مريم الساعدي: «العيون البلورية للكتابة»

حجم الخط
0

 

هذه مقالات متنوعة الموضوعات، قصيرة، صحفية الطابع في أساس نشرها؛ وزعتها مريم الساعدي على أربعة أبواب: «هموم إنسانية»، «في محاولات التعرّف على الذات»، «كلمات»، و«في الفنّ والأدب». لكنّ الكاتبة قاصة في المقام الأبرز، وقد أصدرت في العام 2008 مجموعتها القصصية الأولى «مريم والحظّ السعيد»، أعقبتها «أبدو ذكية» و«نوارس تشي جيفارا»؛ ولهذا فإنّ الخيار الأعلى هيمنة على المقالات هو الأسلوبية السردية، سواء في بسط المادة على نحو حكائي (قد يُنتظر تلقائياً من قاصة متمرسة)، أو في تسخير نثر متعدد السطوح لجهة اللغة والمعجم والمجاز، أو حتى إيقاع الجملة وطبائع الإبلاغ الدلالي فيها. محتوى المقالات ــ وكما يُنتظر من كاتبة عمود أسبوعي، هنا أيضاً ــ تتغاير حتى ضمن الباب الواحد، فلا تقتصر الهموم الإنسانية على صبية من حلب السورية، أو استذكار عراقي يدوس عليه الجندي الأمريكي المحتل، أو زيارة مصحّ، أو استقراء فيروس داعش؛ بل تذهب الساعدي إلى حدّ تسطير «رسالة عاطفية إلى جسد ميت أو يكاد»، والترحال حول العالم «في ثمانين ألماً»، أو البحث عن ماء عذب حين «يسيل الدم فيعمي الأبصار والبصيرة».
هنا فقرات من مقالة بعنوان «صوت جهاد هديب»:
«لم أقل شيئاً لجهاد حين كان يرسل برسائل لأصدقائه يطمئنهم أنه صار بخير وأن المرض قد زال، لم أقل أي شيء لأني كنت أعرف أن هذا المرض لا يمكن الوثوق به. كان يفترض أن نلتقي في يوم ما على فنجان قهوة لنتحدث، لم يأت هذا اليوم للانشغالات الكثيرة والتأجيل المستمر للغد، وكأننا نملك الغد. لا أحب أن أشعر بالحزن المؤذي على موت أصدقائي، ودوماً يبدو موت شاعر أكثر ألماً، لأن الشاعر لم يعش أساساً، كان فقط يحاول أن يحتمل حياته. كنا نلتقي بشكل عابر في المناسبات، كان أول من أراه لحظة دخولي لمعرض كتاب أو أمسية ثقافية أو مهرجان سينمائي. كان جهاد هناك في الخارج يدخن سيجارته. أتوجه إليه فيبادرني «كيفك يا مريم، وينك، شو جديدك»، يقول وهو ينفث دخان سيجارته. «تعالي نجلس بعد ما نخلص نبدي أحكيلك شي». مات جهاد ولم يجلس ليحكي لي، ولم أعرف ماذا كان سيقول».
دار ورق، دبي 2017

مريم الساعدي: «العيون البلورية للكتابة»

اشترك في قائمتنا البريدية