القاهرة ـ «القدس العربي»: قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن السلطات المصرية ألقت القبض على أكثر من 12 شخصا في حملة ضد الفنانين، بسبب ممارستهم لحريتهم في التعبير.
وتناول تقرير للمنظمة بعنوان: «مصر.. حملة لسحق حرية الفن»، مجموعة من الأوامر والمراسيم الجديدة التي استحدثت رقابة حكومية إضافية.
وحسب التقرير «في 11 يوليو/ تموز، أصدر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي المرسوم رقم 1238 لعام 2018، الذي يفرض قيودا شديدة على تنظيم أي فعاليات ثقافية أو فنية أو محلية أو دولية، من الحكومة أو جهات غير حكومية».
وتلزم المادة 2 من المرسوم «جميع منظمي الأحداث بالحصول على ترخيص مسبق من وزارة الثقافة، بعد التنسيق مع السلطات المختصة في الدولة»، وفق المنظمة، التي بينت أن «في 12 مارس/آذار، أصدرت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبد الدايم مرسوما بإنشاء 8 مكاتب جديدة لهيئة الرقابة على المصنفات الفنية في 7 محافظات».
وأوضح التقرير أن «الهيئة هي وكالة رقابة قديمة، تراجع وتراقب الإنتاج الثقافي، خاصة البرامج التلفزيونية والأفلام والعروض المسرحية»، مشيراً إلى أنه «قبل القرار، المتخذ في أعقاب الضجة الإعلامية الموالية للحكومة ضد مسرحية سليمان خاطر، كان لدى السلطة مكتبان في القاهرة والإسكندرية فقط».
ويمتلك أيضاً «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو هيئة رقابة إعلامية تأسست في أبريل/نيسان 2017 ويعين الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسه، سلطة رقابية واسعة».
وقد أنشأ هذا المجلس «لجنة الدراما» في ديسمبر/كانون الأول 2017 لـ«الإشراف والرقابة على الأعمال الدرامية التلفزيونية على شبكات التلفزيون المصرية».
المنظمة بينت كذلك «منذ فبراير/شباط 2018، اعتقلت السلطات أو حاكمت شاعرا ومغنية شعبية بارزة وكاتبا مسرحيا وراقصة شرقية وممثلين ومنتجي أفلام مصريين عديدين بسبب أعمالهم، واستدعت نيابة أمن الدولة العليا، المشرفة على قضايا الإرهاب، أو النيابة العسكرية، هؤلاء الفنانين للتحقيق، ويواجه بعضهم تهما متصلة بالإرهاب، وتناول التقرير عددا من هذه القضايا».
«خير نسوان الأرض»
وطبقاً لـ«هيومن رايتش ووتش»، «أصدرت محكمة عسكرية حكما على الشاعر جلال البحيري في 31 يوليو/تموز الماضي، بالسجن 3 سنوات بتهمة «نشر أخبار كاذبة» و«إهانة المؤسسة العسكرية».
وأشارت إلى أن «قوات الأمن اعتقلت البحيري في 3 مارس/آذار الماضي، واحتجزته، قبل عرضه أمام النيابة في 10 مارس/آذار الماضي، إذ قال محاموه إنهم شاهدوا علامات تعذيب شديد عليه. واستندت التهم الموجهة إليه إلى كتابه غير المنشور «خير نسوان الأرض»، الذي ينتقد قوات الأمن المصرية».
كما يخضع للتحقيق، تبعاً للتقرير ذاته في قضية أمام محكمة جنايات مدنية رامي عصام، وهو مغنٍ يعارض الحكومة علناً، بسبب أغنية (بلحة) الساخرة التي كتبها وغنّاها.
وأيضاً «في 25 يوليو/تموز الماضي، حكمت محكمة جنح عسكرية على المخرج المسرحي أحمد الجارحي، والكاتب المسرحي وليد عاطف، و4 من زملائهما بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ بسبب عرضهم مسرحية في (نادي الصيد) في القاهرة في فبراير/شباط الماضي. والمسرحية تعرض قصة سليمان خاطر، الجندي المصري الذي قتل 7 إسرائيليين، بينهم 4 أطفال، قرب الحدود المصرية الإسرائيلية في سيناء عام 1985 «.
وأشار التقرير إلى أن «الاعتقالات والملاحقات القضائية جاءت بعد أن قال السيسي في خطاب ألقاه في 1 مارس/آذار الماضي، إن إهانة الجيش أو الشرطة (خيانة عظمى)، وأمر (جميع الجهات الحكومية) بعدم السماح بتلك (الإساءة)، مضيفاً هذه (ليست حرية تعبير) من دون تسمية أي حادث محدد».
