ضمن فعاليات مهرجان (كرامة) الثالث للسينما وحقوق الإنسان: ندوة «واقع حرية التعبير في لبنان»: تعسف الدولة وتصاعد نغمة الطائفية

حجم الخط
0

بيروت- علاء رشيدي: ضمن إطار أنشطة مهرجان كرامة الثالث للسينما وحقوق الإنسان، عقدت في سينما صوفيل – بيروت، ندوة بعنوان «واقع حرية التعبير في لبنان»، بمشاركة كل من أيمن مهنا المدير التنفيذي لمؤسسة سمير قصير، وأحد أعضاء المنتدى العالمي لتطوير وسائل الإعلام، والإعلامية والصحافية ومخرجة الوثائقيات ديانا مقلد. وأدارت الندوة نجوى قندقجي.

رضوخ الدولة

افتتحت الندوة بكلمة ألقتها مديرة الجلسة نجوى قندقجي، حيث أشارت إلى ازدياد حالات إعاقة حرية التعبير، وارتأت أن الدولة استجابت في عدد من الحالات للضغط الشعبي الذي ضيق على حرية التعبير، بحيث يبدو أن إدارة الدولة تمارس رقابةً تناقض الدستور والقوانين المتعلقة ذات الصلة. وأن الدولة ابتعدت عن القيام بدورها في حماية التعبير وحقوق المواطنة الحرة. وبينما وسعت وسائل الاتصال الاجتماعية من هامش الحريات، ما تزال المؤسسة الرسمية اللبنانية غارقة في ملاحقات لمنتجات إبداعية، مستغلة عمومية الصلاحيات الدستورية، وبتناقض صارخ مع حقوق حرية التعبير. فهي مشكلة استعصاء بين الحق الدستوري والقانوني من جهة، وممارسات الدولة الرقابية من جهة أخرى.

تجربة محكمة المطبوعات

بداية أشار أيمن مهنا إلى ضرورة الاعتراف ببعض التحسن التراكمي البطيء منذ عام 2007 وحتى عام 2016. ومن النقاط الجيدة تبدو تجربة محكمة المطبوعات التي لا تصدر أحكاماً بالسجن بحق الصحافيين، وبيّن أهمية ألا تقتصر صلاحياتها على الصحافيين المسجلين في النقابة، بل أن تشمل كتاب المقالات، وأن تشمل صلاحياته النظر في القضايا المتعلقة بالنشر على الوسائل الإلكترونية. وذكّر بموقف المحكمة الإيجابي في قضية الفنان الموسيقي مارسيل خليفة وتبرئة المحكمة له من تهمة التجديف، وكذلك في عام (2005) في قضية الصحافي مهند الحاج علي، وقضية الصحافي محمد زبيب، الذي أثبت القضاء أن ما كتبه وأدى إلى رفع دعوى القدح والذم والتشهير بحقه، تضمن معلومات صحيحة. لكن ذلك لم يدم، فكانت حرية التعبير ضحية للتوافق السياسي الذي تم في عام 2016.

التوافق السياسي وأثره

يرى مهنا أن الانقسام الذي عرفته الساحة اللبنانية على المستوى السياسي منذ عام 2005 وحتى الآن، أي بين تياري كل من 8 و14 آذار، كان عاملاً مساعداً على حرية التعبير، لأن الانقسام السياسي يفترض تعدد الرؤى والآراء. أما التسوية فهي تقود إلى الصوت السياسي الوحيد، ما ينعكس على حرية التعبير وطريقة حماية الصحافيين، إضافة إلى استعمال الجهاز الرقابي الأمني لوسائل التكنولوجيا الحديثة، ولبرامج معلوماتية قادرة على المراقبة، وحتى اختراع وتلفيق المعلومات، مثلما رأينا مؤخراً مع قضية الممثل المسرحي زياد عيتاني. فأغلبية المجتمع تنزلق صوب أفكار متزمتة، وتسود لغة العصبية والطائفية التي تعيد المجتمع إلى ارتباطات بدائية. وأشار إلى خطورة ظاهرة تبني التيارات المسيحية التشدد الذي شهدته التيارات الإسلامية، إزاء بعض الأفلام والرسوم الكاريكاتيرية. من ناحية أخرى جاءت أغلب قرارات الرقابة في الفترة الأخيرة ممتثلة إلى ضغوط فرضتها مجموعات طائفية، أكثر مما هي خاضعة للقوانين الناظمة. ورأى أن الدولة حمت المجموعات التي تشن التهديدات بدلاً من أن تحمي الضحية. فقد تضامنت القوى الأمنية في أكثر من مرة مع الضغوط التي مارستها جماعات التابوهات الدينية.

حجة الاستقرار

وعلى المستوى العالمي يرى مهنا أن اهتمام المجتمع الدولي بأولوية الاستقرار في لبنان، أدى إلى توسيع طيف الانتهاكات الممارسة بحق حرية التعبير، تحت ذريعة حماية ودوام الاستقرار في لبنان تمت التغطية الدولية على تجاوزات القوى السياسية في مجال حرية التعبير والحريات. كذلك نلحظ تراجع التمويل الدولي لمشاريع حقوق الإنسان والصحافة مقابل الدعم الآتي لبرامج مكافحة الإرهاب.

الإعلام رهين القوى السياسية والطائفية

وفي كلمتها أشارت الإعلامية ديانا مقلد إلى خطورة ظاهرة انقسام الإعلام اللبناني طائفياً وسياسياً، وبينت أنه خلال تجربتها في الصحافة التي قاربت الـ25 عاماً، منعت العديد من المنتجات الصحافية التي حققتها بسبب اعتبارات طائفية تارة وسياسية تارة أخرى، وبينت أن لجوء الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي هو تأكيد على أن مساحات التعبير الأخرى كانت ضيقة. واتفقت مع ما قاله أيمن مهنا كون الانقسام السياسي الذي كان سائداً في السابق يوسع من طيف تعدد الآراء، بينما أدى التوافق السياسي الحالي إلى ازدياد حالات ملاحقة الأفراد الذين لا تحميهم الأحزاب السياسية أو القوى الطائفية في الفترة الأخيرة. ورأت أن المفاضلة التي وضعت أمامها الشعوب العربية منذ عام 2011، بين الحرية والاستقرار، أدت إلى قمع ثورات الربيع العربي، التي تم تقويضها بالتضييق أكثر فأكثر على مساحات حرية التعبير، فلا ميزة للبنان بدون مساحات حرية التعبير.

المقدسات وحرية التعبير

وأشارت مقلد إلى وقوف «المقدس» في وجه حرية التعبير. وأنه يجب حماية حق فنون السخرية من عصبية المقدسات، سواء كانت تلك المقدسات دينية أو عسكرية. فإذا تمت مراعاة المقدسات الخاصة بكل طائفة، فإنه سينتج تراكم في المقدسات، ما يقتل حرية التعبير ويعاقب فنون السخرية. لأن فنون السخرية تفتح المساحة للتفكير والعقل، وتزيد الوعي النقدي، وأدانت المؤسسات الدينية في التضييق على حرية التعبير، مطالبة المجلس الشيعي الإسلامي الأعلى، ودار الفتوى في لبنان بإعادة النظر في آرائهما ومواقفهما المتعلقة بحرية التعبير وحقوق الإنسان، وأشارت إلى أن الحشد الطائفي والسياسي يقضي على الميزة الأبرز للبنان في المنطقة والمحيط العربي ألا وهي مساحة حرية التعبير.

البرامج التلفزيونية الساخرة

وحين سألت مديرة الجلسة عن البرامج التلفزيونية الساخرة التي تقدم انتقاداتها بدون رقابة أو حظر، بينت الإعلامية ديانا مقلد أن مستوى الانتقاد الذي تقدمه هذه البرامج نسبي. فهي برامج تحرض على الكراهية، أكثر من كونها قادرة على السخرية من المراكز الحقيقية للسلطة، وتساءلت إن كانت هذه البرامج قادرة على انتقاد المقدسات، أو انتقاد مراكز السلطة الفعلية في البلاد، مثل رئاسة الجمهورية، الجيش، أو المرجعيات الدينية؟ ووافق مهنا على أن البرامج التلفزيونية الساخرة لا تتجرأ على انتقاد مراكز القوى الفعلية وأن لا ننسى أن أغلب التلفزيونات في الإعلام اللبناني أصبحت تابعة لقوى وأحزاب سياسية، ومضيفاً: أما الضحايا فهم أولئك الفاقدون للغطاء والحماية السياسية، وأشار كذلك إلى علاقة القوى السياسية في قضية كل من الإعلاميين مارسيل غانم وهشام حداد، حيث أن وراء الخلاف والتسوية في الحالتين قوى سياسية تختلف أو تتفق في ما بينها.

تراجع عالمي في مستوى حرية التعبير

وفي الأخير قدم حسان عباس الباحث الأكاديمي ومؤسس (الرابطة السورية للمواطنة) مداخلة أشار فيها إلى أن ما يحدث في لبنان من تراجع في الحريات وحقوق الإنسان، يعكس حال تراجع حرية التعبير على المستوى الدولي، مشيرا إلى تراجع مؤشرات حرية التعبير وتزايد حالات انتهاكات حقوق الإنسان منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة. ومنبهاً إلى دور سلبي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض ضد اللاجئين، وفي تكريس مفاهيم تمييزية. واتفق عباس مع الدعوة التي وجهها المهنا والمقلد للنضال من أجل حماية حرية التعبير وحقوق الإنسان مبينين أن السكوت ليس الحل، والركون إلى الواقع ليس المخرج، فلا سبيل إلا لمتابعة العمل وبذل الجهود في سبيل قضايا حرية التعبير وحقوق الإنسان، لأن معارك الرأي العام تمس كل منا أولاً وأخيراً.

ضمن فعاليات مهرجان (كرامة) الثالث للسينما وحقوق الإنسان: ندوة «واقع حرية التعبير في لبنان»: تعسف الدولة وتصاعد نغمة الطائفية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية