يبدو أن إسرائيل والحكومة في غزة تقتربان من اتفاق على «تسوية»، وهذا خير. من كل البدائل التي أمام إسرائيل هذا هو البديل الذي هو مثابة «أهون الشرور». فالعامل الأساس الذي يسمح بهذه التسوية هو التغيير في الموقف المصري. حتى وقت غير بعيد مضى، طالب المصريون بأن توافق حكومة حماس كجزء من التسوية على نقل صلاحياتها، وعلى رأسها الأمنية، إلى السلطة الفلسطينية، كجزء من خطوة المصالحة الوطنية، أما حماس فلا يمكنها بأي حال أن تبتلع هذا الضفدع. وهكذا.. رغم أن لإسرائيل ولحماس مصلحة مشتركة في الوصول إلى التهدئة، لن يكون ممكنًا تحقيق ذلك، بسبب الطلب الذي يأتي بشكل مشترك من القاهرة ومن رام الله.
مؤخرًا تخلى المصريون عن هذا الطلب، وبدلامنه يكتفون بأن تتعهد حماس بوقف إعطاء المساعدة لفرع داعش العامل في شمال سيناء. هذا ثمن يمكن لحماس أن تحتويه. وهكذا نشأ وضع يركز فيه اللاعبون الثلاثة: إسرائيل، وحماس، ومصر، وعن حق، على المصلحة الضيقة والأكثر حيوية. من ناحية إسرائيل، فالمصلحة هي بالطبع الهدوء، ومصر ستحصل على عزل داعش ـ سيناء، أما حماس فستحصل على نوع من الشرعية والوعد بالمساعدة الاقتصادية.
من الأهمية بمكان أن نفهم بأن حماس ما كان يمكنها أن توافق على صيغة «الهدوء مقابل الهدوء»، إذ إنه في مثل هذه الحالة ستبقى تواجه وحدها أزمة اقتصادية محتدمة. لقد أخطأت إسرائيل لفترة طويلة حين رفضت الاعتراف بذلك. وأبرز الموقف الإسرائيلي، المزايد بعض الشيء، الاستعداد لأن تنقل كل يوم مئات الشاحنات مع الغذاء إلى غزة. هذا لا يكفي. عندما يصل معدل البطالة في القطاع إلى 60 حتى 70 في المئة، فليس للسكان تلك القوة الشرائية حتى لو وصل الغذاء.
وفضلاعن ذلك، فإنه من أجل منع تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية في غزة، يفترض إقامة البنى التحتية؛ فلا يمكن أن توجد دولة (وغزة هي بحكم الأمر الواقع دولة مستقلة منذ 12 سنة) مع كهرباء تعمل خمس ساعات في اليوم، دون ماء في الصنابير، مع مجار تفيض على ضفافها ومئات المباني المدمرة منذ «الجرف الصامد».
في اللحظة التي تخلت فيها إسرائيل، ومصر، وبالتدريج قسم من الأسرة الدولية أيضًا، عن التطلع السياسي لإعادة أبو مازن إلى غزة، فقد نشأت فرصة حقيقية للوصول إلى تسوية مع حماس، وكذا لإعادة بناء البنى التحتية في هذه المنطقة البائسة. فضمان الهدوء على المدى الطويل لن يتحقق بفضل قوة ردع إسرائيل فحسب، وكذلك بفضل إقناع الدول المانحة على خلق اشتراط بين المساعدة لإقامة البنى التحتية وبين تعهد حماس بالحفاظ على الهدوء. وعليه، يتعين على إسرائيل أن تشجع الدول الأوروبية والدول العربية على الوصول إلى اتفاقات مع الحكومة في غزة (نعم، مع الحكومة هناك، وليس من خلف ظهرها) على بناء مشاريع حيوية للبنى التحتية، وفي الوقت نفسه تحذير حماس بأنه إذا لم يُحفظ الهدوء، فإن إسرائيل ستعود لتهاجم بكل القوة، وعندها فإن كل مساعي الأعمال والمال المستثمر فيها سيضيع هباء منثورًا.
بدلاً من أن نتملص ونتلعثم ونواصل الثرثرة بأننا لن نتحدث مع منظمة إرهابية، من الأفضل الاعتراف بالواقع الذي يفيد بأن غزة هي كما أسلفنا دولة ولها حكومة مستقرة، انتخبت بشكل ديمقراطي كاف. ويجدر في هذا الشأن الانتباه إلى التناقض الدائم في موقفنا. فعندما أطلقت منظمة عاقة كالجهاد الإسلامي الصواريخ على إسرائيل، سارعت محافل إسرائيلية إلى الادعاء «بأننا نرى في حماس مسؤولة عن الحفاظ على الهدوء». فهل نحن مستعدون لأن نعترف بصلاحيات حماس في إدارة الشؤون العسكرية في القطاع، ولكننا غير مستعدين لأن نعترف بصلاحياتها بإدارة الشؤون المدنية؟ ما المنطق؟ من الأفضل أن نرى الواقع كما هو، ونفضل استخدام العصا الكبيرة إلى جانب الجزرة الكبيرة، والتركيز على ما هو مهم لنا حقًا.
وشيء ما عن الأسرى والمفقودين.. بالذات في إطار اتفاق واسع، إذ سيكون ممكنًا تحقيق إعادة ابنينا بثمن معقول من تحرير مخربين. والتفسير بسيط: عندما تكون عدة مواضيع على الطاولة، يكون سلم أولويات اللاعبين مختلفًا. ما يعدّ أهم لطرف ما، كفيل بأن يكون أقل أهمية للطرف الآخر وبالعكس. وبهذا الشكل يكون أسهل تحقيق تنازلات متبادلة. موضوع الأسرى والمفقودين هو الموضوع الوحيد الذي فيه للطرف الآخر، مرة حزب الله ومرة أخرى حماس، ثمة رافعة أقوى من رافعتنا. وعليه فمحظور عزله والبحث فيه بشكل منفصل. انظروا الثمن الذي دفعناه في صفقة جلعاد شاليط.
غيورا آيلند
يديعوت 19/8/2018