يستعيد المترجم السعيد بوطاجين، مالك حداد من منفاه اللغوي، ومن صمته القسري، يستعيده عبر اللغة التي كان يفكر ولا يستطيع التعبير بها، فكلما تُرجم مالك حداد، استعاد إرادته الحرة التي آلت عبر مسار هوياتي مأساوي إلى الانفصال عن عالم الكتابة، لأنها فقدت صدورها عن المنشأ المتوائم مع اللغة الأم.
لقد ترجم السعيد بوطاجين المعنى في رواية «الانطباع الأخير» محافظا على الروح الشعرية التي تُميز عالم مالك حداد السردي، حيث أصبحت الترجمة تبحث عن المُترجَم له وسياقاته الإبداعية والحياتية أكثر من بحثها عن النص، لأن دلالة فعل الترجمة تتحقق في المعنى الذي يتبقى بعد «تجريد الأدب من لغته الأصلية ومن الزخرفة والرونق والدقائق البلاغية» أو ما يسميه الروائي الجزائري عبد الحميد بن هدوقة البقية الصالحة، وهي «التي تربط بين البشر، مهما اختلفت أوطانهم وأزمانهم ومستوياتهم الحضارية».
يدور المعنى في رواية «الانطباع الأخير» لمالك حداد انطلاقا من قرائن سردية واحتمالات ممكنة، حول المأساة الوجودية، حيث تتبين الشخصية البؤرية وحيدة وفق دينامية تستطلع الأشياء، تتفحصها، تنجزها علامات مهيأة للتدفق، وهو ما يمنح السرد عمقا شعريا وأبعادا عارفة مكثفة بالمعنى، فالشمس والقمر والبحر والحب والوطن والأم والجدة والطفولة والسماء واللقالق ونوفمبر/تشرين الثاني والشهادة، محطات أخيرة لعبورٍ نحو الانطباع المُنتَج نصا، وكأن «الانطباع الأخير» لا تحمله سوى الكلمات التي تَرِد في تآلفها واختلافها معنى يفتح فضاء النص على الاتساع والديمومة، حيث تتكثف المأساة سرديا في النهاية الاستشهادية لسعيد، وهو ما يفتح أفق الكينونة على الأسطوري، فالمتسبب في القتل «يصوغ من تراب رجل فان أسطورة وحكمة وفكرة» كما يقول صلاح عبد الصبور في «مأساة الحلاج».
يشير عبد الرحمن بدوي إلى «أن كل آن من آنات الزمان مكيف بطابع وجودي عاطفي إرادي خاص»، ويصل إلى أن الزمن يتكون من وحدات منفصلة ذات طبيعة كيفية مختلفة وليست كمية، بما يعني أن الزمن يشكله مجموع الإحساسات التي تؤسس الوجود في العالم بتعبير هايدغر، واختلافها يبرر المسارات المتعددة داخل الوحدات الزمنية، حيث بالنسبة للذات الوجودية المدمجة في زمن قهري (استعمار)، قد ترتب وجودية سلبية لفقدان عنصر الحرية، رغم إنها تمارس حركتها داخل الزمن، أو تعيش تاريخيتها، وهو ما يُشكل الدافع إلى مناهضة فعل القهر لتوفر شرط الكيفية المختلفة في وحدات الزمن المتعلقة بالطابع الوجودي العاطفي الإرادي.
تمثل الغربة الوجودية في رواية «الانطباع الأخير» شكلا مأساويا، لا يعكس البتة أي انعدام للقيم، بدلالة الزمن المسرود الذي يكشف «أن ثانية وثانية لا تساوي ثانيتين، تساوي قبلتين وألف سنة من الذكريات»، ولكنها غربة سعيد التي تمتحن جدواها خارج أسوار العجز الوجودي المعرف في مجال القهر الاستعماري، من خلال البحث عن خلاص وجودي يمنح الذات قوتها القادرة على كسر ما يعيق الزمن من ممارسة دوره في إنتاج قيم الحب، والمنحى السردي في أيلولته بالزمن إلى بؤرة الإنتاج، يضع شخصية سعيد ضمن فضاء اللاإنتماء بمفهوم كولن ولسن، حيث «أن اللامنتمي يكف عن كونه لامنتميا حين يشغله أمر، حين تقلقه قلقا جنونيا الحاجة إلى الخلاص»، والزمن في الرواية هو برنامج الهيمنة الذي يعيق معادلة تفاعل القيم في ما بينها، والوحدة السردية السابقة تكشف عن دلالة إنتاج الزمن للقيمة حين تتفاعل اللحظات مع حركة الفاعل التاريخي، فالساعة التي تفيد حركة الزمن تنحت سرديتها من خلال وجودها الزمني خارج عوامل الإعاقة (استعمار) على الرغم من سيطرتها:
«روت هذه الساعة قصة حب للوسيا»
«الساعة التي نعيدها إلى أول يوم من نوفمبر، هذا الشهر الذي غير توقيت فصول الشتاء إلى الأبد»
«الساعة التي تحدد الوقت في عرس الموتى، في ولادة الحقائق..»
