آخر أعمال الناقد البحريني الراحل محمد أحمد البنكي: هدايا تفكيكية رصينة لفهم الظاهرة الإسلامية الحركية

حجم الخط
0

منتصر حمادة

ضيف هذا العرض، ناقد بحريني من العيار الثقيل، رحل عنا في ربيع العام الماضي، وفي ظل صمت ثقافي رهيب، ونخص بالذكر، صمت الأقلام العربية التي اشتغلت على أسئلة التفكيك و’أجوبة’ جاك دريدا بالتحديد، من منطلق أن المعني بالذكر، الناقد والفقيد البحريني محمد أحمد البنكي، أَلّفَ كتابا مرجعيا في تناول الظاهرة التفكيكية، ونتحدث عن كتابه المرجعي ‘دريدا عربيا، قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي’، والصادر سنة 2005 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان.

نحن في ضيافة كتاب ‘البنكي مُفكّكا’، مقالات ودراسات مختارة للناقد البحريني محمد أحمد البنكي، إعداد رنده فاروق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت بدعم من وزارة الثقافة البحرينية، ط 1، 2010. تفرعت فصول الكتاب على سبعة أبواب، تغطي مرحلة أساسية من مسارات القراءات النقدية للراحل، منها باب تفكيك، انزياحات واختلاف، قاب قوسين، والذي يُفكك من خلاله بعض أعمال أدونيس وقاسم حداد.

ما يهمنا أكثر في هذا العرض الاستطلاعي، الاستشهاد ببعض الرؤى النقدية للبنكي والخاصة بنقد أداء الحركات الإسلامية، سواء تعلق الأمر بالحركات الدعوية أو السياسية (أي حركات وأحزاب الإسلام السياسي)، أو ‘الجهادية’. المثير في هذه الرؤى النقدية، أن رصانتها وجديتها تتفوق بشكل ملفت على فحوى العديد من الدراسات والمقالات التي انتشرت كالفطر في العقد الأخير في مجالنا التداولي الإسلامي العربي، بحكم ارتفاع الطلب على القراءات الخاصة بالظاهرة الإسلامية الحركية، لمساعدة صانعي القرار في العالم بأسره على ‘حُسن’ قراءة الظاهرة وتجلياتها الميدانية المؤرقة على أكثر من صعيد عقدي ومذهبي وإيديولوجي، وطبعا، استراتيجي.

نطلع مثلا في مبحث يحمل عنوان: ‘النقد النقد يرحمكم الله’، على طرق الكاتب لباب النقد الذاتي، أحد الأبواب شبه المقدسة عند الحركات الإسلامية، بحيث ان مجرد ذكر هذه المفردة يجلب معه نظرات الريبة والتشكيك وأحيانا الاتهام من طرف القيادات الإسلامية، اتجاه كل ‘من سَوّلت له نفسه’، من أتباع هذه الحركات، تبني خيار نقد الذات غير المنزهة نظريا، عن السقوط في الخطأ والخطيئة على حد سواء، ولا حاجة للتوقف عند أمثلة دموية صادمة تُترجم مقتضيات السقوط في الخطأ والخطيئة، كما تم عمليا في العديد من المزارع العربية والإسلامية، السنية والشيعية.

يرى البنكي إذا، أنه على الرغم من أن مناهج التكوين الفكري قد أكل عليها الدهر وشرب لدى أكثر جماعات التيار الديني، إلا أن النقودات التي توجه إلى هذه المناهج لا تكاد تزن عند رموز التيار جناح بعوضة، لأن لسان حال القناعة السائدة هو أن ‘عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة’، وأن العض على هذه الموروثات بالنواجذ خير من العض على أصابع الندم عندما تفتح الأبواب على مصراعيها لكل ناعق وكل جعجعة.

