صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري: لم يعد يتلقى أي دعم مالي، لكنه ينظم نشاطه الثقافي كل أربعاء، في موعد لم يتخلف عنه، خلال سني الحرب المستعرة، التي أصبح فيها «نادي القصة اليمنيّة» أحد منبرين ثقافيين انتظمت برامجهما الثقافية في صنعاء خلال الحرب.
أصبح عصر الأربعاء، من كل أسبوع موعداً مع فعالية نادي القصة التي تقام في إحدى شقق عمارة كائنة في شارع القصر، حيث يتحلق جمهور صغير حول طاولة يقف في مقدمتها المحتفى به، ويتم خلال أقل من ساعتين تسليط الضوء على تجربته، وفي نهاية الاحتفائية يحظى بتكريم متواضع من قبل الحاضرين، الذين يطوقون عنقه بعقود الفل وطاقات الورد؛ وهو ما يكون له عظيم الأثر في معنويات المحتفى به، وهو يجد هذا التكريم والاحتفاء، في مرحلة يطغى عليها الفقر والعوز، مع توقف صرف مرتبات معظم الموظفين ضمن نتائج الحرب التي حوّلت حياة معظم الناس هناك إلى جحيم، لكن في وسط ذلك الجحيم ما زال للثقافة صوت ومنصة تعلي من شأن ثقافة السلام في عتمة الصراع المسلح!
تنحصر الفعالية الأسبوعية للنادي في أماس تحتفي بالتجارب الإبداعية والنقدية ونتاجاتها الجديدة، حيث يبحث المنظمون عن تجارب ثقافية أو إنتاج جديد أو مسار إنتاجي متميز، وتتم استضافتها في أمسية يتيحون لصاحبها أن يتحدث عن تجربته، سواء كتابه الجديد أو مسار سيرته الإبداعية، أو يُكرّس الحديث عن تجربة من تجارب الرواد، ومن ثم يفتح المجال لنقاشات الحاضرين، الذين هم في الغالب يتكررون في كل فعالية، وصاروا منتظمين في حضور هذه الأنشطة، وأحياناً يتم تكليف بعض النقاد بإعداد قراءات نقدية حول التجربة موضوع الاحتفاء، وفي الأخير يصعب تأطير نشاط النادي في قالب معين؛ لأنه لا يرتبط ببرنامج سنوي، بل يترك التنظيم لما يصير إليه فريق التنظيم الشهري، ضمن رؤية مفتوحة على أي نشاط إبداعي ضمن أي جنس أو مجال أدبي أو فني.
تواصل النشاط
ما يعزز أهمية نشاط النادي في السنوات الأخيرة، هو تواصل نشاطه على امتداد سنوات الحرب، باستثناء الشهور الأولى من الحرب التي توقفت فيها أنشطته لتستأنف بانتظام، في الوقت الذي توقفت فيه مناشط معظم المنصات الثقافية في العاصمة؛ وبالتالي فاستمراره، على الرغم من ظروف الحرب وما نتج عنها من ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، يمثل إنجازاً جديراً بالضوء مهما كانت نوعيته؛ فبقاء منصة تحتفي بالإبداع الأدبي والفني، في زمن لا يحضر فيه سوى صوت الرصاص، يمثل إنجازاً يُحسب للنور في وجه ظلام الحرب الذي يكاد يخنق البلاد.
في مقابلة مع رئيس النادي يتحدث الروائي مُحَمّد الغربي عِمران لـ«القدس العربي» عن تجربة النادي في مواجهة المعوقات التي فرضتها الحرب أمام الحراك الثقافي المحلي، موضحاً أن النادي استطاع أن يتجاوز مشكلة المقر، من خلال استضافة إحدى منظمات المجتمع المدني لفعالياته، بعد أن عجز عن دفع إيجار مقره. «وجدنا منظمة تستضيف فعالياتنا بعد أن تراكمت علينا ديوان إيجار المقر، حيث وصلت ديون الإيجار إلى ما يقارب المليون ريال يمنيّ (الدولار تتجاوز قيمته خمسمائة ريال)؛ فطلبنا من مالك العقار أن يصبر علينا، ومن ثم انتقلنا لتنظيم فعالياتنا في مقر إحدى المنظمات التي استضافتنا، في ظل إصرار وزارة الثقافة على ألا تقدم دعما أو تشارك في تمويل أنشطة ثقافية؛ وكأن الثقافة لا تعنيها» يقول رئيس النادي .
جهد طوعي
على صعيد تنظم الفعاليات يعمل النادي بنظام الجهد الطوعي؛ وهو كما يقول رئيس النادي، ديدن العمل في النادي منذ تأسيسه عام 1999. خلال الحرب يعمل النادي على إشراك الشباب في تنظيم الفعاليات، من خلال تكليف ثلاثة منهم كل شهر يعملون على تنظيم الفعاليات، على أن يتعاون الأعضاء في تغطية ما يتم الاحتياج إليه في ذلك، مثل: الضيافة، قيمة عقود الفل والورد، والدروع التكريمية. «نختار كل شهر بعض الشباب للمساهمة في تنظيم الفعاليات بهدف تدريبهم على تكريس علاقتهم بالجمهور، وتدريبهم، أيضاً، على تنسيق الفعاليات وإدارة الأنشطة، انطلاقاً من قاعدة العمل في النادي؛ وهي أن العمل كله عبارة عن جهد طوعي، ونساهم فيه كلنا حتى قيمة عقود الفل والورود وغيرها، كل ذلك يتم بتكاتف أعضاء النادي، ومحبيه، وهي مبالغ بسيطة، كل حسب طاقته، وهي تفاعلية في معظمها» يوضح رئيس النادي.
أنشطة مفتوحة ومتنوعة
على الرغم من أنه نادٍ للقصة والسرد إلا أنه ينظم فعالياته في كافة أجناس الأدب والنقد، ولديه استعداد لاستضافة فعاليات في الفن التشكيلي وفن الموسيقى وغيرها…وحسب رئيس النادي، لا توجد مشكلة لدى النادي في استضافة وتنظيم أي فعالية إبداعية في أي مجال أدبي أو فني. «ما لمسته خلال التجربة في النادي أن ثمة عشقا للأدب وعشقا للفن لدى الجمهور، وهذا الجمهور لديه استعداد أن يساهم ويشارك في التنظيم» يقول عِمران.
توزعت أنشطة النـــادي في عدة مجـــالات بجانب تنظيم الفعاليات، حيث يعمل على إصدار الكتب بالشراكة مع صاحب الكتاب؛ فأصدروا خلال الحرب طبعة جديدة من رواية «فتاة قاروت»، وهي أول رواية في الجزيرة العربية ـ حسب رئيس النادي – من خلال مساهمة الأعضاء، في تغطية تكاليف الطباعة.
وأصدر النادي منذ تأسيسه حتى الآن، وفق عِمران، نحو عشرة إصدارات بالتعاون مع المؤلف. من خلال الآلية ذاتها استطاع النادي بجانب الإصدارات تنظيم بعض الورش في صنعاء خلال فترة الحرب، مثل: ورشة للقصة القصيرة وأخرى وللرواية.
الجمهور
في ما يتعلق بجمهور الفعاليات؛ فهو من محبي الأدب ولهذا يقول رئيس النادي «نوجه الدعوة عبر «فيسبوك» إلى المبدعين ومحبي الأدب؛ فيأتي جمهور لا يتجاوز عددهم 25 شخصاً، وجميعهم معروفون بالاسم من المحبين والشغوفين بالأدب والفن».
الحرب
لا تتوقف فعاليات النادي، منذ استئناف نشاطه خلال الحرب، إلا في المناسبات الدينية الكبيرة كرمضان وعيدي الفطر والأضحى… يتحدث عِمران: «لا توجد لنا مشكلة مع الحرب؛ فموقفنا واضح، وهو أننا نرفض وندين الحرب بكل أطرافها، ونؤكد أننا لسنا مع طرف من أطرافها، وإنما نحن مع الوطن، ونؤمن بالأدب في مواجهة الحرب، من خلال اقتناعنا بما يتركه الأدب من أثر طويل المدى في المجتمع؛ ولهذا نراهن عليه كثيراً في تكريس ثقافة السلام والتعايش في مواجهة ثقافة العنف والمذهبية والطائفية والكراهية وغيرها من إفرازات الحرب».
الجدير بالإشارة إليه أن النادي يضم في عضويته نحو مئتي عضو من كُتاب القصة والرواية والنقاد، كما افتتحت له فروع في بعض المحافظات، إلا أن الناشط منها حالياً، فرعان فقط حسب رئيس النادي في صنعاء.