ومن بين الأسماء التي ذكرتها المنظمة في تقريرها «أسامة الهادي وهو مطرب وعازف غيتار، اعتقل أوائل مارس/آذار الماضي، وحققت نيابة أمن الدولة معه بتهمة الانضمام إلى منظمة إرهابية، بدعوى أنه كان مسؤولا عن صفحة المغني رامي عصام على «فيسبوك» لفترة. لا يزال في الحبس الاحتياطي».
وذكرت أيضاً «مؤمن حسن وهو صانع أفلام وثائقية وصحافي اعتُقل في 10 يونيو/حزيران الماضي بينما كان يعمل في فيلم وثائقي عن سليمان خاطر في شركة إنتاج خاصة، واحتجزته السلطات لمدة 29 يوما، وفقا لمحاميه، ومثل في 8 يوليو/تموز الماضي أمام نيابة أمن الدولة، حيث يواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة في القضية رقم 441/2018. أفاد محاميه أن الحراس عرضوه لصدمات كهربائية أثناء الاستجوابات التي سئل فيها عن الفيلم الوثائقي. لم يتم تحديد موعد للمحاكمة».
أما أحمد طارق «وهو محرر أفلام، عمل على الفيلم الوثائقي غير المنشور «1095»، أو «سالب 1095»، الذي يتعاطف مع حكومة الرئيس السابق محمد مرسي، فقد اعتقل في مداهمة لمنزله في الجيزة في 18 فبراير/شباط الماضي، وجرت مصادرة الكمبيوتر الخاص به وهاتفه المحمول، ومثل أمام نيابة أمن الدولة في 21 فبراير/شباط الماضي،واتهم بـ(نشر أخبار كاذبة عمدا)».
وامتدت الاعتقالات إلى جنسيات غير مصرية، حيث «اعتقلت الشرطة إيكاترينا أندرييفا، راقصة شرقية روسية تُعرف باسمها الفني (جوهرة)، في فبراير/شباط بسبب ملابسها. واتهمتها النيابة بـ«التحريض على الفسق» و«العمل من دون تصريح»، قبل أن تفرج عنها بكفالة».
مزحة شيرين
الفنانة المعروفة شيرين عبد الوهاب، لم تسلم من إجراءات استهداف الفنانين، إذ» احيلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إلى المحاكمة بسبب مزحة حول نوعية مياه نهر النيل قالتها على المسرح في حفل موسيقي في الإمارات، وأدانتها المحكمة بتهمة «إثارة الفتنة» وحكمت عليها بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ، لكن محكمة الاستئناف أسقطت الحكم في مايو/أيار الماضي».
في مايو/أيار 2016، «اعتقلت السلطات 6 شبان كانوا أعضاء في (أطفال شوارع)، وهي قناة يوتيوب، بعد نشرهم مقاطع فيديو ساخرة حول السياسة المصرية، وأفرجت السلطات عنهم بعد أشهر بكفالة».
كذلك «أصدرت محكمة جنح حكما بالسجن لعام مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 10 آلاف جنيه مصري (حوالى 600 دولار) ضد المنتجة رنا السُبكي، في يناير/كانون الثاني 2016، عن فيلمها «ريجاتا»، بعد إدانتها باتهامات بالتحريض على الفجور. في أبريل/نيسان، ألغت محكمة استئناف إدانتها».
في فبراير/شباط 2016، «حكمت محكمة الجنح على الصحافي والروائي أحمد ناجي بالسجن عامين وغرامة قدرها 10 آلاف جنيه (600 دولار). سُجن ناجي حتى ديسمبر/كانون الأول 2016، عندما أمرت محكمة النقض بإعادة محاكمته في مايو/أيار 2017، واستندت مقاضاته إلى روايته «استخدام الحياة»، التي اتهمته فيها النيابة العامة بـ«خدش الحياء العام» بسبب المشاهد الجنسية المزعومة فيها».
«كارما»
كما تناول التقرير إقدام الحكومة المصرية على منع أعمال فنية من العرض، وكان أشهرها الأزمة التي أثيرت في يونيو/ حزيران الماضي، عندما سحبت هيئة الرقابة على المصنفات الفنية ترخيص فيلم (كارما)، الذي أخرجه عضو البرلمان خالد يوسف.
