الناصرة ـ «القدس العربي» ـ وديع عواودة: ما زالت تفاصيل صفقة التهدئة بين إسرائيل وحماس غير واضحة لكن تسريبات منقولة عن مصادر عربية تفيد بأنها هدنة لسنة وتخفيف الحصار وممر مائي، ولذا تتفاوت المواقف في تقييمها لدى المراقبين تزامنا مع انقسام لدى القيادة السياسية الإسرائيلية حيالها. وفيما تتواصل المعلومات والتسريبات المتناقضة حول التهدئة بالتدفق، فإن الأحوال الإنسانية في غزة من سيء إلى أسوأ وسط حصار إسرائيلي ـ مصري محكم. وتخشى أوساط واسعة في إسرائيل من انفجار «طنجرة الضغط» داخل غزة لتصل شظاياها وتبعاتها في عدة مجالات إلى إسرائيل. وتعبيرا عن مأساة غزة قال مدير مكتب «الجزيرة» في فلسطين وليد العمري، إن معاناة الأهالي في القطاع يندى لها الجبين. وتابع «ليس ثمة ما يبرر ما يكابده أهلنا في غزة سواء كانوا في داخلها أو على معابرها، وتحديدا الخارجين والداخلين إليها من معبر رفح، وكلما علمت بما يتعرض له العائدون على الجانب المصري لمعبر رفح واضطرارهم الانتظار أياما في العراء حيث تنتهك حرمة الإنسان وكرامته كلما أيقنت كم نحن مقصرون في وضع حد لهذه المعاناة غير المبررة، وأيقنت أكثر كم هي مقصرة تلك الجهات الفلسطينية المسؤولة سواء مثلت السلطة الفلسطينية أم باقي الفصائل وتحديدا تلك المتنفذة التي تهرول إلى القاهرة كلما استدعيت لمصالحة أو هدنة».
ويبدي المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أليكس فيشمان خشيته من التفاهمات، مرجحا أن تكون الهدنة «بضاعة مكررة». ويرى أن ما يجري اليوم هو عبارة عن خطة مصرية متعددة المراحل لإعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. واعتبر فيشمان أنه «في اليوم الأخير نشأ هنا مشهد كاذب، يعتمد على حرب نفسية من جانب حماس وحزب الله إلى جانب مشاهد سياسية داخلية من قبل أعضاء إسرائيليين في المجلس الوزاري المصغر وبموجبه أن تسوية جديدة شاملة ودراماتيكية، ستشرق علينا هذا الصباح». معتبرا أن الأمر الوحيد الجديد هنا هو بضعة أقوال لا غطاء لها كتلك التي تعد بتهدئة ستستمر سنة، وتساءل ما هو النظام الذي سيراقب ويطبق هذه التهدئة؟
متطابقا مع موقف جهاز «الشاباك» المعارض للتسوية قال فيشمان إن التسوية ستضعف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وتعزله. وتابع فيشمان أن «كل شيء بدأ قبل حوالي عشرة أشهر، عندما استأنفت مصر مبادرة المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس. وهي مبادرة تقود إلى إعادة السلطة وفي مرحلة لاحقة إلى خطة مصالحة إسرائيلية ـ فلسطينية. وأعطت إسرائيل مصر ضوءا أخضر، ولكن من وراء الكواليس أوضحت لأبو مازن أنه ليس مجديا له الموافقة على خطة لا تنزع حماس سلاحها فورا. وأبو مازن اقتنع، وللتأكد من ذلك خنق القطاع اقتصاديا».
كذلك يقول فيشمان إن إسرائيل ذُعرت مما اقترفته أيديها في بداية كانون الثاني/يناير الماضي عندما دهورت الوضع الإنساني في غزة إلى كارثة. وعندها، وفق مزاعم فيشمان، ولدت خطة الجنرال يوآف مردخاي التي جندت الأمم المتحدة والولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وقطر لمصلحة مشاريع لإعمار بنية تحتية إنسانية في القطاع. موضحا أنه منذئذ وحتى اليوم، كل ما تريده إسرائيل هو العودة إلى يوم ما قبل اندلاع المواجهات وفي المقابل هي مستعدة لأن تعطي ما كانت مستعدة بالضبط أن تعطيه حينئذ. ويتابع «حينذاك، مثل الآن، طُرح المقترح بأن تدفع قطر الرواتب لموظفي حماس، وحينها أيضا حذر الشاباك من أن خطة كهذه ستمس بمكانة أبو مازن الذي تحتاج إسرائيل إليه لمواصلة التنسيق الأمني». ويشير إلى أن «ما أدى إلى استئناف المبادرة المصرية كان توجه رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال لقائهما السري، في أيار/مايو الماضي». وخلص للقول «خشيت إسرائيل من أن المواجهات في القطاع ستتدهور إلى مواجهة شاملة، وآمنت أنه بواسطة المبادرة المصرية للتسوية بين حماس وأبو مازن ستهدأ الخواطر».
ويرى المحلل العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم» يوآف ليمور، أن «التقارير المتفائلة «حول توافقات بعيدة المدى لتسوية في غزة سابقة لأوانها لافتا إلى أن الشرط الإسرائيلي الأساسي للتسوية هو التهدئة. معتقدا أن مرحلة كهذه ستتطلب قرارات كثيرة، بينها هل ستشارك السلطة الفلسطينية أم ستبقى خارج الاتفاق، وبكلمات أخرى: هل ستعترف إسرائيل والعالم رسميا بسيادة حماس في غزة؟ هل سيتجهون إلى تسوية مقلصة أم إلى تفاهمات واسعة تحت معادلة «الإعمار مقابل نزع السلاح». كما يتساءل، وما هو مصير جثتي الجنديين الإسرائيليين والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة؟
وضمن محاولاته خفض التوقعات خلص للقول إن كل هذا لم يحدث بعد، حتى أنه لا توجد ورقة موقعة بين الجانبين وإنما تفاهمات فقط. وتابع «سيتطلب الأمر أياما طويلة من الهدوء إلى حين يكون بالإمكان نقل المحادثات إلى خطوط عملية، وحتى عندها يوجد عدد كبير من الألغام في الطريق».
في المقابل بدا المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل، أكثر تفاؤلا من زميليه أعلاه حيال التسوية. وكشف أن الجيش الإسرائيلي اعترف بدون صعوبة أن إسرائيل وحماس بدأتا بتطبيق المراحل الأولى لاتفاق، يفترض أن يقود إلى تهدئة متواصلة في قطاع غزة. وتطرق إلى تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، الذي قال إنه لا توجد تفاهمات بين إسرائيل وحماس. وألمح هرئيل إلى أن ليبرمان يتحدث إلى الإسرائيليين من منطلقات سياسية داخلية وانتخابية، بعد أن أعلن رئيس «البيت اليهودي»، نفتالي بينيت، معارضته للتسوية. وكتب أنه «كأن الوسطاء من الأمم المتحدة والاستخبارات المصرية يتنقلون بين تل أبيب وغزة فقط من أجل الاجتماع هناك مع مندوبي لجان الأحياء، أو كما اعتادوا على تسميتهم في الماضي، الوجهاء المحليين».
ورأى هرئيل أن «نتنياهو كان أكثر حذرا، ومنذ يوم الأحد الماضي امتنع عن التطرق مباشرة إلى الاتصالات مع حماس فصمتت حساباته الكثيرة في مواقع التواصل الاجتماعي حيال ذلك. وربما بالإمكان الاستماع إلى تلميح لمواقفه خلال مراسم استبدال سكرتيره العسكري قبل أيام بقوله إن ثمن الحرب باهظ، وهو رهيب ومعرفة أنه لا مفر أمامنا سوى بدفع هذا الثمن، هذه المعرفة تقول دائما: كيف سوف نقلصه. هذا الإنشاء ليس مألوفا لنتنياهو، لكن الرسالة واضحة: نتجه إلى الحرب عندما لا يكون هناك خيارا». وبحسب هرئيل، فإنه «قبل عدة أسابيع، كان يبدو أن نتنياهو قد يرضخ لضغوط اليمين، وشن حرب لا حاجة لها بذريعة الطائرات الورقية الحارقة. وأوصى الجيش بالحذر وفي النهاية تغلب العقل السليم».
11TAG