بيروت ـ «القدس العربي»: شكّلت المواقع الأثرية والقلاع التاريخية في عام 2024 هاجساً للبنان الرسمي والشعبي بعد ما باتت مهددة بفعل الغارات الإسرائيلية، وشهدت البلاد تحركاً حكومياً ونيابياً ومن قبل لجنة مهرجانات بعلبك لحماية هذه المواقع الأثرية التي تمثّل إرثاً للإنسانية جمعاء وشكلت محط أنظار العالم العربي والأجنبي لعقود طويلة لما تختزنه من معالم ثمينة وكنوز فينيقية ورومانية وبيزنطية وعثمانية يعود عمرها إلى آلاف السنين، خشية تعرض هذه المعالم للضرر والتدمير الذي إذا حدث لن يكون مجرد خسارة للبنان، بل ضربة مأساوية للتراث العالمي، ما يمزّق الهوية الجماعية للبشرية. لذلك، أطلق لبنان نداء وتحركاً لحمايتها بدءاً من 2 تشرين الثاني/نوفمبر، وأهاب بمنظمة اليونسكو بذل مساعٍ حثيثة لدى الدول الفاعلة كي تتخذ التدابير الزاجرة للعدوان الإسرائيلي، ومن أجل دفع إسرائيل إلى احترام الحد الأدنى من أحكام القانون الدولي المتعلق بحماية الثروة الثقافية الإنسانية، نظرًا لما يُعرف عنها من استهتار بكل القيم والقوانين، وقد استجابت المنظمة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر ووافقت على تأمين الحماية لـ 34 موقعاً أثرياً.
وكان العديد من المواقع الأثرية والتراثية والممتلكات الثقافية في لبنان شهد خلال العام أضراراً بشكل مباشر نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي شكلت خطراً حقيقياً على أهم المواقع الأثرية والتراثية والثقافية ولاسيما منها آثار مدينة بعلبك وصور وبيروت والنبطية وشمع وسواها من مواقع التراث الثقافي.
وطالت الضربات الإسرائيلية بعنف مفرط محيط قلعة بعلبك أعرق وأقدم معلم أثري في لبنان، ومدينة صور وسوق النبطية ومعلم قبة دورس الأثري في بعلبك الذي تضرر إسوة بمعالم وبيوت أثرية ومساجد وكنائس ومواقع تاريخية ومقابر تاريخية وقلاع من الحروب الصليبية وأسواق يعود تاريخها إلى قرون، وقد استهدف بعضها عن قصد وبعضها الآخر بشكل غير مباشر، ما شكل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية.
مدينة الشمس بعلبك
أما الأضرار البارزة التي أحصيت في مدينة الشمس بعلبك فشملت سور قلعة بعلبك الخارجي الذي لا يقع في حرم القلعة التي سلم وسطها من أية أضرار ظاهرة للعيان، بل تضرر أحد معالمها المعروف بثكنة غورو، الملاصقة للحرم عند إحدى بوابات المدينة الرومانية القديمة، واستهدف موقف سيارات زوار القلعة بجوار بستان الخان الأثري وعلى بعد عشرات الامتار من القلعة، وتم تدمير مبنى المنشية التاريخي الذي يعود بناؤه إلى عام 1928 ناهيك عن أضرار كبيرة جداً في العديد من المباني التراثية المحيطة، ومنها أوتيل بالميرا الشهير، ودير وكنيسة سيدة المعونات المارونية، وكنيسة الروم الأورثوذكس، وكنيسة القديستين بربارة وتقلا، ومطرانية بعلبك للروم الملكيين الكاثوليك، وسلسلة المباني التابعة لها التي دمّر فيها القرميد والسقف البغدادي تحته فضلاً عن عشرات المحال التجارية والمنشآت الطبية والعلاجية والسياحية، والأبنية السكنية المجاورة.
كما تعرضت غرفة السيدة فيروز في أوتيل بالميرا في بعلبك إلى أضرار، هذا الفندق العريق الذي يعد أبرز المعالم السياحية والثقافية في لبنان والذي استقبل في رحابه شخصيات بارزة أمثال السيدة فيروز وأم كلثوم وشارل ديغول وسواهم من الأسماء اللامعة، وهو يمتاز ببنائه على الطراز العثماني والمطل على الأطلال الرومانية، ويختزن حباً وشوقاً وحنيناً إلى السيدة فيروز التي اتخذت غرفة لها في هذا الفندق للإقامة فيه خلال إحيائها حفلاتها ضمن مهرجانات بعلبك الدولية.
