين في حزب عبد المنعم أبو الفتوح، وقد لا يكون الطموح وارد التحقق بالسرعة المطلوبة، خصوصا مع اقتراب أجواء الانتخابات بمزايداتها ومناقصاتها، لكن ما لا يدرك كله لا يصح أن يترك جله، والمهمة العاجلة ـ في ما نظن ـ أن يعلن ‘التيار الشعبي’ نفسه حزبا سياسيا، وأن يفتح الباب لاندماج من يشاء من أحزاب وكيانات في بنيانه الوطني الجامع، وأن يكون مع حركة ‘كفاية’ وحملة ‘تمرد’ حلفا ثابتا وقائمة انتخابية موحدة، وأن يجتذب إلى التحالف الانتخابي أطياف ‘ائتلاف الوطنية المصرية’ من اليسار والوسط، وأن يعطي الأمل في إمكانية انتصار الثورة عبر صناديق الانتخابات، فافعلوها الآن من فضلكم، وتعلموا الزرع بعد الخلع، أو انتظروا ثورة ‘خلع’ مقبلة قد لا تبقي ولا تذر.
كاتب مصري