ويسلط العمل الضوء على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، إضافة إلى الفساد. وكان يوسف أحد مؤيدي السيسي البارزين حتى اعترض على قرار الحكومة بالتخلي عن جزيرتي البحر الأحمر للسعودية عام 2016.
وفي مارس/آذارالماضي، منعت هيئة الرقابة عرض المسرحية في مهرجان وسط البلد في القاهرة لرفض المنتجين حذف 5 مشاهد.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، ألغت السلطات حفلة موسيقية لفرقة (كايروكي) المصرية قبل يوم من موعدها، بدون تفسير رسمي.
ويُعرف عن أعضاء الفرقة انتقادهم العلني للحكومة وأغانيهم التي تعبر عن المعارضة.
في يونيو/حزيران 2014، منعت وزارة الداخلية، حسب مصادر لم تكشف عن هويتها، المسلسل التلفزيوني «أهل إسكندرية» للكاتب والصحافي بلال فضل الذي أنتجته مدينة الإنتاج الإعلامي المملوكة للدولة.
وانتقد فضل، الذي كتب السيناريو، الحملة القمعية الدموية على المتظاهرين الذين دعموا مرسي في أغسطس/آب 2013، وغادر مصر بعد ذلك بوقت قصير، ويصور المسلسل فساد الشرطة في الفترة التي سبقت أحداث يناير/كانون الثاني 2011 في مصر.
إغلاق المكتبات
المنظمة أشارت إلى أن عمليات الرقابة والتضييق طالت المكتبات، ففي أغسطس/آب 2017، «أمرت جهة حكومية بإغلاق 37 فرعا لمكتبة ألف، ومصادرة كل المباني والمحتويات دون تعويض، وأدرجت الحكومة المالك، عمر الشنيطي، ضمن عشرات رجال الأعمال المزعوم أن لهم علاقات مع الإخوان المسلمين، الذين صودرت أصولهم».
وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، داهمت قوات الأمن عدة فروع لمكتبات الكرامة العامة، وأغلقتها قسرا.
وأسست هذه المكتبات «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، وهي تقدّم خدمات ثقافية للمجتمعات المحرومة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، وأيضاً في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، «داهمت قوات الشرطة (دار ميريت) بدعوى امتلاكها كتبا غير مرخصة. اجتمع المعارضون بشكل متكرر فيها خلال انتفاضة 2011 وبعدها، وانتقد مالكها الحكومة بشكل متكرر».
في أغسطس/آب 2014، بعد شهرين من فترة ولاية الرئيس السيسي الأولى، ألغى قسم شرطة في وسط مدينة القاهرة «الفن ميدان»، وهو مهرجان فني يُنظّم شهريا منذ أبريل/نيسان 2011.
وكان المنظمون أعضاء في ائتلاف يضم فنانين مستقلين أُنشئ خلال ثورة 2011. وأعلن المنظمون أنهم حصلوا على تصريح من محافظة القاهرة كما جرت العادة بعد الانتفاضة، لكنهم فوجئوا بتدخل الشرطة، ولم يعد المهرجان للعمل منذ ذلك الوقت.
وتضمن المهرجان «عروضا مسرحية وحفلات موسيقية وعروض أفلام ومعارض وورش عمل فنية».
كذلك أُلغي مهرجان «أشكال»، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، لأسباب قال عنها المنظمون إنها «خارجة عن إرادتهم».
مخالفة الدستور
واعتبرت المنظمة أن «مصر تخالف المادة 67 من الدستور المصري الذي يلزم مؤسسات الدولة بحماية ودعم الفنانين والتعبير الإبداعي».
كما تحظر المادة «صراحة احتجاز الفنانين بسبب التعبير الإبداعي، وتنص على أنه يُسمح فقط للنيابة العامة برفع دعاوى قضائية تهدف إلى تعليق أو مصادرة عمل فنان أو مقاضاة فنانين، إضافة إلى مخالفة مصر للمعاهدت الدولية، حيث مصر طرف في كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية». وينص الأخير على أن «أي قيود يجب أن تكون «بمقدار توافق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، وشريطة أن يكون هدفها الوحيد تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي».
وذكرت «هيومن رايتس ووتش» بإعلان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بإن «الحق في التعبير الفني يشمل حق جميع الأشخاص أن يجربوا بحرية ويساهموا في التعبيرات والإبداعات الفنية، من خلال الممارسة الفردية أو المشتركة، للوصول إلى الفنون والتمتع بها، ونشر تعبيراتهم وإبداعاتهم».