وليس بعيداً عن قلعة بعلبك التي تحتوي على آثار فينيقية ورومانية وعربية وتعتبر هياكلها وحجارتها ومعابدها الرومانية من الأكبر والأكثر حفظاً في العالم وتجسد أجمل ما اختزنه العالم القديم من ثروات والتي استضافت في أرجاء هياكلها ومعابدها ومدارجها كبار عمالقة الفن اللبناني والعربي والأجنبي في مهرجانات فنية واستعراضية دولية، سجل تضرر لمعلم قبة دورس الأثري في بعلبك، وهو موقع أثري سياحي يعود للقرن الثالث عشر، وهو عبارة عن قبة فوق ثمانية أعمدة من الغرانيت الأحمر تم تشييدها من حجارة وأعمدة آثار معابد بعلبك.
واستهدف التدمير الإسرائيلي عشرات البلدات الحدودية التاريخية ما أدى إلى إتلاف أو تدمير مناطق بأكملها حيث أحصي تضرر العديد من القلاع التاريخية الأثرية والمعالم التراثية في الجنوب ومن بينها قلعة تبنين، وقلعة ميس في أنصار، جامع بليدا التاريخي، مقام النبي بنيامين في محيبيب، مقام النبي شمعون في شمع، فضلاً عن مساجد النبي شعيب في بليدا، شبعا، يارون، الظهيرة، طيردبا، كفرتبنيت، مجدل سلم، وكنيسة دردغيا.
كما لم توفر الغارات الإسرائيلية المعادية السوق التجاري التراثي في النبطية وهو أهم الأسواق الشعبية في جبل عامل وجنوب لبنان فدمرت تراثه الثقافي والتاريخي بعد أن كانت تضم هذه الأسواق القديمة 12 مبنى سكنياً تاريخياً و40 متجراً تعود إلى القرن التاسع عشر فضلاً عن تدمير ستة مراكز أثرية دينية وبيوت تراثية مصنفة دولياً وسبعة مساجد، وكنيسة وخمسة مباني بلديات أثرية.
أحياء الضاحية الجنوبية
ولم تقتصر الضربات الإسرائيلية على المعالم الأثرية في بعلبك وصور، بل طالت أحياء بكاملها في الضاحية الجنوبية في بيروت يعود تاريخها إلى الفتح العربي ومن بينها أحياء الشياح والليلكي وحارة حريك التي كانت تتميّز بهندستها المعمارية وبعض المباني الدينية والكنائس والمساجد.
كما أحصي بفعل الضربات الإسرائيلية تضرر مقبرة الباشورة وهي مقبرة قديمة يطلق عليها البيروتيون اسم قبر عمر، وهي تضم رفات العديد من المشاهير من عهد الخلافة العثمانية ومنها قبر والي سوريا أحمد حمدي باشا الذي يقع بجوار سور المقبرة، كما تضم المقبرة رفات مسؤولين لبنانيين من بينهم رئيس الوزراء الأسبق شفيق الوزان ورئيس حزب النجادة الأسبق.
وعلى وقع هذا التدمير الممنهج للآثار والمعالم التراثية التاريخية اللبنانية من قبل آلة الحرب الإسرائيلية لمحاولة محو هوية لبنان الثقافية والتراثية، وجّه أكثر من 100 نائب لبناني بالتشاور مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزيري الخارجية والمغتربين عبدالله بوحبيب والثقافة محمد المرتضى رسالة إلى المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي في 7 تشرين الثاني/نوفمبر، تضمنت نداء إلى المنظمة الدولية لحماية التراث المشترك للبشرية ودعت «إلى حماية المواقع التاريخية في لبنان، لا سيما في بعلبك وصور وصيدا وغيرها من المعالم الثمينة التي تواجه خطراً كبيراً نتيجة تصاعد الفظائع». وقالت «إن هذه المعالم العزيزة، التي لا تقدر بثمن ليس فقط لأمتنا بل للبشرية، تواجه خطراً متعاظماً مع تصاعد وتيرة الحرب». فهي حسب ما ورد في الرسالة «تجسد قروناً من التاريخ والإنجازات والهوية الإنسانية، وتحمل القيم العميقة التي تربط بين الأجيال» مؤكدة «أن حمايتها ليست مجرد مصلحة وطنية، بل مسؤولية للحفاظ على جزء من الحضارة الإنسانية».
وبناء عليه، انعقدت جلسة طارئة في العاصمة الفرنسية باريس في 18 تشرين الثاني/نوفمبر وافقت خلالها اللجنة التابعة لليونسكو والمعنية بالحفاظ على الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة على تأمين الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية المهددة بفعل العدوان الإسرائيلي، ولاسيما منها بعلبك وصور. ورأت أن «عدم الامتثال لهذه البنود من شأنه أن يشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 وأسباباً محتملة للملاحقة القضائية». وأكدت أن «بعلبك وصور ستتلقيان مساعدة تقنية ومالية من اليونسكو لتعزيز حمايتهما القانونية وتحسين تدابير استباق المخاطر وإدارتها وتوفير مزيد من التدريب لمدراء المواقع».