منطقتنا العربية دائرة مغلقة تتكرر فيها الأخطاء والخطايا: المصري إيمان يحيى: النوستالجيا تصنع لحنا يجذب القارئ إلى الرواية

حجم الخط
0

يبدو أن الاهتمام بالتاريخ يزدادُ وتكتسبُ دراسةُ وقائعه أهمية كبيرة كلما تصاعد القلقُ بشأن صيرورات الحاضر، وما سيؤول إليه المصيرُ مع انطلاق الحراك الجماهيري في بعض البلدان العربية، وما رافقهُ من الضبابية والتعقيد والاختلاف في التوصيف. وجدَ عددُ من الروائيين في العودة إلى التاريخ ونبش أضابيره أداة لفهم الحاضر المُلتبس وتأتي رواية «الزوجة المكسيكية» في هذا الإطار، إذ استعادَ صاحب «الكتابة بالمشرط» في إصداره الجديد استعادة حقبة من تاريخ مصر تضجُ بالأفكار والمشاريع الثورية وكان لـ«القدس العربي» حوار مع إيمان يحيى حول الدافع وراء توظيف شخصية يوسف إدريس وقصة زواجه بامرأة مكسيكية خلفية لسرد أحداث تاريخية.

■ تدور أحداث روايتك الأخيرة «الزوجة المكسيكية» حول قصة زواج الكاتب المصري يوسف إدريس بفتاة مكسيكية تدعى روث، وفي هذا السياق تستعيدُ ما عاشته مصر في تلك الحقبة من تصاعد الفكر الثوري والتطلع إلى عهد جديد، هل الغرض من كتابة روايتك الجديدة هو التوثيق السردي لتلك الأجواء انطلاقا من علاقة قائمة بين كاتب مصري وامرأة أجنبية؟
□ التوثيق لمرحلة ما في رواية بلا شك مهم، ولكن لا يصلح وحده ليكون الهدف من كتابة الرواية. عندما يمسك الكاتب بقلمه ويشرع في الكتابة يكون أمامه هدف واضح، ولكن مع تقدمه في العمل تظهر أهداف أخرى. ولعل من تلك الأهداف التوثيق. رغم أن قصة حب وزواج يحيى وروث، هي السياق المشوِّق للرواية، إلا أن تلك الحقبة من تاريخ مصر والصراعات السياسية والاجتماعية فيها، تلقي ظلالا كثيرة على اللحظة الراهنة. يقولون إن لحظات التاريخ لا تكرر نفسها ولا تتشابه، إلا في حالات «المسخرة». ويبدو أن منطقتنا العربية استثناء من تلك القاعدة. نحن في دائرة مغلقة تتكرر فيها الأخطاء والخطايا بحق شعوبنا، وتبقى مجتمعاتنا في حالة ثابتة استاتيكية تنذر بالفناء. الرواية التي كتبتها تقول: ما أشبه اليوم بالبارحة! النوستالجيا عبر الأمكنة والأزمنة والأغاني والموسيقى والمشاهد البصرية تصنع لحنا يجذب القارئ إليها، ولكن «المأساة» تبقى مغلفة بروح «النوستالجيا». قصة «يحيى» الشهير بيوسف إدريس و«روث» المعمارية المكسيكية الشهيرة ابنة دييجو ريفييرا، تصبح نافذة لنطل على واقعنا العربي والمصري.

■ كما نعلم أن روث هي ابنة ديجو ريفيرا أشهر رسامي الجداريات في القرن العشرين، لو لم تكن هذه الشخصيةُ طرفا في تلك العلاقة هل اتخذت تشكيلتك السردية صورة أخرى؟
□ بالطبع لو لم تكن روث موجودة لتغير شكل الرواية. شخصية روث الثرية ومكان لقائها بيحيى أعطى الرواية أبعادًا أخرى: الشرق والغرب واختلاف الثقافة، العالم والحرب الباردة وقتها، اليسار الصاعد مع موجة حركة أنصار السلام العالمية، وبعد الانتصار على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، الستالينية وبدء رفع عصا التمرد عليها. كل هذا فتح أفاقًا جديدة أمامي في الكتابة. استمتعت بكتابة صوت روث في الرواية، رغم الجهد الضخم الذي بذلته في تعقب مسيرة حياتها الشخصية والعامة بعد الانفصال عن يوسف إدريس. كانت شخصية «يحيى» على سبيل المثال من السهل قراءتها والكتابة عنها. قراءة «البيضاء» وقراءة كافة أعماله ومئات أحاديثه الصحافية والكتب التي تناولت حياته الإبداعية، كافية لسبر غورها. أما «روث» فقد كانت عقدة المنشار في السرد. بعد جهد البحث، جاء عناء الحديث بصوتها. تمثلتها وشعرت بأحاسيسها وما يمكن أن يثور بينها وبين «يحيى». في الفصل قبل الأخير من الرواية، وأنا أحكي قصة رحيلها المبكر بصوتها، بينما تتذكر مسيرة حياتها ولحظات الوداع مع يحيى، وجدت الدموع تطفر من عينيّ ونهنهات عنيفة تصدر مني. كان التماهي مع صوتها مثيرا ومؤلما في آن.

■ سبق أن رأينا محاولات بعض الكتاب لإعادة توظيف كائنات ورقية ضمن منظومة أعمالهم، كما عمل إبراهيم فرغلي في «أبناء جبلاوي» كذلك بالنسبة لكمال داود في روايته «معارضة الغريب» حيث تعدُ امتداداً لوقائع رواية «الغريب». لماذا من بين كل أعمال يوسف إدريس تحولت رواية «البيضاء» إلى محورٍ في مسار عملك؟
□ التماهي مع ما تقول إنه «كائنات ورقية»، ومع اعتراضي على مصطلح «الكائنات الورقية»، غير موجود في «الزوجة المكسيكية» لماذا؟ لأن شخوص رواية «البيضاء» بقليل من الجهد يمكن معرفة أشخاصهم الحقيقية في الحياة. الشخصية الوحيدة المجهولة في رواية «يوسف إدريس»، هي «سانتي» التي اكتشفنا أنها ليست يونانية ولكن مكسيكية واسمها «رُوث»! في «الزوجة المكسيكية» نُرجِع تلك الشخصيات الى سمات حقيقية نعرفها عنها، ونعيد الوقائع إلى ظروف تاريخية ووقائع محددة وليست ضبابية، كما هي موجودة في رواية «البيضاء». وكأننا نعيد وضع إنسان واقف على رأسه ليصبح قائما على قدميه. استعادة الواقع كان محكوما بعدم معارضة شيئين: السياق التاريخي بوقائعه المحددة، وعدم التعارض الصارخ مع السياق الروائي لـ«البيضاء». «بيضاء» يوسف إدريس ظُلِمت كثيرا، هي في رأيي رواية رائعة ورائدة في الأدب العربي. لقد نسفت تلك الرواية مفهوم «البطل الإيجابي» المتمثل لكل سماته النابعة من «الواقعية الاشتراكية». في «البيضاء» نحن أمام بطل متردد، صحيح أنه مناضل ثوري، لكنه لا يقاوم غرائزه ولا عواطفه. يطارد امرأة مناضل قبرصي يحارب مع «إيكا» لاستقلال قبرص، ولا يراعي «الرفاقية» في النضال الأممي. البطل في «البيضاء» بطل من لحم ودم، له عالمه الداخلي الثري وتناقضاته الصاخبة. وأيضا البطل في «الزوجة المكسيكية» ليس ملاكا أو شيطانًا، ليس تقدميا على طول الخط، بل إنه مليء بالعقد تجاه النساء، لا يثق بهن، غيور لأقصى درجات الغيرة. يبدو على اطلاع بأحدث منتجات الثقافة العالمية، لكن طباعه الشرقية بكل مثالبها تتمكن منه. وهنا ينبع التناقض الذي يعطي للرواية طعمها المميز والمختلف. أصررت على تطعيم فصول الرواية في بداياتها على مقاطع قصيرة من رواية «البيضاء» لأبرز مواقف «الزوجة المكسيكية» التي قد تتوافق مع تلك الفقرات، أو تتناقض معها. هدفي كان أيضا أن أعيد «البيضاء» إلى الأذهان وأحيي قراءة هذا العمل الفريد في الأدب العربي من جديد.

■ هناك عدد من الأطباء الذين احترفوا كتابة الرواية والقصة وأضافوا بسردياتهم إلى سجل الأدب العالمي، لعل أبرزهم هو تيشخوف ويوسف إدريس وعلاء الأسواني وأنت بدورك جمعت بين صناعتين، ما هو المشترك بين كتابة الرواية والطُب؟
□ هناك مهن يتعرى الإنسان أمامها، ولعل «التعري» هنا يعني المصارحة والانكشاف أمام الشخص الآخر. الإنسان قد لا يصارح حبيبته أو زوجته بمرضه أو بما داخله، لكنه يصارح الطبيب. الطب والمحاماة والقضاء هي أكثر المهن التي يتعرى الناس أمام أصحابها. ولعلي لا أغضِب أحدا إذا قلت إن مأساة أدبنا العربي الحالي هي في أن الأغلبية العظمى من كتابه يشتغلون بمهنة الكتابة والصحافة. هذا يضيق من فرص اكتشاف أجواء جديدة ومناخات بكر للأعمال الأدبية. إرجع للوراء- لعشرات السنين- ستجد أدباءنا جاءوا من مهن وخبرات حياتية مختلفة. محفوظ كان موظفا تقليديا، وإدريس طبيبا، والحكيم يعمل في النيابة العمومية، ويحيى حقي دبلوماسيا ومحققا عاما، ناهيك عن مهن عديدة امتهنها الكتاب العرب مثل، حنا مينا ومحمد شكري وغيرهما. المهن حيوات غير متشابهة، وخبراتها تصنع عوالم غير متكررة. الواقع والخبرات العريضة هي القماش التي يصنع منه الروائي كتابته. الطب يفتح عالما مثيرا أمام الأديب، فبجانب التعري أمام ممارسه هناك الصراع الدرامي الأزلي بين الحياة والموت بكل دقائقة ولحظاته. جانب الحياة الذي ينحاز إليه الطبيب، وجانب الموت الذي ينتصر عليه في بعض الأحيان. الطب له أيضا قوانينه العلمية وقواعده الجدلية التي قد تصنع منطقا أدبيا مغايرا.. ولذلك لدينا ولدى العالم أدباء مجيدون جاءوا من عالم الطب، إذا ذكرتهم هنا لن تكفي ذكرهم صفحات جريدة.

■ أنت أيضاً مترجم عن اللغة الروسية، وهناك من يرى أن الأعمال العربية الناجحة، سواء في الشعر أو الرواية والقصة، جاءت من أدباء مطلعين على الآداب العالمية ويتابعونها بلغاتها. هل تؤيد هذا الرأي؟
□ امتلاك الكاتب للغات غير لغته العربية يعطيه فرصة الاطلاع على تجارب أدبية أخرى وعوالم مختلفة عن عالمه. بالطبع أنا في حل عن ذكر الفائدة التي تعود على أدبه من ذلك. الجانب الآخر هو أن امتلاك لغات أجنبية يثري لغة وأسلوب الأديب العربي. اللغة ليست جمادًا أو دائرة مصمتة. اللغة كائن حي يتنفس ويتغذى ويتبادل مع اللغات الأخرى المفردات والتراكيب والمصطلحات. عندما تتكلس اللغة، تتحول من لغة حية إلى لغة ميتة، وكم من لغات حية ماتت من تكلسها وتكلس أصحابها ولم نعد نسمع عنها! وكم من لغة ميتة تم إحياؤها بمجهود أهلها، ولعل العبرية مثال على ذلك. لغة اندثرت منذ ألفي عام وتم إحياؤها من جديد! اللغة أيضا لها منطق تفكير، عندما تتكلم الألمانية مثلا، فإن منطق اللغة يعطيك طريقة تفكير مغايرة.

■ ماذا تضيف هذه الحكاية للباحثين في سيرة كاتب كبير ومناضل من طراز يوسف إدريس؟
□ تلقي هذه الرواية ضوءًا على فترة مبكرة من حياة الشاب يوسف إدريس، في تلك الفترة كان يوسف إدريس غزير الإنتاج بشكل لافت للنظر. ولا شك في أن معرفة خلفيات تلك الفترة تعطي القراء والمتخصصين مادة خصبة لمعرفة المؤثرات التي صاغت قصصه آنذاك. نحن نعرف لأول مرة أن إدريس كان على اتصال بحركة السلام العالمية وبمثقفي الغرب الطليعيين آنذاك. تلك الصلات السياسية والثقافية الواسعة أثرت في وعيه وجعلته مختلفا عن الماركسيين التقليديين في مجتمعاتنا العربية آنذاك. على المستوى المعرفي «الزوجة المكسيكية» ستعطي الكثير لدارسي أدب يوسف إدريس ومحبيه. هي تفتح الباب واسعا لمعرفة النماذج الأولية التي استخرج منها شخصيات «البيضاء»، تزيح الستار عن شخصيته والظروف التي أحاطت نشأته الأدبية… والأهم أنها تطرح من جديد قراءة يوسف إدريس وإعادة إبداعاته إلى مكانها الصحيح في واجهة الأدب العربي.

٭ كاتب عراقي

منطقتنا العربية دائرة مغلقة تتكرر فيها الأخطاء والخطايا: المصري إيمان يحيى: النوستالجيا تصنع لحنا يجذب القارئ إلى الرواية

حاوره: كه يلان مُحمَد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية