عدنان المسالمة رئيس اللجنة التفاوضية السورية مع روسيا في درعا يكشف كواليس التسوية

حجم الخط
0

توجَّهت أنظار قوات النظام السوري والميليشيات الأجنبية والمحلية الموالية له، نحو جنوب سوريا وعلى وجه التحديد نحو منطقة درعا، التي تعتبر مهد الثورة السورية ومركز انطلاق الاحتجاجات ضد رأس النظام بشار الأسد، وذلك مذ بسطت سيطرتها على كامل العاصمة السورية دمشق وريفها، وأخرجت فصائل المعارضة منها، حيث زجت بعشرات الأرتال العسكرية نحو جبهات درعا الشمالية الشرقية مع المعارضة، بهدف اجتياحها.
وتجلَّت تعقيدات المنطقة الجنوبية، مع بدء مسؤولي النظام بالتلميح إلى قرب اجتياح المنطقة المتاخمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي بدورها تعمل على إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود وتهاجمها، كما لعب اتفاق خفض التصعيد بين روسيا وأمريكا والأردن دورا هاما في المفاوضات التي جرت بين الأطراف إبان الاجتياح.

انهيار خفض التصعيد

بدأ اتفاق خفض التصعيد في السريان عندما أعلنت الحكومة الأردنية مساء السبت 11 تشرين الثاني/نوفمبر2017 عن التوصل للاتفاق الجديد بين الأردن وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، لتأسيس منطقة لخفض التصعيد في جنوب سوريا، وجاء الاتفاق لدعم الترتيبات التي اتخذتها الدول الثلاث في 7 تموز/يوليو عام 2017.
كما جاء لدعم وقف إطلاق النار على طول خطوط التماس المتفق عليها في جنوب غرب سوريا. بيد أن الاتفاق مع أول اختبار حقيقي انهار تماما، على الرغم من تحذير الولايات المتحدة النظام السوري عبر بيان أصدرته خارجيتها 14 حزيران/يونيو الماضي من تداعيات خرق الاتفاق، وأكّدت فيه على ضرورة الاستمرار في تطبيق واحترام وقف إطلاق النار، حيث يرى مراقبون أن أمريكا انسحبت من الاتفاق بناء على رغبة الاحتلال الإسرائيلي.
كما نعت قاعدة حميميم الروسية في سوريا، يوم الثلاثاء 26 حزيران/يونيو، رسمياً انتهاء فترة خفض التصعيد في الجنوب السوري، وقالت القاعدة أنه «يمكن تأكيد انتهاء فترة خفض التصعيد جنوب سوريا بعد خرقها من قبل الجماعات المتطرفة والمجموعات المسلحة غير الشرعية التي تعمل ضد القوات الحكومية السورية».

تأثير المحيط والضوء الأخضر

وتبلورت ملامح الاجتياح على المنطقة، عقب اجتماعات مكوكية قادها الروس مع الساسة الإسرائيليين، إذ أنَّ هذه المنطقة تمتلك أهمية بالغة الحساسية لوقوعها على الحدود الشمالية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي زاد من تعقيدات ملفها دوليا.
ويُعتقد أن الاحتلال الإسرائيلي انفرد عن أمريكا في ملف جنوب سوريا، وتعامل مع الروس مباشرة لحل ذلك الملف فيما يضمن مصالحه بعيداً عن الدور الأمريكي. وتمثلت محاور الاتفاق الروسي الإسرائيلي بعودة قوات النظام للتمركز على الحدود الشمالية وفقا لاتفاق فضِّ الاشتباك، وإبعاد القوات الإيرانية وحزب الله 80 كلم عن المنطقة، مع أحقِّية الاحتلال في استهداف نفوذ إيران العسكري في سوريا في أيَّ لحظة.
فقد زار وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان العاصمة الروسية موسكو بدعوة من نظيره الروسي سيرغي شويغو، قُبيل اجتياح النظام للمنطقة بأيام. وذكر خبراء روس أن موسكو نسقت المواقف مع إسرائيل عشية عملية درعا والقنيطرة، «لتلافي وقوع حوادث محتملة». وقد كتبت الصحافة الإسرائيلية، عشية زيارة ليبرمان إلى موسكو، عن توصل روسيا وإسرائيل إلى اتفاق على أن قوات النظام ستقاتل وحدها في المنطقة الحدودية ولن تكون هناك تشكيلات موالية لإيران. ويبدو أن ضوءا أخضر، مُنح لروسيا والنظام السوري، رغم اتفاق خفض التصعيد، لاجتياح المنطقة، حيث صرح ليبرمان عقب عقد اتفاق المصالحة أو التسوية مع المعارضة في درعا، معبراً عن اعتقاد حكومته أن «الجبهة السورية ستكون أهدأ بعودة حكم الأسد» وأضاف الوزير الإسرائيلي أن «إسرائيل تفضل أن ترى عودة سوريا إلى وضع ما قبل الحرب الأهلية حيث الحكم المركزي تحت إدارة الأسد».

احتدام المعارك

وبدأت عملية الاجتياح من قبل قوات النظام والميليشيات، في منتصف حزيران/يونيو الماضي وفقا لغرفة العمليات المركزية للمعارضة في درعا، حيث بدأت قوات النظام السوري بالتقدم على جبهات المعارضة الشرقية للمنطقة، واحتدمت المعارك بين الطرفين، وتمت محاصرة منطقة اللَّجاة في ريف درعا الشرقي، وذلك بسيطرة النظام على بصر الحرير ومليحة العطش وبلدات الحراك والصورة والمليحة الغربية والمليحة الشرقية، بالتزامن مع هجمات عنيفة على جبهات مدينة درعا (درعا البلد) في محاولة من النظام الوصول إلى قاعدة الدفاع الجوي والتي كانت تعتبر نقطة الارتكاز للوصول إلى الحدود السورية الأردنية جنوبا. كما شنت قوات النظام السوري هجمات متتابعة على جبهة مدينة طفس غرب مدينة درعا.
ورغم الخسائر المادية والبشرية التي مُنِيت بها القوات البرية للنظام والميليشيات، على يد فصائل المعارضة، إلَّا أن قوات النظام أحرزت تقدما سريعا على الجبهات الشرقية لدرعا، وعزى نشطاء انهيار خطوط الدفاع الأولى للفصائل في المنطقة، إلى ضعف التَّحصين وشراسة القصف المدفعي والجوي الروسي، وهو ما استدعى جلوس المعارضة على طاولة المفاوضات مع الروس في بلدة بصرى الشام شرق درعا. وعلى الرغم من فشل ثلاث جولات متتالية من المفاوضات بين الطرفين، إلا أنها انتهت بتوقيع اتفاق مصالحة أو تسوية مع النظام السوري في شرق درعا، وتبعه توقيع فصائل المعارضة في درعا البلد، ثم الفصائل في منطقة ريف درعا الغربي.

اتفاق التسوية وجدلية البقاء

الاتفاق الذي وُقِّع مع الروس، التسوية أو المصالحة، خلَّف جدلاً واسعا بين أروقة المعارضة السورية العسكرية منها والسياسية، وضمن طبقة نشطاء الثورة أيضاً، واعتَبر العديد من تلك الأطراف، الاتفاق مذلا، كما انقسم معسكر المعارضة السورية في درعا بين مؤيد ومعارض له، وهو ما أدى إلى تهجير قسم كبير من كوادر الثوار وانسحاب مئات العناصر من فصائل المعارضة وخصوصا منها الإسلامية، كهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية، في حين فضَّلت معظم الفصائل البقاء في درعا عن التهجير.
المحامي عدنان المسالمة رئيس اللجنة المدنية (أخَذَت تفويضاً من 35 هيئة مدنية في درعا) في فريق التفاوض مع الروس، تحدث لـ «القدس العربي» عن مجريات اتفاق التسوية والعقبات التي تواجه تنفيذه.
وفي إشارة إلى الأسباب التي آلت إلى وقوع الاتفاق، أوضح: «التدخل الروسي كدولة عظمى لفرض حل بالقوة هو السبب الرئيسي لفرض الحل في الجنوب»، مضيفاً: «إن الاتفاق الذي تم، كان مفروضاٌ علينا والخيارات كانت محدودة أمامنا للقبول أو الرفض».
وأضاف المحامي، أن البنود التي تم تطبيقها حتى اللحظة من اتفاق التسوية، هي: «وقف إطلاق النار، وتسليم السلاح الثقيل، وتسليم الحدود» واستدرك أن البنود التي يتم العمل على تطبيقها حاليا، هي: «تسوية أوضاع المسلحين الراغبين في التسوية، ودخول مؤسسات الدولة للعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة».
وأردف، متحدثا عن الانتهاكات لاتفاق التسوية في منطقة اللجاة شرق درعا من قبل قوات النظام: «كانت هناك تجاوزات من قبل قوات سهيل الحسن وقامت باعتقالات عشوائية وتعفيش البيوت وهذا أدى إلى تدخل الجانب الروسي لوضع حد لتلك التجاوزات».
وحول مستقبل المقاتلين والمدنيين الذين رفضوا التسوية وهُجِّروا إلى الشمال السوري قال المسالمة: «في الحقيقة وضعهم ضبابي باعتبارهم رفضوا التسوية والنظام والروسي يصنفهم كمتشددين» على حد وصفه.
وشدَّد المسؤول، على أن «منطقة درعا تتجه للهدوء وعودة الحياة الطبيعية» وأضاف: «طبعا بعد أن يستفيد النظام من العدد الكبير من الشباب المكلفين بالخدمة العسكرية». كما نوه إلى أن اتفاق التسوية انعكس إيجابا على أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية، بقوله: «درعا باعتبارها كانت تعيش حالة حرب مستمرة، فإن توقف المعارك ساعد على تمتع الناس ببعض السكينة والهدوء ليعيشوا أحزانهم وآلامهم دون قصف أو تدمير».
وتحدث مسالمة عن شكوكه لتحسن أوضاع منطقة درعا على ضوء اتفاق التسوية في المستقبل القريب، مشيراً إلى خشيته من عودة سلوك النظام الأمني، بقوله: «هناك محاولات جادة من قبل الروسي لتنفيذ الاتفاق دون عقبات، إلا أن العقلية التي يتعامل معها بعض ضباط وعناصر النظام تشي بوجود صعوبات كبيرة لتغيير ذلك الفكر الأمني والقمعي». وشدد المسؤول، على تحسن أوضاع المنطقة «في حالة القبول بحل سياسي وفق قرارات مجلس الأمن والمتضمن تشكيل حكومة انتقالية وانتخابات حقيقية وتغيير في الدستور».

رفض الاتفاق ومرارة التهجير

رفض المئات من مقاتلي المعارضة اتفاق التسوية الذي تم عقده مع الروس، والذي أسفر عن بدء عملية التهجير الأخيرة في سوريا وفقاً لمراقبين، من الجنوب السوري إلى منطقة إدلب المعقل الأخير للمعارضة السورية، في 15 تموز/يوليو الماضي، أي بعد شهر من انطلاق حملة النظام السوري على المنطقة، وانتهت في 31 منه وذلك بتهجير 10064 شخصا بين مقاتل ومدني، بينهم 2385 امرأة و3240 طفلا، ومصابون، وشملت الأعداد كلا من درعا والقنيطرة جنوبا.
رئيس محكمة العدل في حوران عصمت العبسي الرافض لاتفاق التسوية، والذي استقر به الحال في الشمال السوري، قال لـ«القدس العربي» عن موقفه من الاتفاق وأسباب رفضه له، وعن أسباب انهيار جبهات المعارضة في درعا: «لن ينفع الآن تبيان موقفنا بعد أن تم الاتفاق، ولكن هو أمر تم فرضه وانتهى الأمر مبدئيا». وعن أسباب رفضته التوقيع، قال: «لا يمكننا المصالحة مع نظام مجرم دمر البلد وقتل أكثر من 700 ألف مواطن وهجر أكثر من 10 ملايين مواطن واستخدم كل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية بحق أبناء شعبنا وما زال يحتجز أكثر من 400 ألف معتقل بين شاب وطفل وامرأة. نظام لا يحكمه دين أو قانون أو أخلاق أو قيم كيف يمكن أن تصالح معه؟».
وأوضح أن الدول التي كانت ضامنا لفصائل الجنوب «تخلَّت» عنها، مضيفاً: «هذا معلوم للجميع»، وعن سبب فشل اتفاق خفض التصعيد، أضاف: «لا نعرف صراحة ما هي بنود الاتفاق وهل ما حصل هو كان ضمن بنود الاتفاق أم لا، وهل فشل الاتفاق أو تم تطبيقه بالكامل، لأن الاتفاق حصل بين الدول ولا نعرف من مضمونه إلا ما تم الإفصاح عنه».
واستدرك عند حديثه عن أسباب انهيار المنطقة، قائلا: «الأسباب متعددة، منها ضعف التحصينات وانهيار الروح المعنوية وآلة الدمار غير المسبوقة وعدم وجود قيادة عسكرية موحدة تدير المعركة وتدير ملف المفاوضات» وأردف: «لا يعني هذا عدم وجود تواطأ من قبل البعض ولكن بشكل محدود وخلاف الصورة التي يحاول البعض تسويقها».
وحول مستقبل منطقة درعا عقب توقيع الاتفاق، أشار المسؤول: «هذا متوقف على الروس وقدرتهم على تحجيم النظام، ولا أظنهم قادرين. مع قناعتي أن كلاهما عدو ومجرم بحق الشعب السوري، لكن على الغالب الهدوء سيكون نسبيا ومؤقتا».
وعن إمكانية عودة المهجرين من أهالي درعا والقنيطرة المتواجدين في الشمال حاليا إلى مناطقهم، قال العبسي: «أكيد بعد سقوط النظام»، مشيرا إلى أن حال المهجرين «كحال باقي مهجري شعبنا ممن هجرهم هذا النظام المجرم»، وكشف عن وجود محاولات لإعادة ترتيب صفوف الفصائل التي رفضت التسوية في الشمال.

مستقبل درعا

لا أحد يدري ما هو مستقبل منطقة درعا والقنيطرة عقب بسط النظام سيطرته عليها، إذ أنَّ معظم فصائل المعارضة السورية رفضت التهجير، وقبلت بالتسوية مع الروس وانخرطت في تطبيقها على عكس منطقة الغوطة وشمال حمص، على أمل أن يكون دخول الروسي كضامن لصالح المعارضة، يقوِّي فرضية عدم عودة نفوذ النظام إلى سابق عهده الذي سيؤدي لوقوع عمليات اعتقال تعسفي شاملة قادة المعارضة والعناصر الفاعلة.

عدنان المسالمة رئيس اللجنة التفاوضية السورية مع روسيا في درعا يكشف كواليس التسوية
مهد الثورة ما بين التسوية والتهجير
أنس محمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية