بسام الهلسة
آبَ تعني في اللغة العربية رجع، عاد.. و آبْ هو الشهر الثامن من السنة الشمسية الميلادية وثالث شهور الصيف وخاتمها.. حمل اسم القيصر الروماني الشهير اغسطس وورثته الحضارة الغربية من جملة ما ورثت ممن زعمت أنهم أسلافها: الرومان والإغريق. ولأن آب لا يعبأ بنا ولا بما نقوله عنه: آب لهَّاب، فهو يؤوب بانتظام كل عام في موعده المحدد.. ہہہ لا أعرف إن كانت ثمة علاقة بين آب و الأب.. فبعض الآباء لا يؤوبون مثله في الأوقات المعتادة، إلي بيوتهم وعائلاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم.. ليس بسبب الوفاة، أو السفر بعيداً.. بل لأنهم أسري ومعتقلون.. والأسري والمعتقلون ليسوا من الآباء فقط، ففيهم أمهات أيضاً.. وشباب وشابات لم يتزوجوا بعد، وأطفال لم يصلوا بعدُ سن الشباب كما في الحالة الفلسطينية.. وهؤلاء جميعاً ينتظر الجميع أوبتهم، لأنهم عشاق حرية قاوموا المحتل لبلادهم.. مثلهم أيضاً سجناء الرأي في الدول العربية والعالم، الذين ضاقت الأنظمة المستبدة بمواقفهم المغايرة لما تريده، فأودعتهم بيت خالتهم كما يطلق علي السجن في بلاد الشام.. ہہہ و السجن اختراع بشري رافق نشوء وتطور الدولة، وانحلال المجتمعات القبائلية التي كانت أعرافها تتكفل بضبط وردع التجاوزات والتعديات. بعض الدول اشتهرت بسجونها كمعالم مميزة.. لكن إسرائيل فاقت الجميع.. ليس فقط بكثرة السجون التي تزج بها آلاف الفلسطينيين والعرب المقاومين، بل لأنها حولت فلسطين كلها إلي سجن كبير بحجم وطن. فبعدما تفضَّلت عنصُريتُها التوسعية الاستعمارية، بتهجير القسم الأعظم من الشعب الفلسطيني، شملت الباقين منه في وطنهم بعطفها الرؤوم فقطّعت أوصالهم بالحواجز العسكرية، والجدران، والمستوطنات، والسيطرة الكاملة علي الحدود والمعابر والأجواء، ومنعت لم شمل العائلات ببعضها، وقيدت التنقل والسفر إلا بموافقة السلطات الأمنية، التي بلغ مفهومها للأمن إلي الدرجة التي اعتبرت فيها غولدا مائير رئيسة الوزراء سابقاً، أن ولادة طفل فلسطيني تشكِّل كابوساً لها!! وإلي الدرجة التي تمني فيها رئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين لو أن البحر يبتلع غزة!! ہہہ نحن العرب لدينا أيضاً ما نذكره في هذا المجال المحترم مثل سجن المخيس قديماً، الذي زج فيه الحجَّاج بمن لم تقطف أعناقهم سيوفُ جلاديه، من معارضي حكم بني أُميَّة. وفي عصرنا اشتهرت كثير من السجون العربية ولا فخر: كالرمل، ونقرة السلمان، والمزة، وتدمر، والجفر، وليمان طرة، والقلعة.. روي لي أحد نزلائها السابقين أنه قرأ عبارة مكتوبة علي باب السجن، تقول: الداخلُ مفقود والخارجُ مولود.. ولا نسألكم عليه أجراً!! ہہہ وإذا كان عدد من هذه السجون التاريخية قد أغلق أو اندثر، فلقد حل محله العديد منها.. وليعذرني القارئ إن لم أذكرها فهي كُثرٌ كما قالت حبيبة الشاعر الفارس أبي فراس الحمداني مباهية بكثرة عشاقها: فقلتُ، كما شاءت وشاءَ لها الهوي قتيلكِ! قالتْ: أيهم؟ فهم كُثْرُ!! وبمناسبة العشاق يُهيأ لي أن أنظمتنا تقتدي بهم!! لا من جهة الكثرة، فهي علي مذهب التوحيد في السلطة، ولا تبغض شيئاً بغضها للمشاركة الشعبية!! بل تقتدي بهم من زاوية الاستبداد الذي دعا إليه عمر بن أبي ربيعة: ليتَ هِنداً أنجزتنا ما تَعِدْ وشَفَتْ أنفسَنَا ممَّا تَجِدْ! و اسْتَبَدَّتْ مرَّة واحدةً إنما العاجزُ من لا يَسْتَبِدْ!! ہہہ يحق لنا وقد ذكرنا معالمنا أن نذكر معالم الآخرين، ومن أشهرها سجن الباستيل الرهيب الذي يُؤَرَّخُ للثورة الفرنسية العظمي بيوم اقتحامه (14 تموز/يوليو 1789م) وتحرير سجنائه من قبل عامة باريس الثائرة. وفي القرن الماضي ذاع صيت اوشفيتز كأكبر وأقسي معسكر اعتقال أقامه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية. ولا زال اسمه يثير الهول لما شهده من فظائع إجرامية. لكن قرننا الحادي والعشرين الذي لا زال يحبو في سنواته الأولي، منح الامتياز الأكبر للولايات المتحدة الأميركية، تقديراً لجدارتها السِّجنيَّة العالية التي تبيَّن جزء منها فقط في مُعتقلي أبو غريب و غوانتانامو.. وهي جدارة لائقة بمكانتها كالدولة الأعظم في العالم، و متوائمة مع ادعاءاتها الكبيرة التي صدعت بها الآذان، عن الحرية.. وحقوق الإنسان!! ہہہ آبَ آبْ… ويبدو أن تداعياته أخذتني بعيداً، فـ شطحتُ في الكلام… آن لي أن أؤوب كما يؤوبُ لمنزله الحمام!!