بغداد ـ «القدس العربي»: سلّطت منظمة «هيومان تي آند أينكلوجين» الإنسانية الناشطة حول العالم، الضوء على الأدوار التي تلعبها في العراق لإنقاذه من الآثار الخطيرة للألغام والأجسام غير المنفجرة، والتي كلفته على مدى العقود الماضية، الكثير من الخسائر البشرية والبيئية والاقتصادية، فضلا عن تحذيرها من تسرب مواد كيميائية من هذه الألغام.
وذكرت في تقرير لها أن «تاريخ الصراعات في العراق التي تشمل الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988) وحرب الخليج (1990 ـ 1991) وحرب عام 2003، وآخرها الحرب ضد «داعش» جعلت البلد شديد التلوث بمخلفات المتفجرات، حيث تسببت القنابل العنقودية والألغام الأرضية والعبوات المرتجلة والمواد الكيميائية، في تلوث الأرض والمياه والهواء، مما يشكل تهديدات على المدى الطويل».
وحسب التقرير، فإن «العديد من المناطق العراقية لا تزال حافلة بالذخائر غير المنفجرة التي تسبب إصابات بين المدنيين، وخصوصا بين الأطفال» مشيرا إلى أن «ذخائر اليورانيوم المنضب عززت من المخاطر البيئية والصحية، في حين أن تلوث الأراضي الزراعية ومشاريع البنية التحتية يعرقل إمكانية التعافي الاقتصادي».
وأضاف أن «جهود التطهير تواجه تحديات كبيرة في العراق، وأن إزالة الألغام تجري بشكل بطيء بسبب التلوث الكبير بالمواد القابلة للانفجار والمخاوف الامنية» موضحاً أن «الحدود العراقية ـ الإيرانية تعتبر واحدة من أكثر المناطق تضررا، حيث خلفت الحرب أعدادا كبيرة من الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة الاخرى».
ووفق التقرير فإنه «في وسط وشمال العراق، فإن محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى وديالى والأنبار تضررت بحدة في الصراع مع «داعش» بين عامي 2014 و2018، حيث جرى اللجوء بشكل كبير إلى استخدام العبوات البدائية الصنع والألغام الأرضية والأسلحة المتفجرة الأخرى».
ولفت إلى أن «المخلفات المتفجرة من هذه الحروب تشكل تهديدا مستمرا وتعرض المدنيين للخطر وخصوصا المزارعين والعائلات النازحة العائدة الى ديارها وتعرقل إعادة الإعمار» مبيناً أن «مناطق مثل مدن الموصل والفلوجة تحتوي على قنابل ومواد غير منفجرة في المباني، بينما المزارع في نينوى وكركوك والأنبار وصلاح الدين وديالى لم تعد آمنة بسبب الألغام الأرضية المدفونة، مما يحول دون عودة المزارعين إلى أراضيهم».
منظمة حقوقية خصصت تقريرا لرصد أضرارها
وأشار التقرير إلى أنه «في محافظة صلاح الدين، حيث تنشط المنظمة منذ أيار/مايو 2023، فإن فرق إزالة الألغام والمتفجرات تمكنت من تطهير مليونين و186 ألفا و919 مترا من الأراضي، وتفكيك 1.730 عبوة ناسفة، وتدمير 1.044 ذخيرة غير منفجرة».
وحسب التقرير فإن «الألغام والقنابل المخفية تلوث كافة أنحاء البلاد، وتنتشر على الشوارع والطرقات السريعة، مما يجعل السفر محفوفا بالمخاطر، وتلوث ايضا ساحات المعارك القديمة والقواعد العسكرية وحقول النفط وخطوط الأنابيب، في حين تبقى المدارس والمباني العامة في مناطق جرت فيها حروب سابقا غير آمنة بسبب المتفجرات المخفية».
وأكد أن «المنظمة تعمل ضمن فريقين، حيث يعمل 14 من خبراء إزالة الألغام على إزالة المتفجرات وجعل هذه المناطق آمنة للمدنيين» موضحاً أنه «خلال عام 2024 وحده، جرى تطهير 1.207.855 مترا مربعا من الأراضي، وتفكيك 1.118 عبوة ناسفة مرتجلة، و115 ذخيرة غير منفجرة».
وذكر التقرير أيضاً أن «المخلفات المتفجرة تشكل تهديدات خطيرة على صحة الإنسان، وعلى البيئة أيضا، حيث إن المتفجرات المدفونة قد تتسرب منها مواد كيميائية سامة إلى التربة والمياه، بما في ذلك الفوسفور الأبيض واليورانيوم المنضب ومسحوق الألمنيوم، وهو تلوث يؤدي إلى تعطيل الزراعة وسلاسل الغذاء ويلحق الأذى بالتنوع البيولوجي».
وبالنسبة للمجتمعات المحلية فإن «التعرض الطويل لهذه المواد يفاقم من خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان والاضطرابات العصبية بين الأجيال المقبلة».
واعتبر أن «التحدي الأكبر الذي تمثله الذخائر غير المنفجرة هي استمرار المخاطر الأمنية وخصوصا في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجماعات الإرهابية مثل «داعش» والنطاق الواسع للتلوث، والذي قد تستغرق إزالته عقودا من الزمن» مضيفا أن «الموارد المحدودة والتمويل القليل يعرقلان التقدم في العمل البطيء أساسا، لأنه يتطلب خبرات متخصصة».
وكان الوزير السابق، زعيم تحالف «مستقبل العراق» باقر الزبيدي، قد أشار في بيان صحافي سابق إلى إن بلاده تعدّ «من أكثر دول العالم تضرراً من الألغام والمخلفات الحربية نتيجة تراكم الحروب والنزاعات على مر العقود الماضية».
وحسب «المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان» فإن أكثر من 6600 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية تم تحديدها كمناطق ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية منذ عام 2003، وقد تم تطهير أكثر من 4540 كيلومترا مربعا بحلول عام 2024، ورغم هذه الجهود، ما زال أكثر من 2000 كيلومتر مربع في حاجة إلى عمليات إزالة وتطهير.
وجاءت البصرة في المركز الأول من ناحية التضرر بالمخلفات الحربية والألغام، بمساحتها الملوثة بنحو 1200 كيلومتر مربع، تليها محافظتا المثنى وديالى.
وحسب الإحصائيات الرسمية فقد تجاوز عدد ضحايا الألغام والمخلفات الحربية في العراق الـ30 ألف شخص منذ عام 2003 ما بين شهيد وجريح وهو رقم مرتفع جدا وقابل للزيادة.
ويرى الزبيدي أن «الجماعات الإرهابية أسهمت أيضا بارتفاع أعداد الضحايا، حيث شهد العديد من المحافظات أعمالا إرهابية ناجمة عن زراعة ألغام وعبوات ناسفة، ولا يزال عدد كبير من الألغام يفتك بالعراقيين خصوصا في محافظات الموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك».
ولفت إلى أن «الألغام والمخلفات الحربية تحتاج إلى جهود دولية وشراكة مع الدول التي تمتلك تقنيات الكشف عن الألغام، وهنا لا بد من إطلاق حملة كبرى لكافة مناطق العراق الهدف منها إعلان العراق بلدا خاليا من الألغام والمخلفات الحربية في أسرع وقت».