ويرى البنكي في مقام آخر من عمله الأخير الذي أشرفت على تحريره أكثر الأقلام العربية متابعة لأعماله، الباحثة رنده فاروق، أنه في كل الأحوال، يحتاج القائمون على أمر هذه التيارات إلى اجتياز حاجز الخوف والدخول في معترك التغيير والنقد الداخلي الصريح، ولا خوف من نشر الغسيل القذر في هذه الحالة، لاعتبار بدهي، مفاده أن عدم تنظيف الملابس إما يؤدي إلى إرتداء ما تزكم رائحته الأنوف أو يترك العورة مكشوفة، مضيفا أنه إذا كان البعض قد أخذ بخناق النقد ردحا طويلا من الزمن بحجة أن مثل هذا الكلام يكشف الصف أمام العدو فإن سياق الأحداث يكشف أن هذا ‘العدو’ قد اخترق أنظمة تفكيرنا ودَسّ أنفه في أخص خصوصياتنا وراقب حتى دبة النملة، وليست التبريرات التي نرددها إلا سد خانة في الوقت الضائع.

في مبحث ‘الإسلام.. العولمة.. ما بعد الحداثة’، نطلع على البنكي باعتباره مؤرخا لتاريخ الأفكار، عندما نقرأ له مثلا، أنه قبل شيوع موجة الكتابة عن ‘الإسلام وما بعد الحداثة’ أو ‘الإسلام والعولمة’ كان المفكر الباكستاني أكبر سيد أحمد مهموما بطرح مثل هذه القضايا في كتابات عديدة، لم تواتها حظوظ الشيوع والرواج، واقتصر نطاق تداولها على أوساط اختصاص ضيقة في الجامعات الأمريكية حيث كان أحمد ينكب، بالكثير من الجدية، على إنضاج رؤية متماسكة ومستقلة تستقي من تكوينه الوجداني الموروث، وهو المسلم العالمثالثي من جهة، وتقتبس، من الجهة الأخرى، من مواكبة مسارات الفكر الراهن عالميا وأبرز ما يشغله من قضايا.

وقد كتب أكبر أحمد، ونعتقد أن الأمر لا يهم فقط أكبر أحمد، وإنما يهم أيضا أحمد البنكي، وكل من يملك عقلا سليما لمواجهة بعض أزمات العقل الإسلامي المعاصر، بما فيها طبعا الأزمات المُركبة للعقل الإسلامي الحركي، أنه على المسلمين ــ بيت القصيد ــ التعامل مع المغنية مادونا على أساس أنها جزء من نسيج العصر، وبالطبع، لم يكن أحمد يريد بذلك انتصارا لمادونا أو عليها بقدر ما كان يروم لفت نظر المختصين بالفكر من أبناء الأمة إلى ان نسيج هذا العصر متشابك، وأن فهمه ثم التعامل الحيوي معه يحتاج إلى نوع من إرجاء أحكام القيمة المتسرعة حتى يتحقق قتل الظواهر بحثا وتمحيصا ومعرفة قبل اغتيالها ضجيجا وصياحا أو امتشاقا للسلاح. ومن المؤسف أنه لم يتشكل حتى هذه اللحظة تيار عريض، من أصحاب الاختصاص، يصدر عن نفس تلك المنطلقات والدوافع التي كانت تحرك أكبر سيد أحمد.

نترك مسك الختام لأحد أهم المحددات التي تتحكم في الدور المستقبلي لاتجاه الحركات الإسلامية بشكل عام، بالرغم من الراحل اشتغل على نموذج ‘جمعية الإصلاح السياسي’ البحرينية، لولا أن رصانة قراءاته النقدية للتجربة الإسلامية الحركية، تشفع لنا تعميم هذه الخلاصة على باقي الحركات، عندما اعتبر أن هذا المحدد الأبرز لا يخرج عن مدى القدرة على التجديد الفكري، وإحداث نقلة نوعية من الداخل على هذا الصعيد، حيث كما هو معلوم عند متتبعي أداء الحركات الإسلامية، فقد ظلت هذه الأخيرة طوال فترة ممتدة من تاريخها غير معنية بتوجيه عناصرها إلى دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والاقتصاد والعلوم السياسية والقانون مفضلة مجالات الطب والعلوم البحتة والإلكترونيات والتربية في أفضل الحالات، وكانت النتيجة نقصا حادا في إنتاج التيار لجهة الدراسات التي تتعامل مع المشكلات المجتمعية وتحديات الشأن العام حاضرا أو تاريخيا.. ولا يمكن توقع نمو سليم ومعافى لهذه التيارات دون إيلاء قضية التجديد الفكري ثقلها الذي تستحق في أولويات الحركة وبين صفوفها.

كما كان مصيبا البنكي في هذه الجزئية النقدية الرصينة..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية