عمان ـ «القدس العربي» ـ بسام البدارين: رغم انعقادها بدون إعلان عن تفاصيلها خلافا لمنطق الشفافية الذي تتبعه الحكومة الأردنية، إلا ان مجلس الوزراء لم يقل للرأي العام بعد لماذا اختار اسم «خلوة» على اجتماع خاص لمجلس الوزراء.
تلك الخلوة التي كان قد أعلن عنها وزير الشؤون السياسية موسى المعايطة حظيت باهتمام إعلامي قبل انعقادها. لكنها انعقدت وانتهت بدون غطاء إعلامي في مفارقة من الصعب فهمها الآن وان كانت خلوة ليست بالمعنى الكلاسيكي المألوف وخالية من الرفاهية ولم تعقد على شواطئ البحر الميت أو البحر الأحمر كما كان يحصل في الماضي .
تلك الخلوة هي عبارة عن اجتماع خاص في مقر رئاسة الحكومة وليس في أي مكان آخر وسميت خلوة فيما يبدو لأنها جلسة اجتماع إضافية بعيدا عن برنامج مجلس الوزراء الأسبوعي الذي يجتمع مرة أو مرتين.
ورغم ان سبب اختيار هذه التسمية التكتيكي مجهول أو لا يزال غامضا، إلا ان الخلوة تلك وهي ليست أكثر من اجتماع خاص ناقش فيما يبدو محاور خمسة، من باب وضع خطة مفصلة ولمدة عامين. وسبق لحكومة الرئيس هاني الملقي ان وضعت وفي عامها الثاني خطة لإنعاش الاقتصاد وتطوير الأداء لمدة أربع سنوات.
من الواضح ان عمر حكومة الملقي قصف عمليا قبل حتى الوصول للعام الثاني في الخطة الموضوعة، أما حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز فتقرر وضع خطة لخمسة محاور أساسية ولمدة عامين قبل الانتهاء من الشهر الرابع لتشكيلها. تلك أيضا مفارقة قد يكون لها علاقة بمتتالية هندسية مألوفة ذات صلة ليس فقط بالخلوات وتسمية الاجتماعات، ولكن أيضا وهذا الأهم ذات صلة بتوقعات الحكومات فيما يتعلق ببقائها وسقفها الزمني وهو تفويض من المبكر القول بان حكومة الرزاز تسرعت به بعدما حظيت بإسناد ودعم مرجعي وملكي كبير تقرر استثماره في كل الاتجاهات وان كان منحصرا في ملف كسر ظهر الفساد حيث لقاء يتيم بين المرجعية الملكية حتى الآن وحكومة الرزاز المدنية الإصلاحية التي تواجه ما سماه وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر بقوى الأمر الواقع.
يلاحظ كاتب ومحلل مسيس ومتابع من وزن جميل النمري بان تلك البنود الأساسية في خطاب الحكومة ذات المضمون الإصلاحي الكبير مثل العقد الاجتماعي الجديد بدأت تتوارى قليلا عن الأنظار لصالح الانشغال بالبيروقراطي واليومي خصوصا وان ملفات الخلوة المشار إليها لها علاقة حصرية ببرنامج تحسين الخدمات الناس.
ويلاحظ متابعون للحكومة بان هجمات الحرس القديم والمحافظ ضد فكرة العقد الاجتماعي تلك لم تتوقف بالرغم من ملاحظة النمري وحتى خلال استضافته للتعليق على الأحداث الأمنية الأخيرة وعلى شاشة التلفزيون الرسمي برزت على لسان الوزير والنائب السابق توفيق كريشان تلك الجملة النقدية المعترضة على مسألة العقد الاجتماعي الجديد.
وهو يصر على عدم وجود حاجة لعقد اجتماعي جديد في ظل وجود الدستور الأردني الذي يعتبره من أفضل الدساتير في العالم مع امكانية إجراء تعديلات دستورية تتطلبها المصلحة الوطنية.
في الواقع كريشان ليس وحيدا في مضمار الهجوم على خطاب حكومة الرزاز وتحديدا في الجزئية المتعلقة بالعقد الاجتماعي الجديد، فخبير سياسي ووطني كالدكتور ممدوح العبادي يشارك في القناعة بأن الحاجة ملحة وطنيا لإنفاذ الدستور والالتزام بنصوصه وليس لاقتراح صياغات جديدة تحت لافتة إصلاحية مرنة يمكن ان تنتهي بإثارة الريبة سياسيا.
وجهة نظر العبادي تتمثل في ان الأولى من صياغات يمكن الاستغناء عنها هو العمل بعمق وجدية على إعادة الاعتبار لمبادئ ونصوص الدستور والتي تطبق أهم معايير المواطنة والدولة المدنية ودولة القانون والمؤسسات في حال انفاذها.
مثل هذا الجدال في أوساط النخبة الأردنية على اختلاف تلاوينها يلفت الانتباه إلى ان الأفكار الكبيرة التي بايع الشارع الشاب حكومة الدكتور الرزاز على أساسها مثل الإصلاح السياسي والحوار الضريبي والعقد الاجتماعي تتوارى فعلا عن الأنظار ليس فقط بحكم الهجمة المضادة والتجاذب السياسي الذي تثيره ويمكن ان تثيره لاحقا، ولكن أيضا وهذا الأهم بسبب التسرع الحكومي بإطلاق الوعود ومواجهة الواقع الموضوعي على الأرض في المستوى البيروقراطي. وأيضا بسبب ذلك الفارق في الهامش بين رئيس وزراء متواضع ومنفتح ومحاور وينفق عبارات طيبة ويعد بحلول كل المشكلات وبين الواقع المالي والوظيفي والبيروقراطي للمؤسسات التي تواجه اليومي والمعيشي في ظل تعقيدات من المرجح انها تتجاوز البعد الإعلامي الاستهلاكي في الخطاب أو حتى السعي للتمكن من بقاء وصمود العلاقة طيبة مع الشارع.
لذلك اضطرت الحكومة للخلوة إياها، ولذلك أيضا يتهامس البيروقراطيون في ترسيم تفاصيل تلك الفوارق بين خطاب سياسي وواقع ميداني لأن أولويات المواطن الأردني اليوم قد تكون تحسين الواقع الصحي والتعليمي وخفض الأسعار والضرائب أكثر بكثير من ترف النقاش حول الإصلاح السياسي أو من الإيمان بالحاجة لعقد اجتماعي جديد .
11TAG