يخرج معنى الزمن في الرواية بمسار الشخصية البؤرية من فضاء اليأس الوجودي والإحساس السلبي بالغربة، إلى مستوى إنتاج القيمة التي تناهض مشروعية مخطط الهيمنة بكسر حاجز إعاقته لفاعلية الزمن. ينبثق الزمن الوجودي في الوحدات السردية السابقة ضمن مسار الالتحاق بتاريخ معين يميز موقع الذات من التاريخ العام وحركتها فيه، ولعل قيمة الحب التي يعمل جاهدا سعيد على ترتيبها في إطار أولويات وجوديته الإنسانية، تتنازل لصالح قيمة جوهرية تتعدى الإنسان إلى مراتب تحقق إنسانيته أولا، لذلك تموت لوسيا حبيبة سعيد:
«ماتت لوسيا»، التي تقع على طرفي نقيض على المستوى التقابلي مع نوفمبر، وموتها سرديا يُفسر بالتحاق سعيد بنوفمبر، شهر تفجير ثورة التحرير الكبرى، حيث يصبح مرجعيته الثابتة: «..وكل شيء يتحدد بالنسبة إليه، من الآن فصاعدا، بالعودة إلى أول نوفمبر من سنة ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين…»، والانتقال عبر المسارات المختلفة التي تصنع من الزمن دلالات منتجة لما بعدها، إنما يكسبه ـ الزمن ـ قيمة لأنه يتفاعل لصالح مسار السرد وتبرير حكائيته المتوائمة وموضوع النضال، فقيمة الحب لا يتجاوزها سعيد في علاقته مع لوسيا: «مذ ابتدأت الحرب أصبحت لوسيا مرتابة في أمر سعيد الذي تغير، كما أي امرأة»، إلا ليلتحق بحب نوفمبر، الذي يتأسس كقيمة زمنية لها أثرها في حركة تحرره من برنامج الهيمنة الاستعماري، ولعل السرد في ترتيبه لقيمة الحب بين الانفصال والاتصال، إنما يُبئر موضوع المأساة الوجودية، وفي الوقت ذاته يكثف من شعريته وإقراره الوصول إلى مرحلة الانبعاث، وهو ما تكشف عنه الوحدة السردية التالية:
«ستصبح مليكة جميلة، إلهي. كم ستصبح جميلة».
يركز التقابل الاسمي بين لوسيا ومليكة صراعية بين مفهومين يترتبان تلقائيا في الوعي، ويُؤَولان على أساس الأمكنة التي تمثل برنامجي الهيمنة والتحرر، فلوسيا تُحْسم بفرنسيتها ومليكة بجزائريتها، وعند مفصل الحسم يتأسس المسعى النضالي لسردية المرحلة، حيث يمثل عنصرا فعالا للمواجهة، ومنه نستطيع القول بأن رواية «الانطباع الأخير» تندرج ضمن ما يعرف بالأدب النضالي، حيث يُجبِر المُسْتَعْمَر المُسْتَعْمِر على الانخراط في البنية الثقافية له، فهدف المستعْمِر هو إحلال ثقافته بمحو ثقافة البلد المحتل، فيتأسس برنامج المواجهة على محاولة دفع المُهيمِن إلى قبول خطاب المُهيمَن عليه وفق مفرداته، إذ يبادر المُهيمَن إلى إتقان، بل التفوق في وسيط التواصل المتمثل في لغة المهيمِن، ولهذا تتخلل الرواية بعض الألفاظ العربية التي يذكر المترجم أنها وردت كذلك، مثل: guelta (بحيرة صغيرة)، مؤمنين/، حمال، محال، مكتوب، وكلمة خَنْزَة التي «لا تترجم إلى الفرنسية»، وتعني القذرة.
المراد خطابيا من إيراد هذه المفردات بالعربية، هو تأكيد الهوية التي سوف تصل بالناص واقعيا إلى إعلان مأساة نفيه في اللغة الفرنسية لذلك يقرر أن يصمت، وبالتالي يصبح من برنامج مناهضته للاستعمار، هو اقتحامه بعناصر هويته القوية المتمــــثلة في مفردات لغته العربية، وهو يعرضها للمُستعمِر في أرقى صور الكتابة وبلغته، وهو ما يمثل زمنا إبداعيا مجاورا لزمن إعلان بداية نهاية الهيمنة المتمثل في الثورة التحريرية، وبالتالي يصبح الزمن الوجودي انتقاليا من مرحلة الوجداني في صورته المتعلقة بلوسيا، إلى النضالي في تعالقه بالتحرري والإبداعي، وهو ما يمنح هذا الانتقال شرعيته الإنسانية.
٭ كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي